من أتون الثورة إلى إشراقات السرد: الروائي بلقاسم بن عاشور يشيّد ذاكرة الوطن بالكلمة والعمارة
مسيرة أدبية استثنائية انطلقت من الكتاتيب الحدودية بتلمسان لتتوج بحضور مغاربي بارز وترسيخ للرواية الثورية والصوفية
تتقاطع في سيرة الروائي الجزائري بلقاسم بن عاشور ملامح الذاكرة الوطنية الثائرة مع نبل الرسالة التربوية وشغف الإبداع الهندسي واللغوي. يمثّل بن عاشور تجربة سردية فريدة في المشهد الأدبي الجزائري؛ تجربة وُلدت من رحم المعاناة على الحدود الغربية للبلاد، وتنقلت بين محراب التعليم وعالم البناء، لتستقر في نهاية المطاف في عالم الرواية، مقدّمةً أبعاداً إنسانية وصوفية وتاريخية توثّق للتحولات الروحية والوطنية للإنسان الجزائري.
ميلاد تحت السلاح: جذور حدودية صاغت الوعي
وُلد بلقاسم بن عاشور في السادس من يوليوز (جويلية) عام 1955 بقرية "سيدي بوجنان" التابعة لولاية تلمسان، وهي منطقة حدودية ذات موقع استراتيجي وتاريخي حافل في الولاية التاريخية الخامسة إبان ثورة التحرير الجزائرية (1954-1962). أثرت الظروف العسكرية والسياسية للمنطقة، التي كانت ممرًا حيويًا وساحة للمواجهات وملاذًا للمجاهدين، في تشكيل الوعي المبكر للكاتب. عاش طفولته الأولى وسط صدى المعارك وأصوات المدافع، مما زرع في وجدانه حسًّا متقدًا بالحرية والوفاء لروح التضحية والفداء.
بدأ بن عاشور مساره المعرفي التقليدي في الكتّاب، حيث حفظ أجزاء من القرآن الكريم وتمكّن من قواعد اللغة العربية والبيان، لتشكل هذه المرحلة ركيزة لغوية متينة امتد أثرها إلى أسلوبه السردي اللاحق. ومع استقلال الجزائر عام 1962، واصل تعليمه النظامي المتدرج حتى التحق بـ دار المعلمين بتلمسان—وهي المؤسسة العريقة التي خرّجت أجيالًا من النخب التربوية والثقافية في الغرب الجزائري.
من الطباشير إلى الهندسة: البناء بالكلمة والحجر
عقب تخرجه من دار المعلمين، كرّس بن عاشور عقودًا من حياته في حقل التعليم كأستاذ للغة العربية وآدابها. أسهم خلال هذه المسيرة في غرس المبادئ الجمالية واللغوية لدى الأجيال الناشئة، ممارسًا التدريس كرسالة تربوية وحضارية قبل أن تكون مهنة.
ولم تقف طاقته الإبداعية عند حدود الفصول الدراسية؛ إذ قادته تحولات المسار المهني إلى دخول مجال البناء والعمارة. استطاع بن عاشور أن يمزج بين دقة التصميم الهندسي وجماليات المعنى السردي، مشيدًا المباني بالحجر والصلب، ومحتفظًا في الوقت ذاته برابطه الوثيق مع الفن والأدب، في تجربة تعكس التوازن بين المادي والروحي.
العالم السردي لبلقاسم بن عاشور: تنوع موضوعاتي ونضج متأخر
على الرغم من دخوله عالم الكتابة الروائية في مرحلة متأخرة من العمر، إلا أن هذا التمهل جاء محمّلًا بنضج الفكر وغزارة التجربة الحياتية، لتتوالى إصداراته الأدبية متوزعة بين الرواية السيرية، الأدب الصوفي، والخواطر التأملية:
«تحت شجرة اللوز»: تمثل الميلاد الأدبي الحقيقي للكاتب، وتجسد التقاطع بين ذاكرة الطفولة وحنين المكان، مسترجعةً تفاصيل الحياة الريفية والاجتماعية في الغرب الجزائري.
«من أين جاؤوا؟»: رواية تغوص في الأسئلة الوجودية وقضايا الهوية والبحث عن الجذور التاريخية والإنسانية وسط متغيّرات العصر.
«سائح في أرض الله»: عمل ينتمي إلى الإشراق الصوفي وأدب الزهد، يدمج فيه الكاتب بين المتخيل الروائي والرؤى العرفانية، مستكشفًا عوالم الروح ومحطات السفر الباطني.
«حِمَمٌ»: كتاب ينضج بالخواطر والنصوص الوجدانية، يعكس تدفقًا عاطفيًا وتأملات عميقة في الذات والمجتمع.
«الطَّوْد (رجل لا ينحني)»: عمل سيري غيري يوثق لمحطات حاسمة من حياة أحد قيادات وكبار رموز الثورة التحريرية الجزائرية، مسلطًا الضوء على القيم القيادية والصمود الوطني بأسلوب روائي مشوق.
حضور دولي وإشعاع مغاربي: محطة تونس 2024
تجاوز الأثر الأدبي لبلقاسم بن عاشور الحدود المحلية للجزائر؛ حيث شارك بنصوصه ومؤلفاته في العديد من الندوات والتظاهرات الثقافية الوطنية والعربية. وشهد معرض تونس الدولي للكتاب في دورته لسنة 2024 حضورًا بارزًا لأعماله، حيث احتفت الأوساط الثقافية والإعلامية التونسية بتجربته الروائية والسيرية. وأكدت هذه المشاركة امتداد الأدب الجزائري في الفضاء المغاربي والعربي، وقدرة الكلمة الصادقة على تجسير الحدود الجغرافية.
يمثّل بلقاسم بن عاشور نموذجًا الأديب العصامي الذي استطاع أن يختزل في مسيرته طفولة الثورة، وأمانة التعليم، ودقة الهندسة، ليصوغ منها مشروعًا روائيًا يسعى لاكتشاف الحقيقة والإنسان.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك