من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

سوسيولوجيا الكتابة وتمثلات الهوية في زمن الأزمة الثقافية .. «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح

ربا رباعي _ كاتبة من الأردن
سوسيولوجيا الكتابة وتمثلات الهوية في زمن الأزمة الثقافية .. «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح


تمهيد

ليست الهجرة في «موسم الهجرة إلى الشمال» رحلةً من مكان إلى آخر بالمعنى الذي توحي به الجغرافيا وحدها. ما يحدث في الرواية أعمق من انتقال الجسد؛ فالشخصية التي تغادر الجنوب إلى الشمال لا تعود إلى المكان الأول كما غادرته، حتى وإن بقيت القرية على حالها، وبقي النيل يجري في مجراه، وبقيت الوجوه مألوفة. الذي تغيّر هو الإنسان نفسه، أو صورته عن نفسه، أو المسافة التي بات يرى من خلالها المكان والآخر والعالم.

وهنا تكمن أهمية الرواية. فالطيب صالح لا يكتب عن الهجرة بوصفها تجربة فردية منعزلة، وإنما يجعلها مدخلًا إلى أسئلة أوسع: ماذا يحدث للهوية حين تدخل في تماس مباشر مع ثقافة أخرى؟ ماذا يبقى من صورة الإنسان عن وطنه حين يعيش زمنًا طويلًا بعيدًا عنه؟ وهل تكون العودة نهاية الرحلة، أم أنها بداية مواجهة جديدة مع الذات؟

من هذه الزاوية يمكن قراءة الرواية في ضوء سوسيولوجيا الكتابة؛ أي النظر إلى العمل الأدبي بوصفه نتاجًا يتفاعل مع شروط اجتماعية وثقافية وتاريخية، من غير أن يتحول النص إلى وثيقة اجتماعية فحسب. فالكتابة هنا لا تعكس المجتمع بصورة فوتوغرافية، وإنما تعيد ترتيب تناقضاته داخل شخصيات وأمكنة وأصوات وحكايات.

ولعل هذا ما يجعل «موسم الهجرة إلى الشمال» نصًا مفتوحًا على أكثر من قراءة. فقد صدرت الرواية سنة 1966، وظلت منذ ذلك الوقت حاضرة في النقاشات المتعلقة بالاستعمار وما بعد الاستعمار والهوية والهجرة والعلاقة بين الشرق والغرب. وتؤكد دراسات نقدية حديثة أن الرواية ما تزال تُقرأ بوصفها نصًا مركزيًا في مساءلة الهوية وآثار الاستعمار والاقتلاع الثقافي.

لكنني لا أرى أن الرواية تختصر في ثنائية جاهزة اسمها «شرق/غرب». هذه الثنائية موجودة في بنيتها، لكنها ليست نهايتها. فالطيب صالح يذهب أبعد منها؛ إذ يجعل السؤال في نهاية المطاف متعلقًا بالإنسان نفسه: كيف يمكن أن يعيش وهو يحمل داخله أكثر من مكان، وأكثر من ذاكرة، وأكثر من صورة للذات؟

الكتابة بوصفها أثرًا اجتماعيًا

حين نقرأ الرواية من منظور سوسيولوجي، لا ينبغي أن نسأل فقط: ماذا قالت عن المجتمع؟ بل علينا أن نسأل أيضًا: لماذا كُتبت بهذه الطريقة؟ ولماذا اختار الكاتب هذه الشخصيات تحديدًا؟ وكيف تحولت التحولات الاجتماعية والتاريخية إلى مادة سردية؟

هنا تبرز أهمية مفهوم «سوسيولوجيا الرواية» عند لوسيان غولدمان، الذي بحث العلاقة بين البنى الأدبية والبنى الاجتماعية التي تتشكل في ظلها. فالرواية، في هذا التصور، ليست نسخة عن الواقع، بل بناء فني يمكن أن يكشف عن توترات المجتمع وقيمه وصراعاته من خلال الشكل الروائي نفسه.

وفي «موسم الهجرة إلى الشمال» لا نجد خطابًا مباشرًا عن التاريخ الاستعماري بقدر ما نجد آثاره تسكن الشخصيات. الاستعمار لا يظهر دائمًا في صورة سلطة سياسية، بل يظهر في اللغة، والتعليم، ونظرة الإنسان إلى ذاته، وفي الطريقة التي ينظر بها إلى الآخر.

ولهذا تبدو شخصية مصطفى سعيد أكثر من شخصية روائية منفردة. إنها تحمل تاريخًا كاملًا من الصدام بين عالمين. ذهب إلى الشمال طالبًا للمعرفة، لكنه وجد نفسه في مواجهة صورة جاهزة عنه بوصفه «شرقيًا» أو «إفريقيًا» أو «آخر». وفي المقابل، لم يكتفِ برفض هذه الصورة، بل دخل أحيانًا في لعبة استثمارها.

وهنا تصبح المسألة أكثر تعقيدًا.

مصطفى لا يقف خارج الصورة التي صنعها الآخر عنه، بل يستخدمها لمصلحته. يعرف ما ينتظره منه الآخر، ويعرف أيضًا كيف يتلاعب بهذه التوقعات. وكأن الاستعمار لم يكتفِ باحتلال الأرض؛ لقد ترك وراءه نظامًا من الصور والتصورات يستطيع المستعمَر نفسه أن يعيد استخدامها.

وهذه واحدة من أكثر مناطق الرواية إثارة للقلق؛ لأن مقاومة الآخر لا تؤدي بالضرورة إلى التحرر منه. قد يتحول الآخر إلى جزء من تكوين الذات، حتى عندما نحاول مواجهته.

الهوية: شيء يتشكل ولا شيء جاهز

تبدو العودة في بداية الرواية لحظة اطمئنان. يعود الراوي إلى قريته بعد سنوات من الغياب، فيجد المكان الذي يعرفه تقريبًا كما تركه. لكن المفارقة أن المكان لم يتغير كثيرًا، بينما تغيرت عينه التي تنظر إليه.

وهذه المفارقة هي المدخل الحقيقي إلى أزمة الهوية.

فالهوية ليست شيئًا نحتفظ به في حقيبة ونستعيده عند العودة. إنها تتغير مع التجربة، وتتأثر باللغة والتعليم والذاكرة والاحتكاك بالآخر. ولهذا يبدو الراوي، رغم عودته إلى القرية، شخصًا يقف على مسافة منها.

يمكن الاستفادة هنا من تصور ستيوارت هول للهوية الثقافية؛ فالهوية عنده ليست جوهرًا ثابتًا مكتملًا، بل تتكون من خلال التاريخ والتمثيل والاختلاف والتجربة. وقد نُشر نصه الشهير «الهوية الثقافية والشتات» سنة 1990 ضمن كتاب «Identity: Community, Culture, Difference».

وهذا التصور يضيء تجربة الراوي بصورة واضحة. فهو لا يعود إلى «هوية أصلية» فقدها ثم وجدها، وإنما يعود وهو يحمل طبقات جديدة من التجربة. ولذلك يصبح الوطن نفسه موضوعًا لإعادة الاكتشاف.

الأهم أن الرواية لا تمنحنا هوية مستقرة في النهاية. لا تقول لنا إن الحل هو العودة إلى القرية، ولا إن الحل هو الذوبان في الشمال. إنها تترك الشخصية في منطقة معلقة بين الاثنين.

وهذه المنطقة المعلقة هي، في رأيي، قلب الرواية.

مصطفى سعيد: حين تتحول المعرفة إلى مأزق

لم يكن مصطفى سعيد جاهلًا حين ذهب إلى أوروبا. على العكس، كان يحمل معرفة واسعة وقدرة استثنائية على استخدام اللغة والذكاء في التعامل مع المجتمع الجديد. لكن المعرفة التي يفترض أن تمنحه الحرية تتحول تدريجيًا إلى وسيلة أخرى للصراع.

لقد دخل مصطفى إلى الشمال من الباب الذي فتحه الاستعمار نفسه: التعليم.

وهنا تظهر مفارقة لافتة؛ فالتعليم الذي كان أحد أدوات تحديث المجتمعات المستعمَرة، يمكن أن يصبح أيضًا طريقًا إلى التورط في منظومة الثقافة التي صنعت صورة المستعمَر.

مصطفى يتعلم لغة الآخر، ويعرف تاريخه، ويقرأ ثقافته، لكنه لا يدخلها بوصفه إنسانًا محايدًا. يدخلها وهو يحمل تاريخًا كاملًا من العلاقة غير المتكافئة.

لذلك لا يمكن تفسير سلوكه في لندن باعتباره نزوة فردية فقط. فالرواية تضع حياته الشخصية داخل سياق تاريخي أوسع. النساء اللواتي يدخل علاقات معهن، والغرفة السرية التي يخفي فيها آثاره، واللغة التي يستخدمها، كلها تتحول إلى عناصر في لعبة أكبر من الرغبة الشخصية.

إنه يحاول أن يقلب علاقة القوة.

لكن المفارقة المؤلمة أنه حين يحاول أن يصبح الطرف الأقوى، يعيد إنتاج منطق القوة نفسه.

وهنا لا يعود مصطفى ضحية للاستعمار فقط، ولا منتصرًا عليه فقط. إنه شخصية مأزومة، تحمل داخله آثار الطرفين.

الغرفة السرية: سيرة أخرى للهوية

من أكثر العناصر دلالة في الرواية غرفة مصطفى سعيد السرية.

الغرفة ليست مجرد مكان يخفي فيه الرجل أسراره؛ إنها أشبه بمتحف شخصي للهوية المزدوجة. الكتب والصور والوثائق والآثار القادمة من الشمال تجعل المكان منفصلًا عن القرية، لكنه ليس منفصلًا عنها تمامًا.

إنها مساحة تقع بين عالمين.

ومن هنا يمكن قراءة الغرفة بوصفها صورة مكثفة للهوية التي يعيشها مصطفى نفسه: لا هو جزء كامل من الشمال، ولا هو قادر على العودة إلى الجنوب بصورة بسيطة.

والمثير أن الراوي حين يكتشف الغرفة لا يكتشف أسرار رجل غريب فقط، بل يكتشف جانبًا من العالم الذي عاد منه هو أيضًا.

كأن مصطفى سعيد كان موجودًا في القرية قبل أن يعرف الراوي أنه موجود، وكأن الشمال الذي ظن الراوي أنه تركه وراءه قد ترك نسخة منه في المكان.

وهذا من أجمل تعقيدات البناء الروائي؛ فمصطفى سعيد والراوي ليسا شخصيتين متقابلتين بصورة سهلة. بينهما تشابه واختلاف، انعكاس وتحذير. كل واحد منهما يضيء منطقة معتمة في الآخر.

المرأة والجسد: الأزمة الثقافية في أكثر صورها حساسية

لا يمكن قراءة الرواية من دون التوقف عند حضور المرأة.

فالجسد الأنثوي في تجربة مصطفى سعيد يصبح إحدى الساحات التي تظهر فيها علاقة الشرق بالغرب. لكن الرواية لا تقدم مصطفى بوصفه ضحية بريئة لصورة الآخر؛ فهو يمارس بدوره سلطة على النساء اللواتي يدخلن عالمه.

وهنا تصبح القراءة أكثر قسوة.

فإذا كان مصطفى يرفض أن يكون موضوعًا لنظرة الآخر، فإنه يحول المرأة أحيانًا إلى موضوع لنظرته هو. ولذلك فإن الرواية لا تكتفي بإدانة الاستعمار، وإنما تفتح سؤالًا آخر يتعلق بالسلطة الذكورية وبكيفية انتقال العنف من سياق إلى آخر.

وتتأكد هذه المسألة بصورة أكثر وضوحًا في شخصية حسنة بنت محمود.

مع حسنة تعود الأزمة من الشمال إلى القرية. لم تعد المسألة متعلقة بأوروبا أو الاستعمار وحده، بل أصبحت متصلة بالبنية الاجتماعية المحلية: الزواج، والسلطة، والشرف، ونظرة الجماعة إلى المرأة، وحدود الاختيار الفردي.

وهنا تكشف الرواية عن موقف بالغ الأهمية: الأزمة الثقافية ليست مستوردة بالكامل من الخارج.

هناك مشكلات داخلية أيضًا.

فالاستعمار ترك آثاره، نعم، لكنه لم يصنع وحده كل أشكال القهر الموجودة في المجتمع. ولذلك فإن اختزال الرواية في مواجهة الشرق بالغرب يحجب جانبًا أساسيًا من نقدها للمجتمع نفسه.

إن مأساة حسنة تجعلنا نعيد النظر في السؤال كله. فماذا يعني أن ننتصر على الآخر إذا بقي الإنسان عاجزًا عن منح أقرب الناس إليه حق اختيار حياتهم؟

القرية والنيل: المكان حين يصبح ذاكرة

في الرواية حضور قوي للمكان، لكنه ليس حضورًا زخرفيًا.

القرية ليست خلفية للأحداث، والنيل ليس مجرد منظر طبيعي. المكان يحمل الذاكرة ويحتفظ بما لا تستطيع الشخصيات قوله.

حين يعود الراوي، يعود إلى المكان بوصفه ذاكرة قبل أن يعود إليه بوصفه جغرافيا. ولذلك فإن إحساسه بالانتماء ليس كاملًا ولا مفقودًا. إنه متردد، مثل شخص يعرف البيت جيدًا لكنه يشعر للمرة الأولى أن البيت ينظر إليه أيضًا.

النيل، في هذا السياق، يبدو أكثر ثباتًا من البشر.

الناس يغادرون، يموتون، يتغيرون، يحملون أسرارهم، أما النهر فيستمر. ولذلك يمكن النظر إليه بوصفه أحد الرموز التي تمنح الرواية إمكانية الاستمرار في مواجهة التشظي.

غير أن النهاية لا تجعل النهر رمزًا رومانسيًا للعودة الآمنة. ففي لحظة الصراع معه، يصبح النيل نفسه اختبارًا للوجود.

وهنا تنتقل الرواية من سؤال الهوية الثقافية إلى سؤال الحياة والموت.

بين الراوي ومصطفى سعيد: مساران لأزمة واحدة

إذا كان مصطفى سعيد قد ذهب إلى الشمال وانتهى إلى العزلة والموت، فإن الراوي يعود إلى الجنوب، لكنه لا يعود سالمًا تمامًا.

وهذا الفرق مهم.

فالراوي يمثل إمكانية أخرى للتعامل مع تجربة الهجرة. إنه لا يحاول أن ينتصر على الشمال، ولا أن يذوب فيه. لكنه يحمل آثاره معه.

لذلك يمكن القول إن الشخصيتين تمثلان مسارين مختلفين لأزمة واحدة.

مصطفى حاول أن يحول الصراع الثقافي إلى معركة شخصية، بينما ظل الراوي يبحث عن إمكانية العيش بين التجارب المتناقضة.

لكن الرواية لا تمنحه جوابًا نهائيًا.

وهذا ما يجعلها أكثر صدقًا.

فالطيب صالح لا يكتب رواية عن شخصية وجدت الحل، وإنما عن إنسان لم يعد قادرًا على الاكتفاء بالأجوبة القديمة.

سوسيولوجيا الكتابة: من المجتمع إلى النص

من هنا تصبح «سوسيولوجيا الكتابة» مدخلًا مناسبًا لفهم الرواية.

فالعمل الأدبي لا يولد بعيدًا عن المجتمع، لكنه أيضًا لا يكرر المجتمع بصورة مباشرة. إنه يعيد إنتاج الأسئلة الاجتماعية داخل لغة وشخصيات وبنية سردية.

وهذا يقترب من تصور بيير بورديو للحقل الثقافي؛ إذ ينظر إلى الأدب ضمن شروط إنتاجه وتداوله ومؤسساته وعلاقاته بالسلطة والقيمة والاعتراف. وقد جمع بورديو في كتابه «الحقل الثقافي: مقالات في الفن والأدب» عددًا من دراساته حول هذه العلاقة بين العمل الثقافي والظروف الاجتماعية التي ينتج ويتداول فيها.

وإذا طبقنا هذا التصور على رواية الطيب صالح، فإن أهميتها لا تكمن في موضوع الهجرة وحده، بل في الطريقة التي استطاعت بها أن تجعل تجربة سودانية محلية تدخل في أسئلة إنسانية وثقافية أوسع.

وهنا تصبح الرواية نفسها جزءًا من حركة ثقافية: كاتب سوداني يكتب عن علاقة الجنوب بالشمال، بلغة عربية، ثم ينتقل النص إلى لغات أخرى ودوائر قراءة مختلفة، فيصبح العمل الأدبي ذاته عابرًا للحدود التي يناقشها.

وهذه مفارقة جميلة تستحق التأمل: الرواية التي تسأل عن أثر الهجرة في الإنسان، هي نفسها رواية هاجرت بين اللغات والثقافات.

من صراع الشرق والغرب إلى سؤال الذات والآخر

ربما يكون من السهل قراءة الرواية بوصفها مواجهة بين شرق وغرب، لكن هذه القراءة لا تكفي.

فالشرق والغرب في الرواية ليسا كتلتين صافيتين.

هناك شرق يحمل تناقضاته، وغرب يحمل تناقضاته، وشخصيات تتحرك بين الاثنين وهي غير قادرة على أن تكون نسخة كاملة من أي منهما.

وهنا يمكن استحضار مفهوم «التهجين الثقافي» في الدراسات ما بعد الاستعمارية، لكن من دون تحويله إلى احتفال ساذج بالاختلاط الثقافي. فالهوية الهجينة قد تكون مساحة غنى، لكنها قد تكون أيضًا مساحة اضطراب وفقدان وتوتر.

وهذا تحديدًا ما تكشفه شخصية مصطفى سعيد.

فهو يعرف العالمين، لكنه لا يستقر في أي منهما.

أما الراوي، فيحاول أن يعيش مع هذا التعدد بدل أن يحوله إلى حرب.

ومن هنا يبدو أن الرواية لا تسأل: من انتصر، الشرق أم الغرب؟

بل تسأل سؤالًا أشد عمقًا:

كيف يستطيع الإنسان أن يبني ذاته بعدما يصبح الآخر جزءًا من تكوينه؟

خاتمة

تكشف «موسم الهجرة إلى الشمال» أن الهجرة لا تنتهي بالوصول، كما أن العودة لا تعني بالضرورة استعادة ما كان.

قد يعود الإنسان إلى بيته، لكنه يحمل معه أماكن أخرى. وقد يترك بلدًا، لكنه يكتشف بعد سنوات أن البلد لم يتركه.

ومن هذه النقطة تحديدًا تتضح قيمة الرواية في قراءة سوسيولوجيا الكتابة وتمثلات الهوية. فالطيب صالح لم يجعل المجتمع موضوعًا خارجيًا للرواية، بل جعل التحولات الاجتماعية والثقافية والتاريخية تدخل في تكوين الشخصيات نفسها. الاستعمار يظهر في التعليم واللغة والصورة والذاكرة؛ والهجرة تظهر في الاغتراب؛ والهوية تظهر بوصفها شيئًا يتشكل باستمرار؛ والأزمة الثقافية تظهر حين يصبح الإنسان غير قادر على العودة إلى صورة بسيطة عن نفسه.

لكن الرواية لا تمنحنا خلاصًا سهلًا.

لا تقول إن الغرب هو المشكلة كلها، ولا إن العودة إلى الوطن تحل كل شيء، ولا تجعل مصطفى سعيد نموذجًا للضحية أو للمنتصر. تتركه في المنطقة الأصعب: منطقة الإنسان الذي حاول أن يواجه الآخر، فاكتشف أن الآخر يسكن بعضًا منه.

أما الراوي، فيبقى أمام النهر، في لحظة يتداخل فيها الخوف والرغبة في النجاة. وفي هذه اللحظة تحديدًا يصبح السؤال أكبر من الهجرة وأكبر من الاستعمار وأكبر من الشرق والغرب.

إنه سؤال الإنسان حين يجد نفسه بين حياتين، وبين صورتين للذات، وبين ماضٍ لا يستطيع محوه ومستقبل لا يعرف كيف يصنعه.

ولعل هذا هو سر بقاء الرواية حيّة بعد عقود من كتابتها: لأنها لم تكتب عن المهاجر فقط، بل عن الإنسان الذي يعبر الحدود ثم يكتشف أن أصعب الحدود ليست تلك التي تفصل البلدان، وإنما تلك التي تتشكل داخله.

المراجع

أولًا: المصدر الأساسي

صالح، الطيب. موسم الهجرة إلى الشمال. بيروت: دار العودة، 1966.

ثانيًا: المراجع العربية والأجنبية

Bourdieu, Pierre. The Field of Cultural Production: Essays on Art and Literature. Edited and introduced by Randal Johnson. New York: Columbia University Press, 1993.

Goldmann, Lucien. Towards a Sociology of the Novel. London: Tavistock, 1975.

Hall, Stuart. “Cultural Identity and Diaspora.” In Jonathan Rutherford (ed.), Identity: Community, Culture, Difference. London: Lawrence & Wishart, 1990, pp. 222–237.

Said, Edward W. Orientalism. New York: Pantheon Books, 1978.

Said, Edward W. Culture and Imperialism. New York: Alfred A. Knopf, 1993.

Hassan, Waïl S. Tayeb Salih: Ideology and the Craft of Fiction. Syracuse: Syracuse University Press, 2003.

John, Joseph; Tarawneh, Yosif; Tawarneh, Yosif. “Quest for Identity: The I-Thou Imbroglio in Tayeb Salih’s ‘Season of Migration to the North’.” Arab Studies Quarterly, Vol. 8, No. 2, 1986, pp. 161–177.

Fottouh, Nihad. “Navigating Identity and Colonialism: A Comparative Study of Solé’s Birds of Passage and Salih’s Season of Migration to the North.” Journal of Faculty of Arts, Benha University, Vol. 64, No. 1, 2025, pp. 133–159.

Çulhaoğlu, Tahsin. “A Post-Colonial Construction of an Authentic and Dignified Identity: Tayeb Salih’s Season of Migration to the North.” Journal of Academic Studies in World Languages, Literatures and Translation, Vol. 5, No. 2, 2024, pp. 151–169.

Husain, Saman A. “Uncovering Identity Complication in Season of Migration to the North, a Novel by Tayeb Salih.” Mitanni Journal for Humanities and Social Sciences, Vol. 1, No. 1, 2020, pp. 33–37.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11418
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.