الشاعر المكلوم
مقدمة
هو ابن السيدة الجليلة دار السلام من النيل الأبيض، عرفته المنتديات والإذاعة والتلفزيون وقاعات دراسة القانون وتدريسه، وأروقة الصحافة.
شاعر حساس يفيض رقةً وشفافية، إنه الأستاذ التجاني حاج موسى.
التقيته مع رصفائه ذات مساء في العباسية قديمًا، ثم عبر الهاتف في القاهرة حديثًا.
وقد تمثلت فيه مقولة أبي فراس الحمداني:
مُستَجيرُ الهَوى بِغَيرِ مُجيرٍ
ومُضامُ الهَوى بِغَيرِ نَصيرٍ
النص الشعري:
في عزِّ الليل
ساعةُ النَّسمةِ ترتاحُ
على هُدبِ الدَّغشِ وتَنومُ
أنا مساهرُ
هدَّ الحيلَ غرامُك
واجترارُ الذِّكرى
طيفُك في خيالي يحومُ
يا هاجرُ
أنا والليلُ، ومرَّ جفاك
مساهرين نحكي للأفلاكِ
لا خلصت حكاوينا
لا لقينا البداوينا
يا مشهيني طَعمَ النومِ
وطيفُك في خيالي يحومُ
يا هاجرُ
سنينٌ مرَّتْ، ومرُّوا سنين
وبراكَ عارفٌ وبي أدرى
والحالُ ياهو نفسُ الحالِ
وفي جوايَ صدى الذِّكرى
وجرحُك يا غرامَ الروحِ
لا طابَ لا بيدورُ يبرأ
ده جرحُك مهما طول وغار
مطبوعٌ فيني بالفطرةِ
وبين الذِّكرى والنسيانِ
مسافةٌ قريبةٌ يا إنسانُ
ولو حاولتَ تتذكَّرْ
تعيدَ الماضي من أوَّلْ
تلقى الزمنَ غيَّر ملامحَنا
ونحن بقينا ما نحنُ
وأنا الصابرُ على المحنةِ
ولو كان الزمانُ قساك
أنا ما قسيتُ
ولو في يومٍ زمنٌ نساك
أنا ما نسيتُ
وفي عزِّ الليلِ يا هاجرُ
أنا مساهرُ
التأويل
هدوء الليل
في عزِّ الليل .. ساعةُ النَّسمةِ ترتاحُ .. على هُدبِ الدَّغشِ وتَنومُ
الليل يقدّم لحظة صفاء، حيث الهواء يهدأ والظلال تستقر في أطراف الفجر.
هذه السكينة تمنح القلب فرصة لاستدعاء ما تراكم داخله، فيتحول الجو إلى مساحة مفتوحة للبوح والذكرى.
السهر والإنهاك
أنا مساهرُ .. هدَّ الحيلَ غرامُك .. واجترارُ الذِّكرى .. طَيفُك في خيالي يَحومُ
عدم النوم يكشف عن استنزاف داخلي، حيث العاطفة تستهلك الجسد وتتركه بلا طاقة.
الذكرى تتكرر بلا توقف، والخيال يظل مشغولًا بصورة غائبة لا تفارق الوجدان، لتكشف عن استسلام كامل لسطوة الحنين.
الليل شاهد على الجفاء
أنا والليلُ .. ومرَّ جفاك .. مساهرين نحكي للأفلاكِ
إحساس بالرفيق الصامت في طول السهر يتمثل في ساعات الليل.
فيما النجوم تبدو في جمهرة تستمع، فيتسع البوح حتى يتجاوز حدود الذات، ليصبح خطابًا موجّهًا إلى الكون كله.
هذا الامتداد يبرز حجم المعاناة، إذ لم تعد محصورة في القلب وحده، وصارت تجربة كونية تتردد في فضاء لا نهاية له.
حكايات بلا نهاية
لا خلصت حكاوينا .. لا لقينا البداوينا .. يا مشهيني طَعمَ النومِ .. وطَيفُك في خيالي يَحومُ
الكلام يتدفق بلا توقف، يتحول إلى تيار داخلي يملأ فراغ الوحدة في مواجهة العزلة.
لا علاج يخفف هذا الثقل، ولا راحة تأتي عبر النوم.
الصورة الغائبة تلاحق الخيال وتفرض حضورها على كل لحظة، فتجعل الهدوء بعيد المنال. هنا يبرز الحنين كقوة لا تعرف الانقطاع، يفرض سلطانه على الزمن ويحوّل الساعات إلى دوران دائم بين الذكرى والانتظار.
ثبات الحال رغم الأعوام
سنينٌ مرَّتْ .. ومرُّوا سنين .. وبراكَ عارفٌ وبي أدرى
الزمن يمضي في دوراته، والأيام تتعاقب، والداخل يظل محتفظًا بحاله.
التجربة التي جمعت الطرفين حاضرة في الوجدان كأثر لا يزول، تتردد في الصمت كما في الكلام، وتكشف أن الألم قائم والذكرى متوهجة.
مرور السنوات لم يمحُ الأثر، والإحساس أخذ يتعمق أكثر فأكثر، يتغلغل في طبقات النفس ويثبت وجوده مع كل دورة زمنية جديدة.
جرح لا يندمل
الحالُ ياهو نفسُ الحالِ .. وفي جوايَ صدى الذِّكرى .. وجُرحُك يا غرامَ الروحِ لا طابَ لا بيدورُ يبرأ
الألم هنا متجذّر في الداخل، أشبه بوشم غائر في الوجدان.
حدث يتردد في النفس بصوت لا يخفت، وإحساس يظل حاضرًا في الأعماق، يقاوم مرور الزمن.
المسافة بين التذكر والنسيان
وبين الذِّكرى والنِّسيان .. مسافةٌ قريبةٌ يا إنسانُ
البعد بين الحضور والغياب في ذاكرة الإنسان يبدو قصيرًا، لكنه عصيّ على العبور.
النسيان يظل احتمالًا بعيدًا، فيما التذكر يفرض نفسه بقوة، ليبقى القلب أسيرًا لذاكرة لا تنطفئ.
تغير الملامح بفعل الزمن
ولو حاولتَ تتذكَّرْ .. تُعيدَ الماضي من أوَّلْ .. تلقى الزمنَ غيَّر ملامحَنا .. ونحن بقينا ما نحنُ
استدعاء عهدٍ طوته سوالف الأيام يكشف تغيّر الملامح، ويُظهر أن التجربة مضت في مسار جديد، تضيف إليه الأيام طبقات من التحول، وتكشف عن حضور مختلف يزداد عمقًا مع مرور الوقت.
لكن الذكرى تظل قائمة، لتواجه الحقيقة القاسية: التغير حتمي، والحنين يصر على البقاء.
الصبر والوفاء
وأنا الصابرُ على المحنةِ .. ولو كان الزمانُ قساك .. أنا ما قسيتُ
مكابدة العذاب الذي فرضه الزمن لم يفقد القلب رقته، جعله لا يساوم على وفائه في تجلد واحتمال.
فالعاطفة تبقى جزءًا من جوهر الإنسان، تحميه من الانكسار وتمنحه القدرة على الاستمرار.
رفض النسيان
ولو في يومٍ زمنٌ نساك .. أنا ما نسيتُ
الوفاء يظهر هنا في أبهى صورة. حتى لو غاب الآخر، فإن القلب يظل متمسكًا بالذكرى، رافضًا أن يغفل عنها.
العودة إلى نقطة البدء
وفي عزِّ الليلِ يا هاجرُ .. أنا مساهرُ
الإيقاع الدائري يؤكد أن الحنين لا يعرف خاتمة.
الحب ثابت لا ينطفئ مهما طال الغياب، في مسرح الذكرى مع الليل في ساعاته.
خاتمة
آفة النزوح المصاحبة لآلة الحرب الدائرة جعلت من شاعرنا يحط رحاله في شمال الوادي، في انتظار قصائد صادقة الوجدان، عميقة الشعور، تعبّر عن الألم والأمل والكرامة.
الإسكندرية 5 أكتوبر 2026م
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك