ابن خلدون.. من «العبر» إلى «العمران»: كيف أسّس رجل الدولة المتنقّل علمًا جديدًا لدراسة المجتمع
ibn-khaldun-muqaddima-manuscript.jpg
مقدمة
لم يدرك أهل زمانه أن ما كتبه في قلعة نائية بالجزائر سيتحول إلى أصل لعلم جديد. وُلد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي الإشبيلي في تونس مطلع رمضان 732هـ، الموافق 27 مايو 1332م، كما يروي في سيرته الذاتية «التعريف بابن خلدون ورحلته غربًا وشرقًا». وتوفي في القاهرة في 26 رمضان 808هـ الموافق 17 مارس 1406م. بين التاريخين عاش حياة سياسية مضطربة ومعرفة موسوعية جعلتاه من أبرز المفكرين الذين درسوا العمران البشري.
النشأة: أسرة أندلسية في تونس
تنتسب أسرة بني خلدون، بحسب ما أورده ابن خلدون نفسه في «التعريف»، إلى وائل بن حُجر الحضرمي من عرب اليمن. دخل أجدادها الأندلس في الفتح الإسلامي واستقروا في إشبيلية، ثم انتقلوا إلى تونس قبيل سقوط إشبيلية بيد قشتالة عام 1248م. نشأ في بيت علم وسياسة، فحفظ القرآن وتلقى القراءات والفقه المالكي والعربية والمنطق على شيوخ منهم محمد بن إبراهيم الآبلي.
وجاء الفصل الحاسم في صباه. ففي الطاعون الجارف عام 749هـ (1348–1349م) فقد والديه وعددًا من شيوخه، وهو أمر ذكره في سيرته، وفتحت هذه الفاجعة أمامه باب التأمل في فناء الأجيال وتبدّل العمران.
البيئة التاريخية: عالم يتصدّع
كان المغرب العربي والأندلس في القرن الرابع عشر الميلادي ساحة تنافس بين الحفصيين في تونس والمرينيين في فاس وبني زيان في تلمسان وبني الأحمر في غرناطة، مع تراجع الوجود الإسلامي في الأندلس أمام الممالك الإسبانية. كان ابن خلدون شاهدًا ومشاركًا في هذا الصراع، وهذا ما يفسّر ميله إلى البحث عن قوانين تحكم قيام الدول وسقوطها.
رجل دولة متنقّل
تولى في العشرين من عمره تقريبًا وظيفة «كاتب العلامة» في البلاط الحفصي بتونس، ثم انتقل إلى فاس في خدمة السلطان المريني أبي عنان، وسُجن نحو عامين بعد اتهامه بالتآمر. وعاش في غرناطة قرب الوزير لسان الدين بن الخطيب، وتولى منصب الحاجب في بجاية، ثم دخل في صراعات إقليمية أنهكته. وفي عام 1375م لجأ إلى قلعة ابن سلامة (في الجزائر اليوم) واعتزل السياسة، وهناك بدأ كتابة «المقدمة».
«المقدمة» و«العبر»: التأليف في العزلة
أنجز ابن خلدون «المقدمة» في نحو خمسة أشهر في القلعة، ثم أتمّ كتابها الأول عام 779هـ (1377م). وهي مدخل لكتابه التاريخي الكبير «كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر». وقد صرّح في المقدمة بأن علمه الجديد يبحث في «العمران البشري والاجتماع الإنساني»، وأن مهمته تمييز الحق من الباطل في الأخبار بميزان طبائع العمران، لا بنقد الرواة وحده.
أهم مفاهيمه
العصبية: هي الرابطة التي تمنح الجماعة قدرة على الغلبة وتأسيس الملك، وتضعف مع الترف.
دورة الدولة: رأى أن للدولة أعمارًا كأعمار الأفراد، وقدّر عمرها الطبيعي بثلاثة أجيال، أي نحو 120 سنة، تمر بأطوار التأسيس والاستبداد والترف ثم الهرم.
البداوة والحضارة: رصد الفروق بين العمران البدوي والحضري وأثرها في السياسة والاقتصاد.
الاقتصاد: تناول تقسيم العمل والعمل مصدرًا للقيمة والكسب، وعلاقة الضرائب بالعمران. فقد ذهب إلى أن قلة التكاليف الجبائية في أول الدولة تزيد الحصيلة، وأن زيادتها في آخرها تُضعف العمران والجباية معًا. وقد استُحضرت هذه الفكرة لاحقًا في نقاشات الاقتصاد الحديث، وأشار إليها الاقتصادي الأمريكي آرثر لافر بوصفها سابقة لمنحناه الشهير.

في مصر: القضاء والتدريس
وصل إلى الإسكندرية عام 784هـ (1382م) ثم إلى القاهرة، فدرّس في الأزهر وفي المدرسة القمحية. وعيّنه السلطان برقوق قاضي قضاة المالكية عام 1384م، وتكرر عزله وإعادته إلى المنصب، حتى تولاه عدة مرات. وأصابته في العام نفسه فاجعة غرق أسرته في البحر قرب الإسكندرية أثناء قدومها إليه، كما ذكر في «التعريف». ثم شهدت سيرته لقاءه بالقائد تيمورلنك قرب دمشق عام 1401م، وهو لقاء دوّنه بنفسه.
الأثر والإرث
قال المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي في «دراسة للتاريخ» إن «المقدمة» عمل لا مثيل له في بابه، وعدّها من أعظم ما أنتجه عقل بشري في هذا المجال. وتناولها بالدرس باحثون عرب وغربيون، منهم طه حسين في أطروحته بجامعة السوربون نحو عام 1918، ومحسن مهدي في «فلسفة ابن خلدون في التاريخ» (1957)، وعلي الوردي في «منطق ابن خلدون».
ويُنظر إليه عادةً بوصفه رائدا للمدرسة الاجتماعية الغربية، إذ صاغ أوغست كونت مصطلح «السوسيولوجيا» في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، أي بعد ابن خلدون بنحو ثلاثة قرون ونصف.
لكن الباحثين يختلفون في تقييم هذا السبق فبعضهم يرى «المقدمة» تأسيسًا فعليًا لعلم الاجتماع، وبعضهم يراها اجتهادًا فريدًا لم يتحول إلى مدرسة متصلة، لأن التراث الإسلامي لم يبنِ عليه مباشرة قبل القرن التاسع عشر. ولذلك فعبارة «أول دراسة علمية للمجتمع» أدقّ منها «من أوائل المحاولات العلمية المنهجية».
خاتمة
لا تكمن أهمية ابن خلدون في سبقه الزمني وحده، بل في سؤاله المنهجي: كيف نفسّر الأحداث بما يحكم المجتمعات من قوانين؟ وهذا ما يجعل حضوره في الدراسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية معاصرًا بعد أكثر من ستة قرون على رحيله.
#ibn-khaldun
#founder-of-sociology

التعليقات
أضف تعليقك