الفصل الثالث: ما بين الرصاصة والبحر.
في صباح الحادي والعشرين من أكتوبر، بدا كل شيء هادئًا على نحو لا يطمئن!
ارتفعت الشمس فوق الأرض، وتحرك الهواء بخفة بين الرمال. أخذ الجنود أماكنهم كعادتهم؛ بعضهم يتفقد سلاحه، وبعضهم يتبادل كلمات قليلة، وآخرون يجلسون في صمت، يحتسي البعض ما تبقى لديه من ماء أو شاي.
لم يكن في المشهد ما يوحي بأن هذا اليوم سيبقى في ذاكرة سعيد إلى آخر عمره
لكن الذين عاشوا الحرب أيامًا متتالية يعرفون أن الهدوء لا يعني الأمان. أحيانًا لا يكون الهدوء أكثر من لحظة قصيرة تسبق شيئًا لا يمكن إيقافه.
وقف سعيد عند طرف الموقع يراقب الرجال.
تتحرك عيناه من جندي إلى آخر، ثم إلى الساتر، فالسماء، فالأرض، وتعودان إلى الرجال من جديد. في الحرب، لا يملك القائد رفاهية أن يترك عينيه تستريحان طويلًا.
اقترب يوسف من خلفه.
ــ نمت إمبارح؟
ــ شوية.
ــ وإنت؟
ــ أنا نمت كويس.
ــ إمتى؟
ــ وأنا واقف.
هز سعيد رأسه:
ــ إنت عمرك ما هتبطل هزار.
ــ لو بطلت هزار، هنعيش إزاي؟
لاحظ يوسف أن ابتسامته اختفت.
ــ في إيه؟
ــ مفيش.
ــ سعيد.
ــ حاسس بحاجة؟
أخذ سعيد نفسًا قصيرًا.
ــ مش عارف.
بينهما من السنوات ما يجعل بعض الكلام مفهومًا من دون شرح.
اتجه يوسف إلى الجنود، وظل سعيد يتابعه بعينيه.
عرفه منذ أن كانا طفلين؛ قبل الحرب، وقبل أن يعرفا معنى الموت. عرفه وهو يركض في شوارع الإسكندرية، يضحك بصوت عالٍ، ويتشاجر مع الأولاد ثم يعود بعد دقائق كأن شيئًا لم يحدث.
وعرفه بعدما كبرا، حين تحولت الكلمات إلى مسؤولية، والضحك إلى صمت، واللعب إلى سلاح حقيقي.
للمرة الأولى، مرت في رأس سعيد فكرة لم يرد لها أن تمر.
ماذا لو فقد يوسف؟
هز رأسه كأنه يطرد الفكرة.
لا أحد في الحرب يحب أن يتخيل موت صديقه.
مر اليوم بطيئًا.
تصل الأوامر ثم تهدأ الحركة، وتتوقف قليلًا قبل أن تعود. ومع ارتفاع الشمس، ازداد الحر، وبدأ أحد الجنود يوزع بعض الماء.
وقف يوسف إلى جواره، وأخذ كوبًا معدنيًا.
ــ خد يا فندم.
شرب قليلًا، ثم مد الكوب إلى سعيد.
ــ اشرب.
ــ خليه للرجال.
ابتسم يوسف.
ــ إحنا مش رجال؟
ــ إنت مالك ومال الكلام؟
ــ اشرب يا سعيد.
أخذ سعيد الكوب وشرب. لم يكن الماء باردًا، لكنه بدا له في تلك اللحظة أثمن من أي شيء آخر.
أعاد الكوب إلى يوسف.
شرب ما تبقى منه:
ــ لما نرجع، أول حاجة هعملها إني أشرب مية ساقعة.
نظر إليه سعيد.
ــ أول حاجة؟
ــ أيوه.
ــ مش هتروح لأمك؟
ــ أروح لها بعد المية.
ــ يا أخي عيب عليك.
ــ أمي هتسامحني.
ــ إنت واثق قوي.
ــ دي أمي.
سكت سعيد لحظة:
ــ وأنا أول حاجة هعملها هروح البحر.
ــ البحر؟
ــ أيوه.
ــ من غير ما تروح لأهلك؟
ــ هروح لهم، وبعدين البحر.
ــ وأنا هاجي معاك.
ــ اتفقنا.
ــ ونقعد على الكورنيش.
ــ ونشرب شاي.
ــ ومية ساقعة.
ــ لسه فاكر المية؟
ــ دي أهم حاجة.
ضحكا معًا.
في تلك اللحظة الصغيرة، بدت الحياة أبسط من الحرب.
بحر.
ماء بارد.
كوب شاي.
كورنيش الإسكندرية.
أشياء صغيرة، لكنها كانت تكفي لكي يتخيل الإنسان أنه سيعود.
فجأة، انفجار من بعيد.
ثم دوّى انفجار آخر، أقرب هذه المرة، فالتفت الرجال في وقت واحد. ارتفعت أصوات التنبيه، وتحرك كل واحد إلى موقعه.
ــ الكل مكانه!
ــ استعدوا!
ــ خليكوا على مواقعكم!
ــ الإخلاء والسرية الطبية.
اشتد الاشتباك.
لم يعد سعيد يعرف كم مضى من الوقت. الدخان يملأ المكان، والتراب عالق بالوجوه، والأصوات تأتي من كل اتجاه. يتقدم المهاجمون في بعض النقاط، ثم يتراجعون تحت النيران.
تحرك سعيد بين رجاله، يتفقد المواقع ويعطي الأوامر. لم يحتج إلى الصراخ طويلًا؛ فقد اعتاد رجاله أن يلتقطوا توجيهاته وسط الضجيج.
قبل دقائق فقط، كانوا يتحدثون عن الماء، والبيت، والبحر.
أما الآن، فلم يعد هناك وقت للكلام.
رفع سعيد عينيه إلى السماء.
ظهرت نقاط سوداء في البعيد.
ظل يتابعها وهي تكبر ببطء.
مظلات.
أدرك ما يحدث قبل أن يصل الخبر إلى الجميع.
ــ استعدوا! قوات نازلة.
مدافع ثنائي عيار 23 مم جاهزة؟
ــ جاهزة يافندم.
انتشر الصوت بين الرجال، وتبدلت الحركة في الموقع. ارتفعت الرؤوس نحو السماء، واستقرت البنادق في الأيدي. أخذت المظلات تهبط واحدة بعد أخرى، بينما بدأت النيران تصعد إليها من الأرض.
انفجرت قذيفة قرب أحد المواقع.
اهتزت الأرض تحت الأقدام، وتناثر الرمل والحصى. انحنى بعض الرجال، ثم عادوا إلى مواقعهم.
تحرك سعيد بينهم بسرعة.
ــ اثبت مكانك.
ــ غطّي شرق وغرب الساتر.
ــ ما حدش يتحرك من غير أمر.
تداخلت الأصوات حتى أصبح من الصعب تمييز بعضها من بعض.
رصاص.
أوامر.
انفجارات.
وصراخ قصير يقطعه كل مرة صوت قذيفة.
رأى سعيد جنديًا شابًا يرتجف خلف ساتره.
ــ إنت كويس؟
ــ أيوه يا فندم.
واصل سعيد طريقه بين الرجال، وعيناه تنتقلان من موقع إلى آخر.
ثم لمح يوسف.
كان يتقدم.
خطوة.
ثم أخرى.
لم يكن يتحرك إلى موقع جديد، بل إلى الأمام، ناحية مصدر النيران.
توقف سعيد لحظة ثم صاح:
ــ يوسف!
ــ أيوه يا فندم.
ــ خليك مكانك ماتتحركش.
ــ شايفهم يافندم هناك أهم.
ــ الدعم في الطريق.
أشار سعيد إلى موقعه.
ــ ارجع مكانك.
نظر يوسف إلى المهاجمين. كانت المسافة بينهم تضيق.
عاد ببصره إلى سعيد.
ــ لو استنينا، هيوصلوا للموقع.
ــ قلت لك استنى، الدعم على وصول.!
ظل يوسف في مكانه لحظة، كأنه يزن الأمر أمام الخطر الذي يراه.
ثم قال:
ــ لو وصلوا على جثتي، ماتتحركش.
ــ يوسف.
ــ لازم نوقفهم قبل ما يوصلوا.
كانت عيناه ثابتتين.
عرف سعيد تلك النظرة. رآها من قبل؛ النظرة التي تسبق قرارًا لا يستطيع صاحبه التراجع عنه، فقد قرر يوسف!
صرخ:
ــ يوسف!
لم يلتفت.
ابتلعه الدخان بعد خطوات قليلة.
اندفع سعيد خلفه، لكنه لم يقطع المسافة. دوّى انفجار قريب، فاضطر إلى الانحناء. ارتطم الرمل والحصى بوجهه، وضغط الانفجار على أذنيه حتى غابت الأصوات للحظة.
دفعة رصاص من رشاش -عوزي.
صراخ.
انفجارات.
انبطاح.
رفع سعيد رأسه بعد انقشاع بعض الغبار.
بحث عن يوسف.
لم يره.
ــ يوسف.
لا إجابة.
حاول التقدم، لكن كثافة النيران أجبرته على العودة إلى موقعه.
عاد إلى رجاله، ورفع صوته:
ــ خليكوا ثابتين.
ــ ما حدش يسيب موقعه.
عيناه ظلّتا معلّقتين بالدخان.
. أين اختفى يوسف
كل ما عرفه أن صديقه تجاوز الخط الذي رسمه له.
ولأول مرة منذ بداية الحرب، لم يعد الأمر متعلقًا بموقع أو مهمة.
أصبح متعلقًا بيوسف.
يوسف لم يتقدم لأنه لا يخاف.
تقدم لأنه خاف على الرجال الذين خلفه.
اشتد القتال حول الموقع، ولم يعد سعيد يعرف كم مضى من الوقت. الدخان يحجب الرؤية، والتراب يغطي الوجوه، والمهاجمون يتقدمون في بعض النقاط ثم يتراجعون تحت النيران، ويوسف لم يعد له أثر..
تحرك سعيد بين رجاله، يثبت هذا ويوجه ذاك، حتى جاءه صوت من ناحية جانبية:
ــ يا فندم.
جندي يركض نحوه، ووجهه شاحب.
ــ يوسف اتصاب.
ــ فين؟
ــ هناك... عند الساتر.
لم ينتظر سعيد بقية الكلام.
انحنى تحت وابل الرصاص، وعبر بين الحفر والحطام.
ــ يوسف.
لم يأته رد.
صرخ مرة أخرى:
ــ يوسف.
ثم رآه.
ملقى على الأرض، مستندًا إلى جانبه. الدم يسيل من رقبته، ووجهه شاحب، لكن يده اليمنى لا تزال ممسكة بالسلاح.
كان يطلق النار رغم اصابته.
ــ يوسف... سامعني؟
لم يلتفت يوسف.
ظل يطلق النار.
مد سعيد يده إلى السلاح.
ــ سيبه يا يوسف إحنا مكشوفين.
سيب السلاح. هننقلك.
رفع يوسف سلاحه وأطلق مرة أخرى.
كان جسده يضعف أمام عيني سعيد، لكنه لم يتوقف.
اقترب أحد الجنود.
ــ يا فندم، لازم نخليه من هنا.
ــ غطّونا.
انحنى الجندي وبدأ يطلق النار.
أمسك سعيد بيوسف من كتفه.
ــ يوسف... بص لي.
تحركت عيناه ببطء.
التقتا بعيني سعيد.
لم يقل شيئًا.
لكن سعيد فهم من نظرته ما لم يستطع أن يحتمله.
تحركت شفتا يوسف بصعوبة، وخرجت الشهادة متقطعة.
ارتجف قلب سعيد.
رفع يوسف إصبعه، وظل يردد الشهادة، بينما بقيت يده الأخرى ممسكة بالسلاح
في تلك اللحظة، تراجعت الحرب من حول سعيد.
لم يعد يسمع الرصاص.
لم يرَ الدخان.
لم يرَ الرجال.
رأى يوسف فقط.
يوسف الطفل الذي عرفه في الإسكندرية.
يوسف الشاب الذي جلس معه على الكورنيش.
يوسف الذي قال له يومًا:
البلد محتاجة رجال.
يوسف الذي وعده قبل ساعات أن يذهبا إلى البحر.
اقترب سعيد منه وقال بصوت خافت:
ــ ما تسيبنيش يا يوسف.
ثقلت عيناه.
توقفت يده عن الحركة.
ظل السلاح بين أصابعه.
ــ يوسف؟
هزه برفق.
ــ يوسف.
لا شيء.
هزه مرة أخرى.
ــ يوسف.
ظل ساكنًا.
عرف سعيد.
لكن عقله رفض أن يقبل.
ظل يبحث عن أي علامة حياه تنفي ما رأى؛ نفس خافت، رمشة، حركة صغيرة في يده
لم يجد.
ظل سعيد ممسكًا بيوسف.
الاشتباك لم يتوقف.
صوت من الخلف:
ــ يا فندم، لازم نتحرك.
الخطر ما زال قائمًا.
نظر إلى يوسف.
لم يستطع أن يتركه.
قال للجندي:
ــ ساعدني.
ــ حاضر يا أفندم.
أمسك الجندي بطرف الجسد، وانحنى سعيد ليرفعه.
بدا يوسف أثقل من الطبيعي.
أو ربما كانت قوة سعيد هي التي بدأت تنفد.
سقطت السلاح من يد يوسف.
انحنى سعيد والتقطه.
ــ مش هسيبك.
حمل يوسف على كتفه..
تدلت رأسه إلى الخلف، وشعر سعيد بالدم يسيل على كتفه.
لم يعرف إن كان الدم كله دم يوسف أم اختلط بدمه.
لم يكن ذلك مهمًا.
المهم أن يخرجه من هنا.
عليه أن يقطع نحو مئة وخمسين مترًا.
مسافة قصيرة في الأيام العادية.
أما في ذلك اليوم، فبدت بلا نهاية.
حمل سعيد يوسف على كتفه، وانحنى بجسده فوقه كلما اقتربت النيران. كان عليه أن يحافظ على توازنه، وأن يتجنب الحفر والحطام، وأن يبقي رأس يوسف بعيدًا عن مرمى النيران.
ــ وطي راسك يا فندم.
انحنى سعيد أكثر.
مرّت دفعة من الرصاص فوقهما، وارتطم بعضها بالأرض على مسافة قريبة. تعثر سعيد، ثم استعاد توازنه، وشد ذراعه حول جسد يوسف.
واصل السير.
كل خطوة صارت أثقل من سابقتها.
ألم ظهره وكتفه وساقيه، لكن الألم الأكبر ظل في صدره. لم يعد ينتظر من يوسف أن يجيبه، ومع ذلك ظل يتصرف كأنه يحمله إلى مكان آمن، ثم سيجلسان بعد قليل ويتحدثان عن البحر، وعن الإسكندرية، و عن الشاي والمياه الساقعة اللذين وعدا بهما نفسيهما.
كل ما اقترب من الإخلاء.
تجدد إطلاق النار من ناحية مرتفعة.
انحنى سعيد، لكنه لم يجد مكانًا يحتمي فيه. شد يوسف إلى صدره، وحاول أن يعبر بسرعة.
في اللحظة التالية، شعر بشئ في ذراعه اليسرى.
توقفت خطواته.
كاد يسقط، لكنه تشبث بيوسف وثبت قدميه.
نظر إلى ذراعه.
الدم بدأ ينزف منها.
ــ يا فندم، إنت اتصبت.
ــ بعدين، بعدين.
ــ لازم نحتمي بساتر.
ــ قلت لك بعدين.
واصل سعيد السير.
لم يعد يخشى الألم.
كان يخشى شيئًا واحدًا:
أن يسقط يوسف من فوق كتفه.
كلما شعر أن جسد صديقه يتحرك، شد قبضته أكثر.
وكأنه يستطيع بهذه القبضة وحدها أن يمنعه من الرحيل.
أخيرًا وصل إلى نقطة الإخلاء.
كان هناك رجال ينتظرون.
ــ سيبه يا فندم.
أنزل سعيد يوسف ببطء، وظل ممسكًا به، وحمله الرجال على المحفة.
ثم نظر إلى وجهه.
للمرة الأولى منذ بداية المعركة، بدا يوسف هادئًا.
كأنه نائم.
ظل سعيد واقفًا لحظة.
ثم خانته ساقاه، فجلس على الأرض.
الدم ينزف من ذراعه.
اقترب منه أحد الجنود:
ــ يا فندم، الإسعاف وصلت.
سأل:
ــ يوسف راح فين؟
ــ معانا.
ــ متأكد؟
ــ أيوه يا فندم.
ــ ما تسيبوش لوحده.
ــ حاضر.
وصلت سيارة الإسعاف.
فتح الرجال الباب.
ــ اطلع يا فندم.
صعد سعيد بصعوبة، وجلس بين المصابين.
اقترب منه أحد المسعفين.
ــ أشوف الإصابة يا أفندم.
لم يمد سعيد ذراعه.
ــ بعدين.
ــ لازم أشوفها.
ــ قلت لك بعدين.
ثم التفت إلى الباب المفتوح.
ظل ينظر إلى المكان الذي اختفى فيه يوسف.
وجهه.
إصبعه المرفوع.
شفتاه والشهادة.
آخر نظرة بينهما.
وتذكر الوعد الصغير الذي تحدثا عنه قبل ساعات:
البحر.
الماء البارد.
الشاي.
أغمض عينيه.
لم يعرف أن تلك الأشياء البسيطة ستتحول منذ تلك اللحظة إلى ذكريات.
ولم يعرف أن يوسف لن يجلس معه على البحر مرة أخرى.
تحركت السيارة.
ابتعد الموقع شيئًا فشيئًا، وخفتت أصوات المعركة.
سعيد لم يشعر أنه يبتعد عن الحرب.
شعر أن الحرب أخذت معه شيئًا لن يعود.
يوسف.
فتح عينيه.
وظل سؤال واحد يطارده:
هل كان يستطيع أن ينقذه؟
لم يعرف الإجابة.
لم يعرف أن السؤال نفسه سيعود إليه مرات كثيرة، كلما تذكر تلك اللحظة.
رفع عينيه إلى السماء من نافذة الإسعاف.
لم يكن يعرف إلى أين ستأخذه هذه الرحلة.
كان يظن أن أصعب ما في ذلك اليوم هو أن يرى يوسف يموت بن يديه
لكنه لم يكن يعرف أن الحرب لم تكن قد قالت كلمتها الأخيرة بعد.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
نهاية الفصل الثالث.

التعليقات
أضف تعليقك