*رواية: البحر ينتظر يوسف – الفصل الأول – ابن الإسكندرية.*
(لم يعد سعيد من الموت ليحكي كيف نجا، بل ليحكي عن الذين لم يستطيعوا العودة)
كان البحر أول ما تعلّمه سعيد محمد الصباغ من الصبر..لم يكن يعرف يومها ما معنى الصبر، ولم يكن يعرف حتى لماذا كان يشعر بالراحة كلما وقف أمام البحر طويلًا. كان طفلًا مثل بقية أطفال الإسكندرية؛ يركض في شوارعها، يعود إلى البيت، ويضيق ذرعًا بأسئلة أمه الكثيرة عن مكانه ورفاقه وما الذي فعله طوال النهار.
لكن البحر كان شيئًا آخر.
يقف أمامه صامتًا، وينسى أن عليه أن يعود إلى البيت.
ينظر إلى الموجة وهي تقترب من الشاطئ، ثم تتراجع، فتأتي بعدها أخرى، ثم أخرى، دون أن يبدو على البحر أنه تعب أو ملّ من الحركة.
في البداية، كان يظن أن البحر لا يفعل شيئًا سوى ذلك.
يأتي بالموج ويرده.
مع مرور السنوات، بدأ يفهم شيئًا لم يستطع أن يضع له اسمًا في طفولته: أن البحر لا يتعجل الوصول إلى شيء، ومع ذلك لا يتوقف لحظة واحدة..ربما لهذا كان يحبه.
كان البحر يشبهه في شيء، أو لعله كان يتمنى أن يشبهه.
وحين تضيق به الدنيا، كان يذهب إليه.
حتى في الأيام التي لم يكن يعرف فيها أن الدنيا يمكن أن تضيق.
يقف على الكورنيش، يضع يديه في جيبي بنطاله، ويترك عينيه معلقتين بالأفق. لم يكن يرى الماء مجرد ماء، ولا الأفق مجرد خط بعيد يفصل السماء عن البحر. كان يشعر دائمًا أن وراء ذلك الخط شيئًا لا يعرفه، شيئًا أكبر من الشوارع التي حفظها، ومن المدرسة، ومن البيت، ومن كلام الكبار الذي لم يكن يفهم نصفه.
يوسف الجنزوري يعرف طريقه إلى هناك أيضًا.في أغلب الأحيان، لم يكن سعيد يحتاج إلى أن يدعوه.
كان يوسف يظهر فجأة، كما لو كان يعرف أين يجده.
يجلس إلى جواره، أو يقف خلفه، ثم يقول شيئًا لا علاقة له بما كان سعيد يفكر فيه
ذات صباح، وجده جالسًا على سور الكورنيش، يقلب حجرًا صغيرًا بين أصابعه
اقترب يوسف، وقف أمامه لحظة، ثم قال: ــ إنت ساكت ليه؟
رفع سعيد رأسه.
ـ مفيش.
ضحك يوسف.
ابتسم سعيد، لكنه لم يرد.
جلس يوسف إلى جواره، وأخذ ينظر إلى البحر.
ــ إنت لما تقول «مفيش» بيبقى فيه حاجات كتير.
مرّت دقيقة أو اثنتان دون كلام.
ثم التفت إليه:
ــ بتفكر في إيه؟
ــ في البحر.
ضحك يوسف بصوت أعلى.
ــ البحر؟ هو البحر قالك حاجة؟
ــ مش لازم يقول.
ــ أمال إنت بتفهمه إزاي؟
نظر سعيد إلى الماء.
ــ كفاية إنه موجود.
ــ إنت غريب يا سعيد.
ــ وإنت طبيعي يعني؟
ــ طبعًا.
ــ أيوه، باين.
ضحكا معًا.
يوسف أقرب إلى سعيد من مجرد صديق. عرف أسراره الصغيرة، وحضر مشاجراته مع زملائه، وشاركه انتصاراته و خيباته، وعرف متى يكون سعيد حزينًا حتى لو لم يقل شيئًا.
يوسف أكثر جرأة.
إذا فكر في شيء، فعله.
إذا غضب، تكلم.
إذا خاف، حاول أن يخفي خوفه بالنكات.
أما سعيد، فكان مختلفًا.
يراقب أكثر مما يتكلم. يلاحظ وجوه الناس، ويتابع حركاتهم، ويسأل نفسه عن أشياء لا تخطر على بال يوسف أصلًا.
ولذلك كانا يكمل أحدهما الآخر.
قال يوسف له ذات مرة:
ــ إنت لو فضلت ساكت كده، الناس هتفتكرك زعلان طول الوقت.
ــ وأنا زعلان؟
ــ مش عارف.
ــ أمال بتقول إيه؟
ــ بقول إن وشك عامل زي واحد عنده سر ومش عايز يقوله.
ــ وإنت مالك؟
ــ أنا صاحبك. من حقي أعرف.
ضحك سعيد.
ــ مفيش سر.
ــ يبقى فيه سر عن السر.
ــ امشي يا يوسف.
ــ لأ، مش همشي.
ثم دفعه بكتفه.
دفعه سعيد بالمثل، وتحولت الدفعة إلى شجار طفولي لم يستمر طويلًا، وانتهى بضحكاتهما المعتادة.
كانت تلك أيامًا بسيطة.
ولم يكن أحد منهما يعرف أن الأيام البسيطة تصبح، بعد سنوات، أكثر الأشياء التي يشتاق إليها الإنسان.
يوسف أكثر وضوحًا من سعيد في شيء واحد.
يعرف منذ وقت مبكر ما الذي يريده.
أما سعيد فكان مهمومًا بمشاكل الناس، والبلد، والوطن.
كانا يسيران يومًا على الكورنيش، وكان يوسف يراقب الجنود الذين يمرون في الطريق. ظل صامتًا حتى اختفى آخرهم عن النظر.
ثم قال:
ــ أنا هلبس بدلة عسكرية.
التفت إليه سعيد.
ــ ليه؟
رفع يوسف كتفيه، وكأنه يجيب عن سؤال بديهي:
ــ عشان البلد محتاجه رجال.
كانت الجملة أكبر من سنهما، ومع ذلك قالها يوسف ببساطة.
لم يناقشه سعيد.
كان يعرف أن الاحتلال لم يكن بالنسبة إلى يوسف خبرًا يسمعه من الراديو أو حديثًا يدور بين الكبار في المقاهي. كان شيئًا يشعر به مثل بقية المصريين. أرض محتلة، وانتظار طويل، وحديث لا ينتهي عن يوم تعود فيه سيناء.
مصر كلها تعيش ذلك الانتظار.
في البيوت، كانت الأمهات يتابعن أخبار أبنائهن المجندين.
وفي المقاهي، كان الرجال يتناقشون في الأخبار، ويختلفون في التوقعات.
في المدارس، كان الصغار يقلدون الجنود، ويرفعون أيديهم بالتحية، ويلعبون لعبة الحرب دون أن يعرفوا ماذا تعني الحرب حقًا.
سعيد يسمع كل ذلك، لكنه لم يكن يتحدث كثيرًا كعادته.
يعرف أن الحرب ليست مجرد كلمات.
الحرب، كما كان يتخيلها، تعني أن أناسًا سيذهبون ولن يعودوا.
وكان هذا الجزء تحديدًا هو الذي لم يكن يحب التفكير فيه، لا لشئ؛ فقط أن نفقد الأحبة.
كبرا الصديقان.
تغيرت ملامحهما، وتغيرت أصواتهما، ولم تعد أيامهما خالية كما كانت..
التحق سعيد بكلية الآداب في جامعة الإسكندرية.
كان يحب القراءة، ويقضي وقتًا طويلًا بين الكتب. وجد في التاريخ شيئًا جذبه إليه. لم يكن يقرأ التاريخ بحثًا عن أسماء الملوك والمعارك فقط، بل كان يبحث عن البشر الذين عاشوا خلف تلك الأسماء.
كان يتساءل:
كيف يستطيع رجل أن يقف أمام الموت؟
ماذا يشعر الإنسان حين يعرف أن لحظته الأخيرة اقتربت؟
ولماذا يتقدم بعض الناس بينما يتراجع آخرون؟
يوسف لا يفهم اهتمامه بذلك كله.
في إحدى المرات دخل عليه وهو يقرأ.
نظر إلى الكتب المكدسة حوله، ثم قال:
ــ هو إنت بتقرأ كل الكتب دي ليه؟
ــ عشان أفهم.
ــ تفهم إيه؟
ــ الناس.
جلس يوسف على طرف السرير، وأمسك كتابًا.
قلب صفحاته سريعًا، ثم أعاده مكانه.
ــ والناس محتاجة كل ده عشان تتفهم؟
ــ ساعات الواحد ما بيفهمش نفسه.
سكت يوسف.
سعيد:
ــ أمال هيفهم غيره إزاي؟
ــ أنا فاهم نفسي كويس.
ــ وإنت نفسك عايزة إيه؟
ــ قلت لك.
ــ إيه؟
ــ بدلة عسكرية
ــ لسه فاكر؟
ــ أنا ما بنساش يافيلسوف.
سعيد يعرف أنه لا يمزح.
يوسف يرى في الزي العسكري شيئًا أكبر من الملابس. كان يراه مسؤولية. وربما كان يرى فيه وعدًا قطعه على نفسه منذ كانا طفلين يجلسان أمام البحر.
بعد تخرجه في كلية الآداب، التحق سعيد بسلاح القوات الجوية.
كانت حياته الجديدة مختلفة تمامًا، ولحق به يوسف.
لم تعد هناك محاضرات طويلة وكتب يختارها بنفسه، ولا ساعات يمكن أن يقضيها أمام البحر متى أراد.
أصبح لكل دقيقة حساب.
ولكل أمر موعد.
ولكل خطأ ثمن.
في الأيام الأولى، شعر بأن حياته القديمة تبتعد عنه. لكنه مع الوقت بدأ يتغير.
صار أكثر انضباطًا.
أكثر قدرة على الاحتمال.
وأقل كلامًا كالعادة وأكثر حكمة.
ولم يكن ذلك التحول يزعجه.
كان يشعر أن شيئًا داخله يستعد لشيء لا يعرف موعده.
وحين كان يحصل على إجازة، كان يحاول أن يعود إلى حبيبته الإسكندرية.
في إحدى الإجازات، جلس مع يوسف في مقهى قريب من البحر.
كان المكان مزدحمًا، وأصوات الناس تختلط بصوت السيارات القادمة من الطريق. أمامهما كوبان من الشاي، وبينهما سنوات من الصداقة لم يحتج أي منهما إلى الحديث عنها.
مرّ بائع جرائد بجوار المقهى، وأخذ ينادي على عناوين الصحف.
ــ شايف إن الحرب قربت؟
ــ محدش يعرف،هو بياع الجرائد شئون معنوية؟
ــ لكن إنت حاسس؟
ــ كل الناس حاسة.
ــ لو حصلت… إنت هتكون فين؟
ــ في مكاني.
ــ وأنا كمان.
لم يحتاج أي منهما إلى قول أكثر من ذلك.
كانا يعرفان أن الحرب، إذا جاءت، فلن تستأذن أحدًا.
مرت الأيام ومازال الاحتلال قائمًا، وظلت الأخبار تحمل أسماء المواقع والعمليات، وظل الجنود يتدربون.
أصبح سعيد قائد موقع 3 بالونات بالجيش الثالث في السويس.هناك، تغير كل شيء من حوله، لم تعد الإسكندرية قريبة. لكنها لم تبتعد من داخله.
كانت تعود إليه في أشياء صغيرة؛ في رائحة البحر، في بعض الوجوه، وفي اللحظات التي يطول فيها الليل ولا يبقى في المكان إلا صوت الريح.
موقع سعيد يضم رجالًا من أماكن مختلفة، من القرى والمدن، ومن عائلات لا يعرف عنها سعيد شيئًا إلا من الحكايات التي يرويها أصحابها.
لكنهم مع الوقت صاروا يعرفون بعضهم، يعرفون من يحب الشاي، ومن ينام سريعًا، ومن يكتب لأمه كل يوم، ومن يتظاهر بالشجاعة أكثر مما ينبغي.
سعيد يلاحظهم دون أن يشعرهم بأنه يلاحظهم، لم يكن يريد أن يكون قائدًا يقف بعيدًا عن رجاله.
كان يعرف أن الرجل الذي أمامه ليس مجرد جندي بل مواطن مصري:
له بيت.
له أم.
له شخص ينتظره.
وله خوف يخفيه.
لذلك كان يتعامل مع الجميع بهدوء.
ــ كل واحد يراجع معداته قبل النوم.
وكانت الجملة تبدو أمرًا عسكريًا عاديًا، يريد أن يقول لهم: لا نريد مفاجآت.
يوسف معه في الموقع. وجوده كان يخفف شيئًا من ثقل المكان
في إحدى الليالي، جلس سعيد بعيدًا عن بقية الرجال.
يوسف:
ــ فاكر أول مرة قلت لك إني هلبس البدلة؟
ــ فاكر.
ــ كنت مصدقني؟
ــ لأ.
ــ طب دلوقتي؟
نظر سعيد إلى ملابسه العسكرية.
ــ دلوقتي صدقت.
ــ سعيد.
ــ نعم؟
ــ لو حصلت حاجة…
ــ بلاش.
ــ اسمعني بس.
ــ مش وقت الكلام ده.
يوسف:
ــ لو حصلت حاجة، ما تخلي أمي تعرف من حد غريب.
قال سعيد بسرعة:
ــ إنت بنفسك هتقول لها.
ــ أهو كلام وخلاص.
ــ أيوه، كلام وخلاص.
لم يكن أي منهما يعرف لماذا قالا تلك الجمل في تلك الليلة.
ربما لأنهما كانا يشعران بأن شيئًا يقترب.
في الأيام التي سبقت السادس من أكتوبر 1973، أصبح الهدوء مختلفًا.
لم يعد هدوءًا عاديًا، كانت هناك حركة في المكان، وأوامر مختصرة، واستعدادات لا تحتاج إلى شرح.
لم يكن سعيد يعرف كل ما يحدث، لكنه كان يشعر أن شيئًا كبيرًا يقـترب.
لم يخبر رجاله بموعد لا يعرفه.
كان همه أن يكون كل شيء جاهزًا.
السلاح.
الذخيرة.
الاتصالات.
نقاط المراقبة.
وأن يعرف كل رجل ما عليه أن يفعله.
في صباح السادس من أكتوبر، بدا كل شيء عاديًا في ظاهره.
الشمس قاسية.
الهواء جاف.
والرجال يتحركون.
الصمت أثقل.
العيون تقول أكثر مما تقوله الكلمات.
وصلت الأوامر:
ساعة الصفر.ظهرًا 2:00
السبت 6 أكتوبر 1973/ 10رمضان1393
وافق يوم عيد الغفران (كيبور) وهو أقدس الأيام الدينية لدى اليهود.
(بدأت بالضربة الجوية الكبرى وفتح الثغرات في خط بارليف وعبور قناة السويس)
وفي لحظات، تحولت الاستعدادات إلى حركة.
لم يعد هناك وقت للأسئلة.
تحرك الرجال.
بدأت القوات المصرية عبور قناة السويس.
لحظة التي انتظرها الناس سنوات طويلة قد جاءت أخيرًا.
وقف سعيد يتابع ما يحدث، وأعطي أوامره بالتحرك.
لم يكن يفكر في نفسه.
ينظر إلى الرجال من حوله.
كل واحد منهم يحمل في داخله وطنُا و بيتًا وكفنًا.
كل منهم يحمل آمال.
أمًا تنتظر.
أبًا يخفي قلقه.
زوجة تتمنى أن يعود.
طفلًا لا يعرف لماذا تأخر أبوه.
يعرف سعيد في تلك اللحظة أن الحرب لا تقتل الرجل وحده.
الحرب تترك خلفه أشخاصًا عليهم أن يتعلموا كيف يعيشون بعده.
اقترب يوسف وسط النيران، كان الغبار قد غطى جزءًا من وجهه.
ــ بدأنا يا سعيد.
ــ بدأنا يا يوسف.
دوّى الانفجار الأول.
اهتزت الأرض.
ارتفعت أصوات الأوامر.
تداخلت الصيحات مع أصوات الانفجارات.
في لحظات قليلة.
لم تعد هناك حياة كما كانت قبل دقائق.
صار كل شيء واضحًا وبسيطًا.
أن يؤدي كل رجل واجبه.
أن يبقى واقفًا ما استطاع.
أن يعرف أن هذه اللحظة لن تتكرر.
التفت سعيد إلى يوسف.
كان وجهه ثابتًا.
وعيناه لا تحملان ترددًا.
قال يوسف.
ــ كده بقينا جوه الحكاية.
نظر إليه سعيد لحظة.
ــ الحكاية لسه بتبدأ.
لم يكن يعرف أن تلك الجملة ستبقى معه سنوات طويلة.
لم يكن يعرف أن الحكاية التي بدأت في ذلك اليوم ستأخذ منه صديق عمره، وستترك في جسده جراحًا لا تنسى، وستضع اسمه يومًا بين أسماء الشهداء.
لم يكن يعرف أنه سيُحمل يومًا كما يُحمل الموتى.
وأن أناسًا سيبكونه.
وأن اسمه سيُكتب في كشوف الشهداء.
ثم سيحدث ما لم يتوقعه أحد.
في تلك اللحظة، لم يكن سعيد يعرف شيئًا من ذلك.
كان يعرف فقط أن الحرب بدأت.
وأن مصر عبرت.
وأن رجالًا كثيرين دخلوا تلك المعركة وهم يعرفون أن العودة ليست مضمونة
رفع سعيد عينيه نحو السماء لحظة.
ثم عاد إلى موقعه ورفاقه.
كان قلبه يخفق بقوة، لكنه لم يسمح للخوف أن يظهر على وجهه.
خلفه كان يوسف.
صديقه منذ الطفولة.
الرجل الذي قال يومًا، وهما طفلان أمام البحر::
(البلد محتاجه رجال)
الآن، فلم تعد الكلمات كافية.
لقد جاء الوقت الذي يُختبر فيه كل ما قالاه.
سعيد لا يزال يظن أن أصعب ما في الحرب هو أن تواجه الموت، لكنه لم يكن يعرف أن الأصعب سيأتي بعد ذلك.
وأن الحرب، التي بدأت في السادس من أكتوبر، ستقودهما معًا إلى يوم آخر!
يوم لن يعود منه يوسف.
ويوم سيبدأ فيه سعيد رحلته الحقيقية.
رحلة الرجل الذي سيموت…
ثم يعود!.
ــــــــــــــــــــــــــــ
نهاية الفصل الأول
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك