من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

أسرى الخوارزميات: حين تتحول الشاشات إلى مرآة للوحدة

خالد بيومي
أسرى الخوارزميات: حين تتحول الشاشات إلى مرآة للوحدة


خلف شاشاتٍ مضيئة، يقضي ملايين المستخدمين ساعاتهم بين إعجاباتٍ ورسائل وعلاقاتٍ تبدو قريبة، لكنها في كثير من الأحيان لا تتجاوز حدود الشاشة. وبين الوعد بالتواصل اللامحدود وواقع العزلة المتنامية، تتكشف مفارقة العصر الرقمي: كلما اتسعت دوائر الاتصال، ضاقت مساحة الحضور الحقيقي. ويرصد هذا التقرير، بالاستناد إلى بيانات وتقارير موثقة، ملامح هذه الظاهرة وأبعادها النفسية والاجتماعية، وحجمها في مصر.

الخوارزمية.. صناعة الانتباه

تقوم منصات التواصل على نماذج تسعى إلى إبقاء المستخدم أطول وقت ممكن، عبر محتوى مُخصَّص يتغذى على تفاعله وتفضيلاته. وفي هذا السياق يجد المستخدم نفسه محاطًا بمديحٍ سريع في صورة إعجابات وتعليقات، وبوجوهٍ وحساباتٍ لا يمكن التحقق دائمًا من حقيقتها، ما يخلق شعورًا بالقبول قد لا يستند إلى علاقة حقيقية. غير أن هذا الشعور سرعان ما يتبدد بانطفاء الشاشة، ليحل محله إحساس بالفراغ.

ماذا تقول الأرقام؟

تحذير أمريكي رسمي بشأن المراهقين

في مايو 2023 أصدر جراح عام الولايات المتحدة آنذاك، الدكتور فيفيك مورثي، تحذيرًا رسميًا بشأن وسائل التواصل الاجتماعي وصحة الشباب النفسية، أكد فيه أن الأدلة المتاحة لا تكفي للجزم بأن هذه المنصات آمنة للأطفال والمراهقين، وأن هناك أدلة متزايدة على ارتباطها بأضرار نفسية.

وأشار التقرير إلى أن الشباب الذين يقضون أكثر من ثلاث ساعات يوميًا على هذه المنصات يواجهون ضعف خطر الإصابة بمشكلات نفسية، مقارنة بغيرهم، وأن متوسط ما يقضيه المراهقون يبلغ نحو ساعات ونصف الساعة يوميًا. وأفاد قطاع واسع من المراهقين بأنهم يشعرون بأنهم مدمنون على هذه المنصات.

ومن الإنصاف الإشارة إلى أن الوثيقة نفسها أقرت بوجود فوائد، إذ ذكر شباب أن هذه المنصات تمنحهم شعورًا بالقبول وتتيح لهم دعمًا من الآخرين في أوقات الشدة، وأكدت الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لفهم الصورة الكاملة.

منظمة الصحة العالمية: الوحدة قضية صحة عامة

وفي 30 يونيو 2025 أصدرت لجنة منظمة الصحة العالمية للتواصل الاجتماعي تقريرها الرئيسي، وخلصت فيه إلى أن واحدًا من كل ستة أشخاص حول العالم يعاني من الوحدة، وأن الوحدة ترتبط بنحو 871 ألف وفاة سنويًا، أي ما يقارب 100 وفاة كل ساعة. وأوضح التقرير أن الشباب بين 13 و29 عامًا من أكثر الفئات تأثرًا، إذ تراوحت نسبة من أبلغوا عن شعورهم بالوحدة بين 17% و21%، وسجلت أعلى المعدلات بين المراهقين.

وتتفاوت النسب بحسب مستوى الدخل، إذ بلغت نحو 24% في الدول منخفضة الدخل، مقابل نحو 11% في الدول مرتفعة الدخل. وبحسب التقرير، فإن من يعانون الوحدة أكثر عرضة بمرتين للإصابة بالاكتئاب، كما ترتبط الوحدة والعزلة الاجتماعية بزيادة مخاطر السكتة الدماغية وأمراض القلب والسكري والتراجع الإدراكي والوفاة المبكرة.

وتناول التقرير مخاوف تتعلق بالإفراط في استخدام الشاشات والتفاعلات الضارة عبر الإنترنت، خاصة بين الشباب وتأثير ذلك في صحتهم النفسية. وكانت جمعية الصحة العالمية قد اعتمدت في مايو 2025 أول قرار من نوعه يتناول التواصل الاجتماعي بوصفه قضية صحة عامة، ويدعو الدول الأعضاء إلى إدراجه ضمن سياساتها الصحية.

وعرّفت المنظمة الوحدة بأنها الشعور المؤلم الناتج عن فجوة بين العلاقات المرغوبة والعلاقات الفعلية، وميّزتها عن العزلة الاجتماعية التي تعني النقص الموضوعي في الروابط الاجتماعية.

الحالة المصرية: أرقام الحضور الرقمي

تشير بيانات مؤسسة «داتا ريبورتال» إلى وجود نحو 51.6 مليون هوية نشطة على وسائل التواصل الاجتماعي في مصر في أكتوبر 2025، مقابل 50.7 مليونًا في يناير 2025. وبلغ عدد مستخدمي الإنترنت نحو 96.3 مليون مستخدم في يناير 2025، مقارنة بنحو 84 مليونًا في العام السابق.

وطبقا لتقديرات «نابوليون كات» المستندة إلى بيانات الإعلانات المتاحة من المنصات، بلغ عدد مستخدمي فيسبوك في مصر نحو 61.7 مليون في يوليو 2026 (قرابة 51.6% من السكان)، وبلغ مستخدمو إنستجرام نحو 23.6 مليونًا، ومستخدمو ماسنجر نحو 56 مليونًا. وتشكل الفئة العمرية من 25 إلى 34 عامًا أكبر شرائح مستخدمي فيسبوك، تليها الفئة من 18 إلى 24 عامًا، بينما يشكل الرجال نحو 58% من المستخدمين.

 جدير بالذكر أن هذه الأرقام تقديرات للجمهور القابل للوصول إعلانيًا، وقد تتضمن حسابات متعددة للشخص نفسه، ولا تعني بالضرورة أعداد أفراد فريدين.

قراءة في الظاهرة

تشير المعطيات المتاحة إلى أن العلاقة بين استخدام المنصات والصحة النفسية ليست علاقة سببية بسيطة؛ فتقارير الجهات الصحية تتحدث عن ارتباط وأدلة متزايدة وتدعو إلى مزيد من البحث، وتقر في الوقت ذاته بفوائد التواصل الرقمي.

لكن  الاتفاق قائم على أن الإفراط في الاستخدام، وبخاصة بين المراهقين، يستدعي الحذر. وتبرز في هذا الإطار الأسباب الاجتماعية الأوسع للوحدة، من ضغوط اقتصادية وهجرة وتفكك الشبكات الاجتماعية، التي تؤكد أن الشاشات ليست السبب الوحيد، لكنها قد تضاعف الأثر حين تحل محل الروابط الواقعية.

ما العمل؟

على مستوى الأسرة: متابعة وقت الشاشة لدى الأبناء وفتح حوار صريح حول ما يشاهدونه ويتفاعلون معه.

على مستوى الأفراد: إعادة الاعتبار للعلاقات المباشرة، وتخصيص أوقات بلا شاشات، والانتباه لعلامات الاعتماد على الإعجابات مصدرًا للتقدير الذاتي.

على مستوى السياسات: دمج التواصل الاجتماعي ضمن السياسات الصحية والتعليمية، وهو ما دعت إليه منظمة الصحة العالمية، وتعزيز التوعية الرقمية.

على مستوى المنصات: تحمل مسؤولية تصميم أدوات أكثر أمانًا للقُصَّر.

الخاتمة

ليست الشاشة عدوًا في  حد ذاتها، لكنها قد تصبح كذلك حين تتحول من نافذة على العالم إلى جدار يعزل صاحبه عنه. وبين وهج الإعجابات وصمت الغرف، تبقى الحاجة الإنسانية الأولى كما هي: علاقة حقيقية، ويدٌ دافئة، وحضورٌ لا تصنعه الخوارزميات.

المصادر : 

مكتب جراح عام الولايات المتحدة، وزارة الصحة والخدمات الإنسانية: «وسائل التواصل الاجتماعي وصحة الشباب النفسية» (2023).

منظمة الصحة العالمية، لجنة التواصل الاجتماعي: «من الوحدة إلى التواصل الاجتماعي: رسم مسار نحو مجتمعات أكثر صحة» (30 يونيو 2025).

DataReportal: Digital 2025 Egypt وDigital 2026 Egypt.

NapoleonCat: إحصاءات مستخدمي وسائل التواصل في مصر (يوليو 2026).

Statista / DataReportal: عدد مستخدمي الإنترنت في مصر (يناير 2025).

#نقاش_دوت_نت 



التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11374
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.