من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

«صفر فاصل خمسة»... هل نحن حقيقيون حقًا؟

د. حسين عبد البصير
«صفر فاصل خمسة»... هل نحن حقيقيون حقًا؟


أحيانًا تأتيك رواية متأخرة، فتشعر بالأسف لأنك لم تلتقِ بصاحبها من قبل. هذا ما حدث لي مع الروائي المبدع أحمد القرملاوي في روايته «صفر فاصل خمسة»، الصادرة عن دار ديوان للنشر بالقاهرة. كانت هذه الرواية لقائي الأول به، وبعد أن انتهيت منها شعرت برغبة حقيقية في العودة إلى ما كتب قبلها. ليس بدافع المجاملة، ولكن لأنني وجدت روائيًا يعرف كيف يحكي، وهذه موهبة لا تقل أهمية عن جمال اللغة أو غرابة الفكرة. هناك من يكتب جيدًا، وهناك من يملك أفكارًا كبيرة، لكن قليلين هم الذين يجعلونك تقلب الصفحة لأنك تريد أن تعرف ماذا سيحدث.


تبدأ الرواية من السأم؛ ذلك الضيف الثقيل الذي لا يطرق الباب، بل يجلس إلى جوارك في الصباح، يرافقك إلى العمل، ويعود معك إلى البيت، ثم يتمدد على حافة السرير قبل أن تنام. عمر لا تنقصه أسباب الحياة: وظيفة، وزوجة، وبيت، ومستقبل؛ لكن الأيام صارت تتشابه في عينيه حتى فقدت الأشياء مذاقها، وأصبح ما كان يبهجه يمر أمامه كصورة باهتة. ليس السأم هنا مللًا عابرًا، وإنما تآكل بطيء للرغبة، حتى يصبح الاستيقاظ نفسه فعلًا مكررًا لا يسبقه شوق ولا يعقبه انتظار. وربما لهذا كان عمر مستعدًا لأن يغامر بالواقع كله بحثًا عن شيء واحد: أن يشعر من جديد.


وهنا يبدأ التحول الدرامي الحقيقي لعمر. الرجل الذي كان يهرب من الحياة باللامبالاة يجد نفسه فجأة مضطرًا إلى التشبث بها. يدخل التجربة الافتراضية بحثًا عن كسر السأم، فإذا به يتحول إلى مطارد ومتهم ومهدد، ويستيقظ داخله ما ظنه مات منذ زمن: الخوف، والرغبة، والشك، وغريزة النجاة. كلما اقترب من الفقد اكتشف قيمة ما كان يراه عاديًا، وكلما أصبح العالم الافتراضي أكثر خطرًا بدا له العالم الحقيقي أكثر رغبة. وهذه من أجمل مفارقات الرواية: عمر لا يتخلص من السأم لأنه وجد عالمًا أكثر إثارة، وإنما لأنه استعاد قدرته على الإحساس.


يدخل عمر تجربة «0,5»، القائمة على ثلاث محطات: التيه، والسفر، والفقد. والرقم نفسه يبدو لي مفتاحًا مهمًا لفهم الرواية. «صفر فاصل خمسة» ليس صفرًا ولا واحدًا، ليس يقينًا ولا شكًا كاملًا، وإنما يقف في تلك المنطقة الرمادية التي نعيش فيها جميعًا، بين الحقيقة والوهم.


يستخدم أحمد القرملاوي الواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي والخوارزميات، لكنه لا يقع في غواية الحديث عن التكنولوجيا من أجل التكنولوجيا. التكنولوجيا هنا ليست البطل الحقيقي. الإنسان هو البطل؛ الإنسان الذي يظن أنه يتحكم في التكنولوجيا، ثم يكتشف أنها تعرف عنه أشياء ربما لا يعرفها هو عن نفسه.


في تجربة عمر، لا تسير الأحداث في طريق مرسوم سلفًا. أفكاره ومخاوفه ورغباته تصبح جزءًا من العالم الذي يعيش فيه. الخوارزميات تقرأ ما يدور في رأسه وتعيد تشكيل الواقع من داخله. وهنا تصبح التكنولوجيا مرآة ضخمة للنفس البشرية.


والسؤال الأخطر: هل نحن فعلًا نتحكم في العالم الذي نصنعه، أم أن ما نصنعه بدأ يعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا؟


بالنسبة لي، كانت باتريشيا من أجمل شخصيات الرواية وأكثرها حضورًا، رغم أنها شخصية افتراضية. وهنا المفارقة التي أحببتها: هل تصبح الشخصية أقل حقيقة لأنها وُلدت في خيال شخص آخر؟


باتريشيا تعمل في ملهى ليلي، لكنها ترفض أن تكون مجرد جزء من الديكور. لديها شغفها الخاص، وتدفع من مالها لكي تسافر إلى مهرجان في مونتينيجرو، لا من أجل المقابل المادي، ولكن من أجل متعة الأداء ورؤية أثره في أعين الجمهور.


إنها تريد أن تُرى.


أن تكون أكثر من وظيفة وجسد ومشهد عابر.


وربما لهذا بدت، في لحظات كثيرة، أكثر إنسانية من بعض الشخصيات الحقيقية. فهي تعرف ما تريد، بينما عمر، الإنسان الحقيقي، يعاني لأنه لم يعد يعرف ماذا يريد من الحياة.


تتداخل في الرواية الأسماء والوجوه والعوالم: هانيا وهينيا، عمر وأومار، والحياة الحقيقية بما تحمله من علاقات متوترة وخيانات وأسرار، ثم صورتها الأخرى داخل العالم الافتراضي. وكأن الواقع الافتراضي لا يخترع الإنسان من جديد، بل يكشف النسخ التي يخفيها.


أعجبتني هذه اللعبة كثيرًا، لأنها جعلت الحدود بين العالمين أقل وضوحًا. من هو الحقيقي؟ ومن هو الأصل؟ وأين تنتهي الشخصية التي نعرفها وتبدأ الشخصية التي يمكن أن تكونها؟


وهنا تصبح الرواية لعبة مرايا: تنظر إلى الشخصية، ثم تكتشف أنها تنظر إليك.


كنت أفضل، من جانبي، لو ترك الكاتب بعض المساحات أكثر غموضًا، خاصة في ما يتعلق بتفسير هواجس عمر وأحلامه وبعض الروابط بين الشخصيات. فالتأويل جزء من متعة الرواية، وكان يمكن للقارئ أن يبقى قليلًا داخل المتاهة، وأن يغلق الكتاب وهو يحمل بعض الأسئلة بدلًا من أن يحصل على إجاباتها كلها.


لكن ذلك لا ينتقص من متعة العمل. فالنهاية، رغم ما فيها من تفسير، تحمل مفارقة جميلة: رواية حديثة جدًا في عالمها وفكرتها، لكنها تميل في نهايتها إلى بناء أكثر كلاسيكية. وهذا التناقض محبب؛ فمهما ذهبنا بعيدًا في المستقبل، يظل الإنسان بحاجة إلى حكاية، وإلى بداية ووسط ونهاية، حتى لو كانت الحياة نفسها أكثر فوضى من ذلك.


ومن أجمل أسئلة الرواية ذلك السؤال الذي ظل يرافقني بعد إغلاق الكتاب: نحن الآن نصنع شخصيات افتراضية، نعطيها وجوهًا وأصواتًا، ونتحدث إليها عبر شاشات صغيرة. فماذا لو كانت هذه الشخصيات، في لحظة ما، تظن نفسها حقيقية؟


ثم ماذا لو كنا نحن أيضًا شخصيات تظن نفسها حقيقية؟


ماذا لو كان هناك «أحدهم» ينظر إلينا من شاشة صغيرة، كما ننظر نحن الآن إلى ما نصنعه؟


قد يبدو السؤال فلسفيًا أو بعيدًا، لكنه لم يعد كذلك تمامًا. نحن نعيش اليوم بين الواقع والشاشة، بين الإنسان وصورته الرقمية، وبين الحقيقة وما تصنعه الخوارزميات من حولنا. وربما أصبحت الحدود بين ما نعيشه فعلًا وما تقترحه علينا الآلة أكثر هشاشة مما نتصور.


ولهذا توقفت أمام العبارة التي تقول إن الوهم، إذا أطلق خيالك ومشاعرك وجسارتك، فلماذا لا يكون تدريبًا على الحياة الحقيقية التي حُرمت منها؟


ربما لا يكون الوهم دائمًا عدوًا للحقيقة.


وربما يحتاج الإنسان أحيانًا إلى أن يعيش الحياة في خياله قبل أن يمتلك الشجاعة ليعيشها فعلًا.


كما أعجبتني جدًا فكرة «باقة متناسقة من الأكاذيب»، بحيث لا تكشف إحداها الأخرى. عبارة تختصر كثيرًا من البشر. فنحن لا نبني أكاذيبنا الكبيرة دفعة واحدة، بل نضيف إليها أكاذيب صغيرة، ثم نحاول أن نجعلها متماسكة، إلى أن ننسى أين بدأت الحكاية.


وهنا تلمس الرواية شيئًا أعمق من التكنولوجيا: الإنسان الذي يعيد اختراع الحقيقة لكي يستطيع الاستمرار.


«صفر فاصل خمسة» ليست في النهاية رواية عن الذكاء الاصطناعي بقدر ما هي رواية عن الإنسان في زمن الذكاء الاصطناعي. عن إنسان يعرف العالم أكثر مما يعرف نفسه، ويصنع عوالم جديدة، ثم يخاف أن يكتشف أنه ربما يعيش داخل عالم صنعه آخر.


وبعد الانتهاء من الرواية، ظل العنوان يطاردني.


«صفر فاصل خمسة».


في الظاهر، مجرد رقم يقف في منتصف المسافة بين الصفر والواحد. لكنه داخل الرواية يتحول إلى حالة إنسانية كاملة.


فنحن لسنا يقينًا كاملًا، ولا شكًا كاملًا. لسنا حقيقة خالصة، ولا وهمًا خالصًا. نقف دائمًا في المنتصف.


نصفنا يعيش، والنصف الآخر يراقب نفسه وهو يعيش.


نصفنا يصدق، والنصف الآخر يشك.


نصفنا يريد الهرب، والنصف الآخر يخاف مما قد يجده في الخارج.


وربما لهذا كان اختيار أحمد القرملاوي للعنوان موفقًا إلى هذا الحد.


لأن الإنسان نفسه يشبه «صفر فاصل خمسة».


يقف بين ما يعرفه وما يجهله، بين ما يراه وما يتخيله، بين الحياة التي يعيشها والحياة التي كان يمكن أن يعيشها.


وربما لن يكون السؤال في المستقبل: هل تستطيع الآلة أن تصبح إنسانًا؟


بل سيكون السؤال الأصعب: حين تصبح الآلة قادرة على تقليدنا إلى هذا الحد، هل سنظل قادرين على معرفة ما الذي يجعلنا بشرًا؟


رواية «صفر فاصل خمسة» للروائي المبدع أحمد القرملاوي، الصادرة عن دار ديوان للنشر بالقاهرة، تذهب بك إلى المستقبل، لكنها تعيدك في النهاية إلى السؤال الأقدم والأصعب: من أنت؟


وربما يكون الجواب، مثل الرقم الذي اختاره الكاتب عنوانًا لروايته، معلقًا إلى الأبد بين الصفر والواحد.


«صفر فاصل خمسة».

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11414
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.