الفصل الثاني عشر والأخير: ما بقي من ليديا
مرت السنوات ..
تعلمت خلالها أن الزمن لا يداوي كل الجروح كما يردد الناس، بل يمنحها اسمًا آخر، ويعلّم أصحابها كيف يحملونها دون أن يروها كل يوم.
عدت إلى حياتي.
أنهيت دراستي العليا.
عملت في الجامعة.
ونشرت أول رواية لي.
صفق لي الجمهور طويلًا.
وأثنى النقاد على ما كتبت.
لكن أحدًا منهم لم يكن يعلم أن ليديا كانت الكاتبة الخفية لكل تلك الصفحات.
... لم أتزوج.
ليس لأنني لم أقابل امرأة تستحق، بل لأن قلبي ظل محتفظًا بمكان لم يجرؤ أحد على الاقتراب منه.
كان أصدقائي يقولون إن الحياة لا تتوقف.
فأبتسم.
كنت أعرف أنهم على حق
لكنهم لم يعيشوا حكايتي.
في صباح شتوي، وصلتني دعوة للمشاركة في ندوة أدبية بالإسكندرية.
ترددت طويلًا.
لم أزر المدينة من زمن، كل ما أعرفه عن الإسكندرية "ليديا".
كنت أخشى أن ألتقي بذكرياتي أكثر مما أخشى لقاء الناس.
لكنني وافقت.
ما إن دخلت الإسكندرية حتى شعرت أن الزمن قد عاد إلى الوراء.
المباني العتيقة نفسها.
رائحة الإسكندرية العبقة.
رائحة البحر وجميل نسماته.
الترام الذي كان يمر ببطء في الشوارع.
حتى الهواء كان يحمل الإحساس نفسه.
لكن شيئًا واحدًا فقط لم يكن كما تركته.
ليديا لم تعد تعبر شوارعها، ولم يعد البحر ينتظر خطاها.
بعد انتهاء الندوة، وجدت قدميّ تسيران وحدهما.
مررت بشارع فؤاد.
ثم مكتبة الإسكندرية.
وقفت كثيرا بمحطة الترام.
ثم كوبري ستانلي.
ثم الشاطئ الذي ضحكنا فيه لأول مرة.
وأخيرًا.
وصلت إلى مقعدنا المطل على البحر.
جلست.
وتركت للمقعد أن يتذكر عنا أكثر مما أتذكر أنا.
أغمضت عيني.
سمعت ضحكتها.
سمعتها بوضوح.
وفاح عطرها المميز
كأنها تجلس إلى جواري.
فتحت عيني بسرعة.
لم يكن هناك أحد.
ابتسمت.
وعرفت أن بعض الأشخاص لا يرحلون تمامًا.
بل يغيّرون فقط الطريقة التي يسكنون بها قلوبنا.
أخرجت من محفظتي الورقة الصغيرة التي كتبتها لي قبل سنوات.
كانت حوافها قد اصفرّت.
لكن خطها ما زال كما هو محتفظًا برونقه.
ثم أخرجت الصدفة البحرية التي احتفظت بها منذ ذلك اليوم.
تأملتها طويلًا.
اتجهت نحو البحر.
وقفت عند حافته، وأطلقتها برفق.
راقبتها حتى احتضنها الموج.
ابتسمت وأنا أقول في سري:
"لقد أوفيت بوعدي
وحان الوقت أن تعود إلى البحر الذي شهد حكايتنا""
وقفت أستعد للرحيل.
وقبل أن أغادر، سمعت صوت فتاة صغيرة تنادي والدها.
التفت.
كانت تركض نحوه، فضحك وحملها بين ذراعيه
ابتسمت دون أن أشعر.
فهمت لأول مرة معنى التضحية التي قامت بها ليديا.
لقد اختارت أن يبقى والدها مطمئنًا.
حتى لو دفعت ثمن ذلك قلبها.
وفي تلك اللحظة.
أدركت أن الحب لا يُقاس دائمًا بما يبقينا مع من نحب، بل أحيانًا بما يدفعنا إلى الابتعاد عنهم، كي لا نزيد أوجاعهم أو أوجاع من يحبونهم.
حينها، سقط آخر عتابٍ كان عالقًا في قلبي.
ولم أعد ألومها.
بل صرت كلما مرّ اسمها في خاطري، دعوت الله أن يهبها من السكينة بقدر ما وهبتني من الحب.
في طريقي إلى محطة القطار، مررت بجوار محل قديم لبيع الكتب المستعملة.
شدني كتاب موضوع في الواجهة.
اقتربت منه.
كان ديوانًا لشاعر إنجليزي.
وآخر لنزار قباني (كل عام وأنت حبيبتي)
ابتسمت.
وكأن نزار يذكرني بيوم ميلادها، القريب جدًا.
وتذكرت يوم قالت لي:
اقرأ، اقرأ، اقرأ.
هتفهم ليه الناس بتحب الشعر؟
اشتريت الكتابين.
لا حظت أن ديوان نزار كان قديمً جدًا.. لكنني اشتريته.
ولما فتحته بعد أن جلست في القطار، سقطت من بين صفحاته كتاب نزار زهرة ياسمين صغيرة جافة.
رفعتها في دهشة.
تأملتها طويلًا.
لا أعرف كيف وصلت إلى هناك.
ولا متى، ولا كيف.
لكن رائحتها الخافتة أعادت إليّ كل شيء.
أغلقت الكتاب برفق.
ونظرت من نافذة القطار.
كانت الإسكندرية تبتعد شيئًا فشيئًا.
لكن بعض الوداع لا يأخذ أحدًا معه.
فقد بقيت ليديا إلى جواري، لا تُرى بالعين، بل بالقلب؛ رفيقةً للطريق، ولرحلة عمري كلها.
هذه المرة.
لم أشعر أنني أترك المدينة.
بل شعرت أنني أودع فصلًا جميلًا من عمري.
وأحمله معي، لا بعيدًا عنه.
مرت سنوات أخرى
أصبحت كاتبًا مرموقًا يعرفه الناس.
في إحدى الأمسيات السكندرية، سألني أحد القراء:
- هل عشت يومًا قصة الحب التي كتبت عنها في روايتك؟
ابتسمت .. ثم قلت:
كل كاتبٍ يكذب أو يتجمل قليلًا في رواياته.
إلا حين يكتب عن الحب.
حينها، لا يكتب بالحبر... بل بُجرحه.
ظل ينظر إليّ لحظة، ثم سأل:
- وما اسمها؟
نظرت إلى البحر الممتد أمام قاعة الندوة طويلًا، ربما تجلس هناك.
ثم قلت بهدوء:
- ليديا.
... تداركت سهوي.
أقصد ... رواية ليديا...
....
رفعت نانسي رأسها، وكأنها ترددت لحظة قبل أن تتكلم، ثم قالت:
- أتعرف؟
أستاذ ي رُبما مرّت بحكايةٍ تشبه حكاية ليديا... ليست نفسها، بالطبع، لكنني كلما قرأت عن ليديا، رأيت شيئًا منها بين السطور.
ابتسمتُ، ثم قلت بهدوء:
الحب ليس محطةً نغادرها يا نانسي... بل طريقٌ نمضي فيه ما دمنا أحياء.
قد نفقد رفيق الرحلة، لكن الرحلة نفسها لا تتوقف.
وما دامت الحياة تمضي، فالحب أيضًا يمضي؛ مرةً في لقاء، ومرةً في ذكرى، ومرةً في دعاء، لكنه لا يعرف النهاية.
فإذا كان للحب نهاية.
فهي ليست الفراق.
النهاية الحقيقية هي أن نتوقف عن الدعاء لمن أحببنا.
أما أنا...
فكلما زرت مدينة الإسكندرية...
أو سمعت صوت البحر...
أو صوت الترام...
أو شممت رائحة الياسمين...
أو عطرها...
أو أشعار نزار...
رفعت يدي إلى السماء، وقلت:
اللهم...
إن كانت ليديا سعيدة، فأتمم عليها نعمتك.
وإن كانت حزينة، فأبدل حزنها سكينة.
وإن كان بيننا لقاء في هذه الدنيا، فذلك من فضلك.
وإن لم يكن...
فاجعل موعدنا عندك، حيث لا يشيخ الحب، ولا يخاف القلب، ولا يكون الوداع آخر الحكايات..
ثم ابتسمت...
ومضيت...
.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عادل التوني
5/7/2026م - 20 محرم 1448هـ - 28 بؤونة 1742ق

التعليقات
أضف تعليقك