عندما تصير المرأة في القفص
في بلادنا العربية، يتقدم الفتى وأهله عادة إلى أهل الفتاة، التي يرغب في الزواج منها، فإذا رفضته يبذل أقصى جهده من أجل الظفر بها، وإقناع أهلها به، وعندما ينجح في الظفر بقبول الفتاة ينتقل إلى مرحلة الخطبة، فيغمر خطيبته بالآمال والأحلام والوعود، بأن يبذل ما في وسعه ليوفر لها حياة ممتلئة بالحب والزهور، وتنتهي المرحلة بإعلان القران وعقد الزواج، ومن ثم الدخول في القفص الذهبي.
بعد أشهر من الزواج، وربما أيام، يحدث في بعض الزيجات أن تدرك الزوجة بأن الرجل نجح في استدراجها إلى القفص، وأنه بعد أن اطمأن إلى وضعها القفصي، خرج من القفص، وتركها وحدها للطبخ وترتيب البيت وخدمتها له، وإذا كانت عاملة فعليها أن تنهض بعملها في البيت وخارجه، وعليها أن تسلم إليه ما تحصل عليه من مال؛ ليتولى مسؤولية الإنفاق عليها وعلى البيت والأولاد.
هكذا يتكشف للمرأة بأنها وقعت في الفخ؛ فهي في سجن بلا احترام لها أو تقدير. ويبلغ الخلاف ذروته عندما تطلب الطلاق، وتهدد الزوج بالخلع إذا لم يفعل. ويدخل الاثنان في قضايا ومحاكم. ومن الملاحظ أن مصطلح الخلع استبدله الرجل بمصطلح الافتداء، وكأن المرأة عبدة مملوكة، ولا يتم إطلاق حريتها إلا بالمال، الذي يتمثل برد المهر المعجل والمسامحة بالمؤخر.
وتتعرض المرأة في هذه الحالة إلى ضغوط من الزوج ومن المجتمع والشيوخ المتفيهقين كي تعود إلى زوجها؛ لأن أبغض الحلال إلى الله الطلاق، كأن في الحلال ما يغضب الله، والخلع ليس من الدين في شيء، وأن عليها إطاعة زوجها؛ فلولا السجود لله وحده لأمر الله المرأة أن تسجد لزوجها، وغير ذلك من الأقوال والأمثال المتخلفة، التي تحث على عودة المرأة إلى القفص، الذي يصفونه بالذهبي إغراء للمرأة كي تسجن فيه.
إن ما يستند إليه الرجل في معاملته السيئة للمرأة (كما أرى) يعود في الأساس إلى عقدة اجتماعية يتصف بها الرجل في بلادنا، مع استثناءات قليلة، هي عقدة الاستحقاق، التي تقوم على أن للرجل الحق على المرأة في أن تطيعه في كل أمر، وتحقق له كل مطالبه؛ فهي ملكه، لا لأنه الأذكى، أو الأقوى، أو الأغنى بل لأنه الذكر فقط. وقد تعمق فهم الرجل لهذه الفكرة بفضل اللغة الذكورية، التي تمتلئ بها كتب التراث من ألفاظ وأقوال وأمثال تمجد الذكورية، وتظهر المرأة تابعة للرجل. ومن ذلك قولهم في وصف المرأة: "هي ولية" وصوتها عورة، وفي نسبها إلى الرجل يقولون: "هي امرأة فلان"، وفي الإشارة إلى منزلتها الدونية يقال: " وبقيت تحته عدة سنوات"، وفي الأمثال الشعبية " ظل رجل ولا ظل حائط" وغيرها.
في أغلب الحالات لا تقدر المرأة على الخلاص من هذا الذكر الذي ابتليت به، وتبقى في القفص؛ لعدم مساندة الأهل لها؛ ربما لفقرهم، أو جهلهم، أو استسلامهم للعادات والتقاليد التي تنظر إلى المرأة، بأنها ولية وقاصرة، وناقصة عقلًا ودينًا، ويجب ألا تتعلم أو تعمل، وتبقى في البيت لرعاية الأولاد وأبيهم؛ وعليها أن تحمد الله لأنها لقيت من يتزوجها. يقولون في ذلك "الله جبر" وكأنها صندوق فقوس لدى بائع في الشارع.
أما آن الوقت في عصر التكنولوجيا الرقمية أن تقوم العلاقة الزوجية على المساواة، التي لا تعني التطابق بل المشاركة والتعاون بين الزوجين، كل حسب مقدرته؟ المساواة التي تستند إلى المحبة، والاحترام والتقدير، والاعتراف بإنسانية كل منهما للآخر، وعدم الانحراف عن فهم تلك العلاقة التي بناها الله على " المودة والرحمة " لتصبح علاقة عداء وتنافر وسيطرة وظلم. ففي هذا الانحراف ضياع ليس للمرأة وحدها بل للأسرة، وبالتالي المجتمع الذي تُكوّن الأسرة الخلية الأولى من بنيانه.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك