من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

«الهدية التي تحولت إلى فاتورة»

د.عزة البنداري
«الهدية التي تحولت إلى فاتورة»




منذ متى أصبحت الهدية بحاجة إلى أن «تليق»؟ ومنذ متى صار ثمنها أهم من معناها؟

كان يكفي قديمًا أن نقدم هدية بسيطة لشخص نحبه لنقول له: «تذكرتك.»

أما اليوم، فقد أصبحت الهدية في بعض المناسبات اختبارًا اجتماعيًا: ماذا سأحضر؟ كم سأدفع؟ هل ستكون هديتي في مستوى المناسبة؟ ماذا قدم الآخرون؟ وهل سيظنون أنني قصّرت؟

وهكذا تحولت لحظة يفترض أن تكون مصدرًا للفرح إلى حسابات ومقارنات وضغط.

المشكلة ليست في الكرم

أن تهدي شخصًا شيئًا ثمينًا لأنك تحبه وقادر على ذلك، أمر جميل. وأن تقيم عزومة كبيرة لأنك تريد أن تجمع من تحب حولك، أمر أجمل.

المشكلة تبدأ عندما نفعل ذلك خوفًا من كلام الناس، لا رغبة في إسعاد من نحب.

هناك من يستدين ليقيم عزومة، أو يشتري ما يفوق قدرته، فقط حتى لا يظهر أقل من الآخرين. وهنا لا يعود الأمر كرمًا، بل يصبح ثمنًا ندفعه من راحتنا وميزانيتنا من أجل صورة اجتماعية لا نحتاج إليها.

عندما تصبح الهدية مقارنة

أصبحت عبارة «هدية تليق بالمناسبة» تحمل معنى مختلفًا.

فهل نقيس الهدية بسعرها، أم بمدى معرفتنا بالشخص الذي نقدمها له؟

قد تكون هدية باهظة لا تحمل أي معنى، بينما أخرى بسيطة اختيرت بعناية أكثر قيمة؛ لأنه يعرف صاحبه وما يحب وما يحتاج إليه.

لكننا نرى السعر بسهولة، ولا نرى دائمًا النية والاهتمام التي تقف خلف الهدية.

والمتلقي أيضًا أصبح تحت الضغط

حتى من يتلقى الهدية قد يشعر أنه دخل في التزام:

«كيف سأردها؟ هل يجب أن تكون بالقيمة نفسها؟ ومتى يأتي دوري؟»

وهكذا تتحول المجاملة إلى دائرة لا تنتهي: أعطيتني، إذن عليّ أن أعطيك. أقمت لي عزومة، إذن يجب أن أفعل الشيء نفسه.

والنتيجة أن الجميع يشارك في هذه الدائرة، والجميع يشعر بثقلها.

نجامل بعضنا أحيانًا، ثم نشكو من ثقل المجاملات.

لماذا نخاف من البساطة؟

السؤال الأهم: لماذا أصبح من الصعب أن نقدم شيئًا بسيطًا دون أن نشعر بالخجل منه؟

لماذا أصبح الاعتراف بأن إمكانياتنا محدودة أمرًا محرجًا؟

قد ننفق ما لا نستطيع تحمله حتى لا يقول أحد إننا قصّرنا، ثم تنتهي المناسبة ويبقى القلق والمصروفات، وربما شيء من الاستياء بين الأقارب.

كل ذلك لأننا منحنا نظرة الآخرين سلطة أكبر من قدرتنا على اختيار ما يناسبنا.

ليتنا نستعيد المعنى الأول للهدية

الهدية ليست بالضرورة شيئًا غاليًا.

قد تكون كتابًا، أو زهرة، أو زيارة، أو مكالمة في وقت صعب، أو رسالة قصيرة تقول: «مررت في ذهني اليوم، فأحببت أن أطمئن عليك.»

هذه الأشياء لا تحتاج إلى ميزانية كبيرة، لكنها تحتاج إلى اهتمام.

فالقيمة الحقيقية للهدية ليست دائمًا في سعرها، وإنما في معنى أن شخصًا ما فكر فيك واختار أن يعبّر عن ذلك.

لا تجعلوا المحبة دفتر حسابات

ليس المطلوب أن نتوقف عن الكرم، ولا أن نلوم من يحب أن يهدي بسخاء. المطلوب فقط أن نميز بين العطاء الذي يأتي من القلب، والإنفاق الذي يأتي تحت ضغط المقارنة والخوف من كلام الناس.

إذا كنت قادرًا على تقديم هدية ثمينة وتفعل ذلك بمحبة، فافعل.

وإذا كانت إمكانياتك محدودة، فلا تجعل مناسبة واحدة تهز ميزانيتك حتى تثبت للآخرين أنك قادر.

وإذا تلقيت هدية بسيطة، فلا تسأل أولًا عن ثمنها، بل اسأل:

«هل فكر فيّ عندما اختارها؟»

فالعلاقات الإنسانية ليست كشف حساب، والحب لا يحتاج إلى إيصال شراء.

وربما أجمل ما يمكن أن نهديه لبعضنا اليوم هو أن نرفع عن الآخرين هذا الضغط، ونقول لهم ببساطة:

لا تحتاج إلى أن تنفق أكثر حتى تثبت أنك تحبني. يكفيني أنك تذكرتني.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11420
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.