من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

أندريه مالرو.. الفن في مواجهة الموت

د. محمد عبدالله القواسمة
أندريه مالرو.. الفن في مواجهة الموت



أندريه مالرو (1901 – 1976م) الفيلسوف والروائي والناقد والسياسي الفرنسي، وكان وزير الثقافة في عهد الرئيس الفرنسي شارل ديغول، حيث كان يخاطبه بأنه صديقه العبقري. 

من اللافت أن أندريه مالرو انشغل بالتفكير في المصير الإنساني، وسيطرت عليه فكرة الموت سيطرة كبيرة، حتى كانت المحور الذي دارت عليه رواياته، وكتبه الفكرية، ولقاءاته بمفكري عصره وسياسييه. 

ويعود ذلك إلى الظروف التي عاشها مالرو. لعل من أهمها انتحار والده عام 1930م بعد الانهيار الدولي لسوق الأوراق المالية ، وبداية الكساد الكبير حيث كان يعمل سمسارًا للأوراق المالية، وفقد ولدين له في حادث سيارة 1961م، ثم دخوله المستشفى عام 1972 بين الحياة والموت بعد أن أصيب بمرض عصبي نادر وخطير (مرض توريت) واقترابه من الموت ألهمته تأليف كتابه "لعازر" الذي نُشر عام 1974.

ومن تلك الظروف أن مالرو أدرك الحروب التي نشبت في أيامه، وقاتل في الحرب الأهلية الإسبانية والحرب العالمية الثانية، وقابل زعماء العالم على المستعمرين، مثل: غاندي، وماو تسي تونغ. وأورد هذه المقابلات في كتابه "المذكرات المضادة".

رأى مالرو بأن الإنسان كائن يعرف بأنه سيموت، ويستطيع وحده تخيل موته قبل أن يأتي، وهو لا يستطيع إبعاد الموت عنه. وكانت هذه المعرفة مصدر مأساته بأن يعيش في صراع دائم مع الزمن، ووجد من المناسب مواجهة الموت بالفن والأدب.

يرى مالرو أن الموت ليس أمرًا هامشيًا يمكن الاستغناء عنه في حياة الإنسان، بل هو نهاية ضرورية تتصل بوجوده. تنطلق هذه الرؤية من نظرته للفن بأنه محاولة الإنسان أن ينتصر على الموت، لا بإلغائه إنما بأعمال ثرية خصبة تحاور الإنسانية دائمًا. فالفن عنده لا يفنى بفناء صاحبه، بل يتحول، ويعاد فهمه عبر الزمن. 

ويقدم ضمن مفهوم "المتحف الخيالي" الذي ورد في كتاب "أصوات الصمت" 1951م أن الفن ينتصر على الزمن؛ فبفضل التصوير والطباعة استطاع الإنسان أن يجمع في ذهنه تماثيل مصر الفرعونية، ومنحوتات اليونان، والفن الإسلامي والفن الصيني، فتبدو كلها كأنها في متحف واحد غير موجود في الواقع، لكنه موجود في عقل الإنسان. وهو متحف مهم؛ لأنه يجعل الحضارات كلها تتحاور. وفي هذا انتصار على الزمن، على الموت.  

ويعبر عن هذا المعنى في صورة أخرى، فيجد في الأدب "صورًا تقاوم العدم. يقول إن الإنسان داخل "سجن" شرطه البشري، يبدع من نفسه "صورًا قوية بما يكفي لنفي عدمنا" ويختصر تصوره للأدب في أحاديثه عن رواياته وفنه بأن "العمل الأدبي صورة يخلقها الإنسان ضد الفراغ والنسيان" فالإنسان ليس بقادر على الخلود، لكنه قادر على إنتاج صور ومعانٍ لا تزول بعد رحيله؛ لهذا فهو يعشق الأدب؛ لأنه يقاوم النسيان؛ فعندما يقرأ (على سبيل المثال) رواية "دونكيشوت"، أو "الحرب والسلام"، أو "الجريمة والعقاب" فإنها تتكلم على أحداث وشخصيات انتهت منذ سنوات أو قرون، لكن حين يقرؤها يستعيد تلك الأحداث، وتلك الشخصيات مرة أخرى. 

إن مالرو في رواياته لا يتحدث عن مقاومة الموت بالفن فقط، بل يمارسها روائيًا أيضًا. ففي رواية" الطريق الملكي" شخصيات تبحث في الظاهر عن الآثار والتماثيل، لكنها في الحقيقة منجذبة إلى الآثار القديمة، التي تدل على أن حضارات انتهت لكن شيئًا منها بقي. ما تقدمه الرواية أن شخصياتها تحاول السيطرة على مصيرها ومواجهة نظام العالم، وتنتهي إلى إبراز عزلة الإنسان أمام الموت. فالتماثيل والآثار التي تمثل الفن في الرواية ما زالت باقية لتدل على أن الناس يموتون، والحضارات تسقط، لكن الشكل الفني يبقى شاهدًا على أن الإنسان قاوم الفناء.

وفي رواية" الوضع البشري"، ليس الفن موضوعها المباشر، بل تناولت تجربة انتفاضة شنغهاي عام 1927، وحولتها، بوصفها حدثًا مفصليًا في تاريخ الصين الحديث إلى بناء أدبي عن مواجهة مأساوية المصير الإنساني بالالتزام السياسي والنضال الجماعي. وهذه وظيفة الفن كما تظهرها الرواية.

والخلاصة، إن الإنسان (كما يرى مالرو) ينتهي جسده، أما ما يبدعه من فن وأدب وفكر فيبقى في ذاكرة الإنسانية؛ لأن ما أبدعه لم يكن هروبًا من الموت، بل مقاومة للنسيان، ومحاولة لإضفاء معنى على وجوده الإنساني.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11364
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.