من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

قراءة الذات في مشروع المفكر الفلسطيني هشام شرابي: حدود التحليل النفسي-السيرِي للنظرية الاجتماعية

خالد بيومي
قراءة الذات في مشروع المفكر الفلسطيني هشام شرابي: حدود التحليل النفسي-السيرِي للنظرية الاجتماعية


مدخل

يُعدّ هشام شرابي (1927–2005) من أبرز من اشتغلوا على تحليل البنية الاجتماعية والنفسية للمجتمع العربي، وبخاصة في كتابيه «مقدمات لدراسة المجتمع العربي» (1975) و«النظام الأبوي المستحدث» الذي صدر بالإنجليزية بعنوان Neopatriarchy (1988). غير أن قراءة مشروعه لا تكتمل دون النظر إلى مذكراته: «الجمر والرماد» (1978) و«صور الماضي» (1993). وتحاول هذه المقالة أن تعرض فرضية قرائية: أن كثيرًا من مقولات شرابي عن «الذات العربية» تتقاطع مع تجربته الشخصية وطبقته الاجتماعية، وأن هذا التقاطع يفسّر جانبًا من قوة تحليله وجانبًا من حدوده. وهي فرضية تأويلية لا حكم قطعي، ولا تنتقص من قيمة المشروع.

أولًا: من تحليل المجتمع إلى تحليل الذات

ينطلق شرابي في كتبه من وصف «الذات العربية» بوصفها بنية تشكّلها الأسرة الأبوية والتنشئة القائمة على الطاعة والخوف. لكن كثيرًا من الأمثلة والنماذج التي يعتمد عليها تبدو مستمدة من عالمه الأول: أسرة من الطبقة المتوسطة العليا في بيئة حضرية شامية. وتكشف مذكراته عن هذا الأفق الاجتماعي الضيّق نسبيًا، الذي جرى تعميمه بوصفه «نموذجًا» للذات العربية عامة.


ثانيًا: التدين وصورة الجدة

يبرز في تحليل شرابي للتدين حضور شخصية الجدة في مذكراته. فهو يصف تدينها في «صور الماضي» وأثرها في طفولته، ثم يعبّر في «الجمر والرماد» عن نفور من التدين بعد تحولاته الفكرية. ويمكن قراءة نقده للتدين الشعبي في كتبه النظرية بوصفه امتدادًا لهذه التجربة، إذ يظهر التدين فيها غالبًا مرتبطًا بالخضوع والقدَرية والسلطة الأبوية. وهذا لا يعني أن النقد خاطئ، بل أن مصدره التجريبي الأول محدود.

وتجدر المقارنة بما أشار إليه دارسون عن دور الخلفية الدينية الأسرية في تكوين أفكار كبار منظّري الاجتماع، كحالة ماكس فيبر وأثر أمه البروتستانتية المتدينة في تصوره عن الأخلاق والانضباط. وهي مقارنة توضيحية لا دليل على تطابق الحالتين.

ثالثًا: الجسد والقمع

يضع شرابي «الكبت الجسدي» عنصرًا مركزيًا في أزمة الذات العربية، متأثرًا بفيلهلم رايش في كتابه «علم النفس الجماهيري للفاشية»، وبهربرت ماركوزه في «الإيروس والحضارة». وتقوم الفكرة على أن القمع السياسي له جذور جسدية وحسية، وأن التحرر الجسدي شرط للتحرر السياسي والإبداع.


وتلفت قراءة المذكرات إلى حضور النساء الطاغي في عالم الطفولة وإلى اهتمام شرابي بالعلاقة بين الجنسين، غير أن الحذر المنهجي يقتضي ألا يُختزل مشروع فكري كامل في عُقدة نفسية مفترضة. فالقول بأن تحليله للبنية الأبوية «علاج» لأزمة ذكورة شخصية هو تأويل نفسي لا يمكن إثباته، ويصلح عنصرًا من عناصر القراءة، لا تفسيرًا وحيدًا.

رابعًا: الهزيمة والتحول من اللامبالاة إلى المركزية

يصف شرابي في «الجمر والرماد» حالة من اللامبالاة بمصير وطنه في مرحلة مبكرة، ثم تحولًا إلى انشغال عميق بالقضية العربية بعد الهزائم الكبرى. ويمكن قراءة هذا التحول بوصفه مراجعة ذاتية تجمع بين لوم النفس وتوجيه النقد إلى المجتمع. وقد منحه الاطلاع على التيار الفرويدي-الماركسي أدوات لتحويل هذه التجربة الفردية إلى خطاب عام عن المجتمع.


خامسًا: الطفولة والتقدم: الاستعارة الاستعمارية

يستعير شرابي من علم النفس التطوري فكرة مراحل النمو (العجز الطفولي ثم الاكتمال)، ويسقطها على المجتمع العربي، فيصير «الذات الحديثة» غاية نهائية. وقد رأى جوزيف مسعد في كتابه Desiring Arabs (2007)، الذي نُقل إلى العربية بعنوان «اشتهاء العرب»، أن هذا النمط من التفكير يتقاطع مع المخيال الاستعماري الذي يصوّر الشعوب «المتخلفة» في صورة الطفولة البدائية. وقد ناقش مسعد هذا الإطار في سياق قراءته لكتابات عربية أخرى، منها أعمال جورج طرابيشي. ويُلاحظ هنا أن محاولة شرابي الانفصال عن التبعية للغرب لا تُفلت تمامًا من بنية المفاهيم نفسها.

سادسًا: نقد برهان غليون

ينتقد برهان غليون في «الدولة ضد الأمة» (1991) فكرة استمرار الأبوية بوصفها تفسيرًا للسلطة العربية عبر التاريخ الإسلامي، لأنها تفترض ثباتًا أنثروبولوجيًا مفرطًا وتتجاهل تحوّل مفاهيم السلطة وأبعادها الواقعية والذهنية بين الماضي والعالم الحديث. وهذا النقد يمسّ قلب المنهج: هل يمكن تفسير تنوع التجارب التاريخية ببنية نفسية واحدة؟



سابعًا: «البرجوازية الصغيرة» مقولة تحليلية

يرتكز تفسير شرابي للبناء الطبقي على مقولة «البرجوازية الصغيرة». وهي مقولة ارتبطت في الفكر الماركسي العربي بنقاشات وبرامج فكرية لم تكتمل، ومن الأسماء المرتبطة بها في هذا السياق إلياس مرقص وجورج طرابيشي. وقد أعاد شرابي توظيفها في كتاباته، فتحولت من أداة تحليل إلى وصف عام يشمل الفئات كلها تقريبًا.

خاتمة

تقدم مذكرات شرابي مدخلًا ثمينًا لفهم مشروعه، لكنها تكشف أيضًا أن المقولات العامة عن «الذات العربية» كثيرًا ما تنبع من تجربة بعينها. ومن الأمثلة المقارنة التي قد تُضيء الأمر كتاب روبرت جونسون He: Understanding Masculine Psychology (1974) وما يعرضه من نماذج نفسية عن علاقة الابن بالأم المسيطرة، مع التنبيه إلى أن هذه المقارنة توضيحية لا غير. والخلاصة أن قيمة مشروع شرابي تبقى قائمة، وأن قراءته قراءة ناقدة تفرّق بين ما هو تحليل اجتماعي قابل للاختبار وما هو إسقاط ذاتي، هي أفضل طريقة للإفادة منه.

المراجع

هشام شرابي، مقدمات لدراسة المجتمع العربي (1975).

هشام شرابي، النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي (النسخة الإنجليزية: Neopatriarchy, 1988).

هشام شرابي، الجمر والرماد (1978)، وصور الماضي (1993).

برهان غليون، الدولة ضد الأمة (1991).

جوزيف مسعد، اشتهاء العرب (Desiring Arabs, 2007).

فيلهلم رايش، علم النفس الجماهيري للفاشية؛ هربرت ماركوزه، الإيروس والحضارة.

Robert A. Johnson, He: Understanding Masculine Psychology (1974).

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11359
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.