من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

يد أبي فوق يدي: جيل الساندويتش بين آبائنا وأبنائنا

بقلم - د. حسين عبد البصير
يد أبي فوق يدي: جيل الساندويتش بين آبائنا وأبنائنا



هناك جيل مصري يمكن أن تراه كل يوم في المصعد، وفي عيادة الطبيب، وفي السيارة المزدحمة على الطريق، وفي غرفة المعيشة التي يجلس فيها الأب إلى جوار أمه المسنة بينما يرد في الوقت نفسه على رسالة من ابنه. جيل في الأربعينيات والخمسينيات من عمره يجد نفسه مسؤولًا عن أشخاص أكبر منه وأشخاص أصغر منه، ويكتشف أن يومه الواحد قد يحتاج إلى أكثر من قلب.


هذا هو ما يُعرف اجتماعيًا بـ«جيل الساندويتش»، لكن التعبير يصبح أكثر وضوحًا حين نراه في الحياة المصرية اليومية، بعيدًا عن المصطلحات.


وأنا حين أفكر في هذا الجيل، لا تبدأ الصورة في ذهني من مدينة مزدحمة أو من شاشة هاتف. تبدأ من منديس، ومن يد أبي فوق يدي.


كنت في التاسعة تقريبًا. كان الصباح ما يزال في أوله، والهواء باردًا، والماء في فرع النيل يتحرك ببطء أمامنا. رائحة الطين المبتل تصعد من الضفة، وبين الحين والآخر يتحرك نبات مائي مع التيار، بينما كنت أجلس إلى جوار أبي وأراقب خيط الصيد كما لو أن مستقبل العالم كله معلق بحركته.


كنت أريد أن أصطاد سمكة.


لم أكن أعرف شيئًا عن الصبر، ولا عن الانتظار، ولا عن معنى أن يجلس رجل طويل الوقت أمام الماء من دون أن يحدث شيء.


أما أبي فكان يعرف.


جلس إلى جواري بهدوء، يراقب الماء أكثر مما يراقبني. كانت أدوات الصيد بجانبه، ويداه تتحركان من حين إلى آخر لترتيب شيء أو إصلاح آخر. لم يكن يشرح كثيرًا. كان يشير إلى الخيط، فأنتبه. ينظر إلى الماء، فأحاول أن أرى ما يراه.


كنت أراقبه أكثر مما أراقب السمكة.


في عيني طفل، كان أبي يعرف كل شيء.


يعرف أين يمكن أن تختبئ السمكة، ومتى يجب أن أسحب الخيط، ومتى يجب أن أنتظر. ولم أكن أعرف أن أكثر ما كان يعرفه في تلك اللحظة هو الصبر.


ثم تحرك الخيط فجأة.


اندفعت نحوه بكل حماس طفل يخشى أن تضيع السمكة.


امتدت يد أبي إلى يدي.


لم يسحب الخيط مني.


لم يقل لي: «سيب».


فقط وضع يده فوق يدي لحظة، ثبّت الحركة، ثم رفع يده وتركني أكمل.


هذه الحركة الصغيرة ظلت معي أكثر من تفاصيل كثيرة من ذلك الصباح.


كنت أظن وقتها أنه يساعدني على اصطياد السمكة.


واليوم أرى أنه كان يعلمني شيئًا عن الحياة.


أن تكون يدك قريبة من ابنك، لكن ألا تحرمه من تجربته.


أن تتدخل عندما يحتاج إليك، ثم تعرف متى تتركه يكمل وحده.


لم يكن أبي يعرف مصطلح «جيل الساندويتش»، بالطبع. لم يكن يعرف أن ابنه الذي يجلس بجواره على ضفة النيل سيكبر ليقف يومًا بين جيل من الآباء والأمهات الذين يتقدمون في العمر، وجيل من الأبناء الذين يكبرون في عالم مختلف.


لكنه علمني شيئًا سأحتاج إليه بعد سنوات طويلة.


علمني أن القرب لا يعني السيطرة.


وفي البيت كانت أمي تصنع الطرف الآخر من الحكاية.


لم تكن معي عند الماء، لكنها كانت موجودة في فكرة العودة نفسها. كنت أعرف أنني عندما أرجع سأجد البيت، والطعام، وصوتًا يسألني أين كنت، ويدًا تعرف إن كنت جائعًا أو متعبًا قبل أن أقول شيئًا.


كان أبي يأخذني إلى العالم.


وأمي تجعل للعودة معنى.


كبرت، وتغيرت المدن، وتغيرت الأدوات، وتغير شكل الأسرة نفسها، لكنني وجدتني أعيش في منتصف المسافة بينهما.


اليوم يمكن أن يبدأ يومي برسالة من أحد أبنائي، ثم مكالمة تتعلق بالأسرة، ثم عمل لا ينتظر، ثم اتصال يحتاج إلى اهتمام. أخرج من البيت وفي رأسي أكثر من قائمة، وأعود وفي رأسي قوائم أخرى.


وفي صباح مثل أي صباح، يصلني وأنا في الطريق سؤال من أحد أبنائي:


«بابا، هتكون موجود النهارده؟»


أقرأ الرسالة وأتوقف لحظة.


السؤال بسيط، لكنه ليس عن موعد العودة فقط.


إنه سؤال عن المكان الذي يحتله الابن في يوم أبيه.


أكتب له: «آه، إن شاء الله.»


وأكمل طريقي.


بعدها بدقائق تصلني رسالة أخرى تتعلق بأمي.


وهنا تحدث تلك النقلة الغريبة التي يعرفها أبناء هذا الجيل جيدًا. قبل لحظات كنت أبًا، والآن أصبحت ابنًا. قبل دقائق كنت أفكر في مستقبل أبنائي، والآن أفكر في احتياج أمي.


أصل إلى عملي، أفتح الكمبيوتر، أحاول الدخول في تفاصيل اليوم، لكن الهاتف لا يتوقف. موعد، رسالة، اتصال، سؤال، قرار صغير يحتاج إلى إجابة.


وفي المساء أعود إلى البيت.


أحد الأبناء أمام شاشة، وآخر في غرفته، وصوت من الداخل يسأل:


«أنت جيت؟»


أقول:


«أيوه.»


أضع ما في يدي، أجلس قليلًا، وأشعر فجأة أن صورة منديس عادت إليّ.


فارق السنوات هائل، لكن شيئًا واحدًا لم يتغير.


ما زلت أحاول أن أعرف متى أمسك اليد، ومتى أتركها.


وهنا أفهم «جيل الساندويتش» بطريقة مختلفة. نحن لسنا فقط بين آباء وأبناء. نحن بين صورتين للأبوة؛ أبوة تلقيناها ذات يوم، وأبوة نحاول أن نصنعها الآن.


نحن نحمل في داخلنا آباءنا وأمهاتنا ونحن نربي أبناءنا.


حين أكون على وشك أن أقول لابني: «اعمل كده عشان أنا قلت»، أتذكر يد أبي فوق يدي.


وحين يعود أحد أبنائي صامتًا ولا أجد الكلمات المناسبة، أتذكر أمي وهي تعرف أن بعض الأشياء لا تحتاج إلى تحقيق طويل، وأن طبقًا من الطعام أو كوب شاي أو مجرد الجلوس إلى جوار شخص قد يكون أبلغ من عشرات الأسئلة.


هذه الذاكرة لا تجعلني أكرر ما فعله أبي وأمي حرفيًا. الزمن تغير، والأبناء تغيروا، والحياة نفسها أصبحت أكثر سرعة وتعقيدًا. لكنها تمنحني شيئًا أهم: أصلًا أعود إليه وأنا أبحث عن طريقتي الخاصة.


جيل الساندويتش يعيش اليوم تحت ضغط حقيقي. تكاليف الحياة، العمل، تعليم الأبناء، صحتهم، مستقبلهم، رعاية الآباء، التكنولوجيا التي دخلت إلى كل غرفة، والوقت الذي أصبح نادرًا حتى داخل البيت.


قد يجلس الأب إلى جوار ابنه، لكن كل واحد منهما ينظر إلى شاشة مختلفة.


وقد تتصل الأم بابنها خمس مرات في اليوم، بينما يتمنى الاثنان لو استطاعا الجلوس معًا ساعة واحدة بلا استعجال.


لهذا أصبح الحضور نفسه شيئًا يحتاج إلى جهد.


أن تغلق الهاتف عندما يتحدث ابنك.


أن تجلس إلى جوار أمك دون أن تنظر كل دقيقة إلى الساعة.


أن تعرف أن سؤالًا بسيطًا مثل «هتكون موجود؟» قد يحمل وراءه احتياجًا كاملًا إلى الأب.


وأحيانًا، وسط هذا كله، ننسى أنفسنا.


ننسى أن الرجل الذي يرعى أبويه وأبناءه يحتاج هو أيضًا إلى لحظة هدوء، إلى كوب قهوة يشربه دون أن يرن الهاتف، إلى طريق يمشي فيه دون أن يحمل قائمة طويلة من المهام في رأسه.


ربما لهذا تعود منديس في ذاكرتي كلما ازدحم اليوم.


هناك، على ضفة النيل، لم يكن أبي يحمل هاتفًا ولا قائمة مواعيد. كان يحمل أدوات الصيد فقط، ويجلس إلى جواري.


كانت يده فوق يدي.


ثم ابتعدت.


واليوم أفهم أن تلك اليد لم تكن تمنعني من الحياة، بل كانت تهيئني لها.


وهذا ما أحاول أن أفعله الآن مع أبنائي، وأنا في الوقت نفسه أحاول أن أرد بعض ما أعطاني إياه أبي وأمي.


أن أكون حاضرًا من دون أن أكون ثقيلًا.


أن أحمي من دون أن أصادر التجربة.


أن أرعى من سبقوني، وأمنح من سيأتون بعدي مساحة ليصبحوا أنفسهم.


في نهاية اليوم، حين تهدأ الأصوات قليلًا، لا أتذكر عدد الرسائل التي وصلت ولا عدد المكالمات التي أجبت عنها.


أتذكر منديس.


أتذكر الماء.


أتذكر أبي.


وأتذكر تلك اللحظة الصغيرة التي وضعت فيها يده فوق يدي، ثم تركها.


ربما هذه هي الصورة الأصدق لجيل الساندويتش كله: يدٌ أمسكت بنا ذات يوم، ويدٌ نمسكها نحن الآن، وبين اليدين نحاول أن نعبر الحياة من غير أن نفقد أنفسنا.

#نقاش_دوت_نت 



التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11393
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.