من التوازنات الجيوسياسية إلى إعادة تشكيل العقل: كيف تعيد التقنية وحوكمة الذكاء الاصطناعي رسم ملامح العالم والجامعة؟
شهد العالم مع دخول العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين تحولات استراتيجية عميقة تعيد صياغة النظام الدولي. فبعد عقود من المركزية الغربية، يتجه المشهد العالمي نحو نظام أكثر تعددية للمراكز، مدفوعاً بصعود الصين، وعودة روسيا، وتنامي الثقل السياسي والاقتصادي لقوى صاعدة مثل الهند والبرازيل وإندونيسيا ودول الخليج العربي. وفي هذا السياق، جاءت قمة مجموعة "بريكس" في نيودلهي لتشكل إحدى أبرز التعبيرات السياسية والتكنولوجية عن هذا التحول.
لكن سباق القوة هذا لا يقف عند حدود الجغرافيا السياسية والاقتصاد؛ بل يمتد إلى عمق البنية الفكرية والأكاديمية للإنسان، حيث تتداخل القرارات السياسية بحوكمة الذكاء الاصطناعي مع أسئلة فلسفية حادة حول طبيعة المعرفة ومستقبل المؤسسات التعليمية.
أولاً: توسع "بريكس" وإطار التنسيق متعدد المراكز
انعقدت قمة نيودلهي يومي 12 و13 سبتمبر/أيلول 2026، لتقدم مؤشرات جادة على اتجاهات العالم الجديد. فقد اتسعت المجموعة لتضم كلاً من: البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب إفريقيا، مصر، إثيوبيا، إيران، الإمارات العربية المتحدة، وإندونيسيا.
وتكشف قراءة طبيعة هذا التكتل عن خصائص رئيسية:
تنوع المصالح والأنظمة: تضم المجموعة دولاً تختلف في أنظمتها السياسية ومصالحها الإقليمية وعلاقتها بالغرب.
طبيعة التحالف:
لا تبدو "بريكس" حلفاً عسكرياً ولا كتلة سياسية متجانسة، بل إطاراً للتنسيق بين دول تتقاطع مصالحها في امتلاك هامش أوسع من الاستقلالية.
بدائل حصرية الاعتماد:
تمنح المجموعة أعضاءها خيارات إضافية تقلل من الاعتماد الحصري على القنوات والمؤسسات التابعة للغرب، حتى وإن كانت هذه البدائل لا تزال جزئية وغير مكتملة.
ثانياً: معركة المعايير التكنولوجية وحوكمة الذكاء الاصطناعي
خصص "إعلان نيودلهي 2026" مساحة محورية للذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة، مؤكداً أن الصراع الدولي اليوم تجاوز السيطرة على الأرض ليصبح صراعاً حول وضع المعايير التكنولوجية التي ستعيد تشكيل الاقتصاد والمجتمع والدولة.
وقد شمل الإعلان الدعوة إلى:
العدالة والشمول:
إتاحة موارد الذكاء الاصطناعي بصورة أكثر عدلاً، وتطوير حوكمته مع التشديد على السلامة والأمن والشمول.
التقنيات الحديثة:
تعزيز التعاون في التقنيات الناشئة، بما فيها الحوسبة الكمومية.
ثالثاً: المأزق الأكاديمي والفلسفي: الذكاء الاصطناعي وإعادة تشكيل الإنسان
بينما تسعى الدول لحوكمة التقنية وصياغة معاييرها على المستوى الدولي، يبرز سؤال أكثر عمقاً داخل أسوار الجامعة حول أثر هذه التقنيات -وفي مقدمتها نماذج مثل "تشات جي بي تي" (ChatGPT)- على أهداف التعليم والتفكير الإنساني.
1. فقدان الجهد الذهني والقيمة الوجودية للتعلم
يرى تيد كازينسكي أن التقنية لا تعمل كوسيلة محايدة بل كنظام يعيد تشكيل الإنسان وفق منطقها؛ حيث يقول: "التكنولوجيا ليست مجرد أداة نستخدمها بل قوة تعيد تشكيل أهدافنا، حاجاتنا، وطريقة تفكيرنا دون أن نشعر".
وفي سياق الجامعة، يصبح الطالب مهدداً بفقدان ما يسميه كازينسكي "الجهد الذهني الضروري للشعور بالمعنى"؛ فعندما تُنجز المهمة دون صراع فكري، يتحول التعلم إلى نشاط فارغ من القيمة الوجودية.
2. من التفكير التأملي إلى التشغيل الحسابي
يُحذّر مارتن هيدغر من اختزال العقل الإنساني إلى مجرد أداة حسابية في مقالته الشهيرة "السؤال عن التقنية"، حيث يميز بين:
التفكير الحسابي (Calculative Thinking):
ترتيب، تلخيص، وتوليد نصوص منطقية يُجيدها "تشات جي بي تي".
التفكير التأملي (Meditative Thinking):
التردد، الخطأ، الصمت، والسؤال الذي لا يملك جواباً جاهزاً.
ويقول هيدغر: "أعظم خطر للتقنية ليس في الآلات، بل في أنها تُعوّد الإنسان على نمط واحد من التفكير". والجامعة إن اكتفت بهذا النمط الحسابي فإنها تُقصي التفكير التأملي، فالطالب الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي دون وعي نقدي لا يصبح أذكى بل أكثر تبعية.
3. خضوع التعليم لـ "التكنوبولي" وصناعة الأسئلة
ينتقد نيل بوستمان في كتابه "تكنوبولي" (Technopoly) خضوع التعليم للتقنية، محذراً من تحوّل المدرسة إلى مصنع مهارات بلا غاية، حيث يقول: "المشكلة ليست في أن التكنولوجيا تجيب عن أسئلتنا بل في أنها تفرض علينا أسئلة تافهة".
وإذا كان "تشات جي بي تي" يجيب بسرعة، فالسؤال الأساسي: هل يعلّم الطالب لماذا يسأل؟ أم يدرّبه فقط على ماذا يطلب؟
4. هيمنة الشركات وإعادة تعريف المعرفة
من منظور ميشيل فوكو، المعرفة ليست بريئة بل مرتبطة بالسلطة. والذكاء الاصطناعي بوصفه منتجاً لشركات كبرى يعيد تشكيل:
ما يُعد معرفة.
ما يُعتبر جواباً مقبولاً.
ما يُقصى كفكر هامشي أو غير مربح.
وهنا يُطرح سؤال خطير: هل الجامعة ما زالت تنتج معرفة أم تستهلكها؟
رابعاً: سياسة "تعدد الشراكات" (Multi-Alignment) وإحداث التوازن
في مقابل هذه التحديات الجيوسياسية والفكرية، تدرك القوى الصاعدة والمتوسطة أن الاستقلالية لا تعني الانعزال أو التبعية التامة للشرق أو الغرب.
رفض التبعية الجديدة:
تؤكد دول مثل الهند والبرازيل وإندونيسيا رفضها استبدال التبعية الغربية بتبعية جديدة لصين أو روسيا.
النموذج المتوازن:
تُظهر الهند قدرة على التعاون المزدوج مع واشنطن وموسكو وبكين في الوقت ذاته وفي مختلف الملفات.
تعدد الشراكات:
يتجلى الملمح البارز للنظام الجديد في إمكانية أن تكون الدولة شريكاً في ملف ومنافساً في ملف آخر، مما يمنح القوى المتوسطة والصاعدة مساحة أوسع للمناورة.
تجاوز التناقضات:
يتوقف نجاح تكتلات مثل "بريكس" على الانتقال من البيانات السياسية إلى آليات عمل مستدامة لتجاوز التناقضات الداخلية بين أعضائها.
الخاتمة:
حماية الفكر والاستقلالية في عصر التحولات الكبرى
إن التحول الجاري من نظام المركزية الغربية إلى عالم متعدد المراكز يتطلب الوعي بالبعد التكنولوجي والمعرفي المصاحب له. فالسيطرة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تقتصر على النفوذ الاقتصادي والعسكري، بل باتت ترتبط بالقدرة على وضع المعايير التكنولوجية، والحفاظ على الاستقلالية الفكرية للأفراد والمؤسسات التعليمية أمام طغيان النمط الحسابي والتشغيل الآلي.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك