في خطوة تاريخية تجسد معيار الكفاءة.. تعيين فاطمة الزهراء المنصوري أول امرأة على رأس الحكومة المغربية
القرار الملكي يعكس رؤية استراتيجية متواصلة لترسيخ دولة الاستحقاق وتفعيل الدور القيادي للمرأة في تدبير الشأن العام
في محطة مفصلية تعزز مسار الإصلاحات الهيكلية والتحديث المؤسساتي في المملكة المغربية، أصدر العاهل المغربي الملك محمد السادس قراراً بتعيين السيدة فاطمة الزهراء المنصوري في منصب رئيسة الحكومة. ويفسر متابعون للشأن السياسي المغربي هذا التعيين بأنه ليس حدثاً عابراً أو إجراءً طارئاً، بل يأتي امتداداً طبيعياً لتوجه ملكي راسخ ينطلق من إدماج المرأة في مركز صناعة القرار كحجر زاوية في الرؤية الاستراتيجية للتنمية الشاملة وبناء دولة الحق والقانون والمجتمع الديمقراطي الحديث.
رؤية ملكية تعتمد الاستحقاق والقدرة على الإنجاز
منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش، حظيت المرأة المغربية بمكانة محورية في مشروع التحديث المجتمعي، حيث تجاوزت الرؤية الملكية نطاق الشعارات للوصول إلى عمق الإصلاحات المؤسساتية والدستورية. وتتأسس هذه السياسة على جعل التمكين والتدبير القائم على الكفاءة والاستحقاق—دون اعتبار للجنس—المعيار الأساسي لتولي المسؤوليات الوطنية الكبرى.

ولا يُعد وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة نقطة بداية، بل تبلورٌ لمسار مؤسساتي تضمن تقلد الكفاءات النسائية مناصب استراتيجية وغير مسبوقة في تاريخ المملكة؛ بدءاً من الراحلة زليخة نصري كأول مستشارة لجلالة الملك، مروراً بزينب العدوي التي تتولى رئاسة المجلس الأعلى للحسابات كإحدى أرفع المؤسسات الدستورية، وأمينة بنخضرا التي تدير المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن، بما يعكس حضور النساء في القطاعات الحيوية والدقيقة.
من القانون إلى القيادة السياسية: مسار أكاديمي ومهني حافل
تصل فاطمة الزهراء المنصوري، المولودة في الثالث من يناير 1976 بمدينة مراكش، إلى سدة الحكومة محمّلة بتجربة أكاديمية ومهنية متنوعة في مجالات القانون والسياسة والتدبير المحلي:
التأهيل الأكاديمي والمهني: تتوزع مؤهلاتها العلمية بين الإجازة في القانون الخاص من جامعة محمد الخامس بالرباط، ودبلوم الدراسات العليا في قانون عقود الأعمال من جامعة مونبلييه الفرنسية، شهادة في القانون الأنغلوساكسوني من جامعة "بايس" الأمريكية. وتراكمت خبرتها الميدانية من خلال ممارستها للمحاماة بمركز مراكش منذ عام 2005 والتخصص في القانون العقاري.
التدرج السياسي والتنظيمي: استهلت المنصوري مسارها السياسي بالانضمام إلى "حركة لكل الديمقراطيين" عام 2007، وكانت من العناصر المؤسسة لحزب الأصالة والمعاصرة سنة 2008، الحائز على المركز الأول في الانتخابات البرلمانية الأخيرة. وتولت رئاسة المجلس الوطني للحزب في الفترة ما بين 2015 و2024، قبل أن تتولى منذ عام 2024 منصب منسقة القيادة الجماعية للحزب.
الخبرة البرلمانية والحكومية والترابية: ترأست المجلس الجماعي لمدينة مراكش لفترتين (2009–2015) و(2021–2027)، إلى جانب تمثيلها للساكنة كنائبة برلمانية لعديد من الدورات (2011–2016 و2016–2021). وعلى المستوى التنفيذي، تقلدت المنصوري منصب وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في الفترة الممتدة بين 2021 و2026.
حضور دولي وإقليمي بارز
إلى جانب حضورها المحلي والوطني، حظيت المنصوري برصيد من التقدير الدولي؛ حيث صنفتها مجلة "فوربس" العالمية عام 2014 في صدارة قائمة 20 امرأة شابة الأكثر تأثيراً في إفريقيا، واختيرت في العام نفسه ضمن المنتدى العالمي للقادة الشباب. وتتولى المنصوري عضوية الجمعية الدولية للعمداء الفرنكفونيين، وشغل موقع نائبة رئيس الجمعية المغربية لرؤساء المجالس الجماعية.
ويُمثل تعيين فاطمة الزهراء المنصوري—وهي متزوجة وأم لطفلين—ترسيخاً للنموذج المغربي القائم على جعل الكفاءة الوطنية محركاً أساسياً لبناء التجربة الديمقراطية وتنفيذ الأجندات التنموية للمملكة.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك