مقارنة بين التجربة الهولندية والليبية في الحوكمة
بين التضليل والواقع.. تفنيد منشور يقارن "رئيس برلمان هولندا" بعقيلة صالح..وقراءة في أبعاد الأزمة الليبية
تداول مستخدمون على منصات التواصل الاجتماعي منشوراً قارن بين التجربتين السياسيتين في هولندا وليبيا عبر تسليط الضوء على صورة السياسي الهولندي توم فان كامبن ورئيس مجلس النواب الليبي المستشار عقيلة صالح. ورغم استناد المنشور إلى حالة الاستياء الشعبي من الانقسام السياسي في ليبيا، إلا أنه احتوى على مغالطات معرفية وأرقام غير دقيقة وتفسير خاطئ لصلاحيات السلطات في الأنظمة السياسية.
يقدم موقع "نقاش الإخباري" هذا التقرير لتصحيح الحقائق وتفكيك المغالطات الواردة بالتوثيق والدلائل.
أولاً: تصحيح الحقائق والمغالطات الواردة في المنشور
1. طبيعة دور رئيس البرلمان الهولندي (توم فان كامبن)
المغالطة:
ادعى المنشور أن توم فان كامبن (36 عاماً) أدار السلطة التشريعية وحقق طفرة اقتصادية لهولندا ورفع الناتج المحلي وأشرف على القطاع الزراعي والصحي.
الحقيقة الدستورية:
هولندا دولة ذات نظام برلماني ملكي دستوري؛ والسلطة التنفيذية المسؤولة عن إدارة الاقتصاد والزراعة والصحة والتعليم هي الحكومة ورئيس الوزراء (مثل حكومة ديك شوف وقبلها مارك روته)، وليس البرلمان. منصب رئيس مجلس النواب الهولندي (Tweede Kamer)—والذي انتُخب له توم فان كامبن (Thom van Campen) في نوفمبر 2025—هو منصب إجرائي وتنظيمي محايد يقتصر على إدارة الجلسات النيابية وتطبيق اللائحة الداخلية للبرلمان، ولا يملك أي صلاحيات تنفيذية لإدارة الاقتصاد أو قطاعات الدولة.
2. بيانات وعمر المستشار عقيلة صالح
المغالطة: ذكر المنشور أن عمر عقيلة صالح يبلغ 86 عاماً.
الحقيقة: المستشار عقيلة صالح عيسى اقويدر من مواليد أربعينيات القرن الماضي (تاريخ الميلاد المسجل 1941/1944)، ويتولى رئاسة مجلس النواب الليبي منذ أغسطس 2014.
3. الأرقام والمؤشرات الاقتصادية
المغالطة: ربط المنشور ارتفاع الناتج المحلي الهولندي والحد الأدنى للأجور (2300 يورو) ومؤشرات الصحة والتعليم بمدة ولاية رئيس البرلمان الهولندي.
الحقيقة: الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لهولندا يُقدر بحوالي 1.1 إلى 1.2 تريليون دولار، ومؤشرات الرفاهية والشفافية والتعليم المتقدم هي ثمرة منظومة مؤسسية وسياسات تراكمية لعقود طويلة أدارتها الحكومات المتعاقبة، وليست نتاج فترة عمل رئيس برلمان يجري انتخابه لإدارة جلسات النواب. أما الحد الأدنى للأجور ومستويات المعيشة فهما محكومان بقوانين العمل وسوق الاقتصاد الاجتماعي الهولندي.
ثانياً: السياق السياسي والأزمة التشريعية في ليبيا
تطرق المنشور إلى نقاط تُعبر عن جوهر النقاش السياسي والاجتماعي المحتدم في الشارع الليبي:
الانسداد السياسي والقاعدة الدستورية:
يتولى عقيلة صالح رئاسة مجلس النواب منذ أكثر من عقد، حيث شهدت هذه الفترة تعثراً متكرراً في إنجاز قاعدة دستورية دائمة توافقية تسمح بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية تنهي المراحل الانتقالية.
الانقسام المؤسسي والإنفاق الموازي:
تعاني ليبيا من انقسام السلطة التنفيذية والمؤسسات الاقتصادية، ما أدى إلى ارتفاع معدلات الإنفاق الموازي والضغط على قيمة العملة الوطنية (الدينار الليبي) وارتفاع معدلات التضخم وتراجع الخدمات الأساسية.
تعثر المبادرات:
أخفقت العديد من جولات الحوار ومبادرات التسوية التي رعتها الأطراف الدولية والمحلية في إنهاء الانقسام الحكومي وتوحيد المؤسسة العسكرية والمالية.
ثالثاً: المقارنة المؤسسية بين التجربتين
المقارنة الموضوعية بين النموذجين لا تُختزل في الفارق العمري أو الفردي بين الشخصين، بل تكمن في بيئة الحكم والحوكمة.
إن النجاحات التنموية في الدول المتقدمة ليست وليدة قرارات فردية لسياسي شاب أو كهل، بل هي نتاج استقرار مؤسسي وسيادة للقانون؛ وهو ما تحتاجه ليبيا للخروج من أزمتها الممتدة عبر إنهاء الانقسام وإجراء انتخابات شجاعة تعيد بناء الدولة ومؤسساتها.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك