من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

حين خرج صوت من الدلتا ليوقظ مصر

دكتور حسين عبد البصير
حين خرج صوت من الدلتا ليوقظ مصر




في طماي الزهايرة، لا تبدأ الحكاية من الأضواء. تبدأ من تراب القرية، ومن البيوت المتواضعة، ومن صباحات الدلتا التي تستيقظ على حركة الفلاحين وأصوات الناس ورائحة الأرض. هناك كانت طفلة صغيرة تحمل في صوتها شيئًا لا يبدو متناسبًا مع ضيق المكان. لم تكن تعرف أن هذا الصوت سيكبر حتى يصبح أوسع من الجغرافيا التي ولد فيها، وأن اسمها سيصبح بعد سنوات قادرًا على استدعاء زمن كامل.


من هذه اللحظة البسيطة يبدأ حسن عبدالموجود كتابه «أم كلثوم: من الميلاد إلى الأسطورة»، لا ليقدم لنا النتيجة قبل أن نعرف الطريق، وإنما ليعيد بناء الشخصية من بداياتها الإنسانية. في خمسين حكاية أدبية، يقترب من طفلة ثم فتاة ثم فنانة، قبل أن تتراكم حولها الألقاب والصور والحكايات التي صنعت منها واحدة من أكثر الشخصيات رسوخًا في الذاكرة العربية.


قيمة هذه البداية أنها تعيد الأسطورة إلى حجم الإنسان. فقبل «كوكب الشرق» كانت هناك طفلة تتعلم، وأسرة تكتشف موهبتها، وبيئة اجتماعية تمنحها أول جمهور. ثم بدأت الدائرة تتسع شيئًا فشيئًا، حتى وجدت نفسها داخل فضاء ثقافي جديد تتغير فيه قواعد الفن والشهرة.


وهنا يصبح صعود أم كلثوم جزءًا من قصة أكبر. فمصر في النصف الأول من القرن العشرين كانت تشهد اتساعًا في التعليم والصحافة والطباعة والمسرح وصناعة الأسطوانات، ثم جاءت الإذاعة لتغير علاقة الناس بالصوت والنجومية. هذه الوسائل لم تكن مجرد أدوات للفنان، بل كانت تعيد تشكيل الجمهور نفسه؛ جمهور يستطيع أن يتابع الفنان من بعيد، وأن يجعل أغنية واحدة حدثًا مشتركًا بين أناس لا تجمعهم غرفة واحدة.


في هذا العالم الجديد، لم تعد الموهبة وحدها كافية. كان على الفنان أن يعرف كيف يصنع حضوره، وكيف يتعامل مع الصحافة، وكيف يحافظ على مكانته وسط المنافسة، وكيف ينتقل من مجرد مؤدٍّ إلى شخصية عامة. وأم كلثوم، كما تكشف الحكايات التي يجمعها الكتاب، امتلكت قدرة لافتة على إدارة هذا الجانب من حياتها، فلم يكن نجاحها نتيجة الصوت وحده، وإنما نتيجة وعي متزايد بقيمة الصورة والمكان والتوقيت والجمهور.


لهذا تبدو التفاصيل المتعلقة بملابسها وعطورها ونظاراتها وبروشاتها أكثر من مجرد أخبار عن الأناقة. إنها تكشف امرأة كانت تعرف أن النجومية تُرى بقدر ما تُسمع. كانت تبني صورتها أمام الناس بعناية، وتفهم أن الفنان الذي يدخل الحياة اليومية لجمهوره يتحول تدريجيًا إلى شخصية تتجاوز خشبة المسرح.


وفي الوقت نفسه، ظلت جذورها الاجتماعية جزءًا من تكوينها، لا بوصفها قيدًا ينبغي التخلص منه، وإنما بوصفها ذاكرة داخلية حملتها معها وهي تعيد تشكيل حياتها. وهذه من أجمل المساحات التي يمكن أن يتحرك فيها الكتاب: كيف يستطيع الإنسان أن يغير مظهره ومكانه ومهنته وموقعه الاجتماعي، بينما تظل طبقاته الأولى حاضرة في طريقته في النظر إلى العالم؟


من هنا أيضًا تتضح علاقتها بمسألة المرأة في مصر الحديثة. فقد دخلت أم كلثوم المجال العام في زمن كانت فيه صورة المرأة نفسها تتغير، وأصبحت النجمة امرأة لها جمهور واسع، وحضور اقتصادي واجتماعي، وقدرة على اتخاذ القرار في مسيرتها. لم تكن تجربتها نسخة من تجربة كل النساء المصريات، لكنها تكشف اتساع المجال الذي بدأت بعض النساء في شغله داخل الحياة الثقافية.


ثم تقترب السيرة من السياسة، لا باعتبارها موضوعًا منفصلًا عن الفن، وإنما باعتبارها جزءًا من البيئة التي عاشتها الشخصية. الملكية، ثم ثورة يوليو، ثم الجمهورية الجديدة؛ مراحل متعاقبة أعادت تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وكان الفن واحدًا من المجالات التي انعكست عليها هذه التغيرات. وجود أم كلثوم في هذا المشهد يجعل سيرتها نافذة على تلك العلاقة المعقدة بين الفنان والسلطة والجمهور.


لكن الكتاب لا يحتاج إلى تقديمها في صورة سياسية جاهزة. قوته تأتي من ترك الوقائع والحكايات والتفاصيل تتجاور، بحيث تظهر الشخصية وهي تتعامل مع عصرها بدل أن تتحول إلى شعار عنه. وهذا ما يجعل الأسطورة أكثر إثارة حين ننظر إليها من الداخل: ليست صورة صافية ومكتملة، وإنما حصيلة سنوات من العمل والاختيارات والعلاقات والمنافسة والظهور العام.


وبهذه الطريقة تصبح السيرة أيضًا كتابًا عن صناعة الذاكرة. فالصحافة لا تكتفي بتسجيل حياة المشاهير، والجمهور لا يكتفي بسماع أصواتهم؛ كلاهما يشارك في صناعة الصورة التي تبقى منهم. ومع مرور الوقت، تختلط الحقيقة بالحكاية، والمشهد بالتذكر، والشخصية بما أضيف إليها من روايات، حتى يصبح الاسم نفسه أكبر من صاحبه.


وهنا يطرح الكتاب سؤالًا يتجاوز أم كلثوم: كيف تصنع مصر نجمًا يتحول إلى جزء من صورتها عن نفسها؟ فالأمر لا يتعلق بموهبة فردية فقط، وإنما بشبكة كاملة من التحولات الثقافية والتقنية والاجتماعية التي جعلت ظهور مثل هذه الشخصية ممكنًا.


إن مصر الحديثة التي تظهر خلف السيرة ليست مصر التي تقطع صلتها بماضيها دفعة واحدة، وإنما مصر التي تتغير من الداخل، وتستوعب أدوات جديدة من دون أن تتخلى بالضرورة عن ذاكرتها القديمة. في الأغنية، وفي شكل النجمة، وفي علاقة الجمهور بالإذاعة، وفي حضور المرأة، وفي تداخل الفن مع المجال العام، نرى مجتمعًا يعيد ترتيب حياته ومخيلته.


وهنا تصبح أم كلثوم أكثر من مطربة عظيمة. إنها إحدى العلامات التي يمكن من خلالها قراءة القرن المصري الحديث؛ ليس لأنها كانت تعبر عنه في كل شيء، وإنما لأن حياتها التقت، على نحو نادر، مع تحولات كثيرة في لحظة واحدة. ولذلك استطاعت أن تبقى بعد رحيلها لا كصوت محفوظ في التسجيلات فقط، بل كذاكرة تتجدد كلما أعاد جيل جديد اكتشافها.


وربما لهذا تبدو البداية الريفية شديدة الأهمية من دون أن نحتاج إلى العودة إليها طوال الوقت. يكفي أن نعرف من أين جاء الصوت لكي نفهم اتساع الرحلة. أما ما حدث بعد ذلك، فلم يكن مجرد انتقال بين مكانين، بل إعادة تشكيل مستمرة لشخصية وفن وجمهور وبلد كان جميعها يتغير في الوقت نفسه.


ومن هذه الزاوية، يصبح «من الميلاد إلى الأسطورة» عنوانًا لرحلة تتجاوز صاحبتها: رحلة إنسانة صنعت مجدها، ووسائل حديثة منحت صوتها مدى غير مسبوق، وجمهور شارك في حفظها، وزمن مصري وجد في صوتها شيئًا من نفسه. إنها سيرة أم كلثوم، نعم، لكنها في العمق حكاية عن اللحظة التي بدأت فيها مصر الحديثة تسمع نفسها بصوت مختلف.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11415
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.