درع استراتيجي ضد المخاطر وسعي لتفكيك الهيمنة: الصين تواصل حشد الذهب للشهر الـ23 على التوالي
بكين ترفع احتياطياتها إلى نحو 323.5 مليار دولار وسط تحولات جيوسياسية عالمية واتجاه متصاعد للبنوك المركزية لتنويع أصولها.
واصل بنك الشعب الصيني (البنك المركزي) تعزيز احتياطياته من الذهب للشهر الثالث والعشرين على التوالي، في واحدة من أطول موجات الشراء المتواصلة للمعدن الأصفر في تاريخ البلاد الحديث، مما يعكس استراتيجية بكين الراسخة لتحصين نظامها المالي وتنويع أصولها بعيداً عن العملات الغربية وفي مقدمتها الدولار الأمريكي.
وفقاً لأحدث البيانات الرسمية الصادرة، اشترت الحكومة الصينية مؤخراً 740 ألف أونصة من الذهب بقيمة إجمالية بلغت 3.1 مليار دولار، لترسخ بذلك موقعها كأحد أكبر المشترين السياديين للمعدن النفيس في العالم.
حصاد 23 شهراً من التراكم الماراثوني
على مدار الأشهر الـ23 الماضية من الشراء المتواصل، أضافت بكين ما مجموعه 4.67 مليون أونصة من الذهب إلى خزائنها، بتكلفة تُقدّر بنحو 19.5 مليار دولار.
وبذلك ارتفع إجمالي القيمة السوقية لاحتياطي الذهب الصيني ليصل إلى ما يقارب 323.5 مليار دولار، وهو ما يعادل أكثر من 72.8 مليون أونصة (أو ما يتجاوز 2,260 طناً مترياً)، لتؤكد بكين عزيمتها على بناء جدار حماية مالية متين في مواجهة الاضطرابات الاقتصادية والجيوسياسية المتصاعدة.
الدوافع الاستراتيجية: لماذا يندفع التنين الصيني نحو الذهب؟
تقف خلف اندفاع بكين الماراثوني نحو الشراء عدة محركات استراتيجية وجيوسياسية عميقة:
تسريع سياسة "تفكيك الدولرة" (De-dollarization):
تستهدف بكين تقليل اعتمادها على الدولار الأمريكي والأصول المقومة به (مثل سندات الخزانة الأمريكية)، لتجنب المخاطر الناجمة عن التوترات الجيوسياسية والعقوبات الاقتصادية، ولا سيما بعد استخلاص الدروس من تجربة تجميد الأصول الروسية بالدولار واليورو عقب أزمة أوكرانيا.
هيكل الاحتياطيات وهامش التوسع:
رغم بلوغ احتياطي الذهب الصيني نحو 323.5 مليار دولار، إلا أنه لا يزال يشكل نسبة تتراوح بين 4.5% إلى 5% فقط من إجمالي الاحتياطيات الأجنبية الضخمة للبنوك الصينية والتي تتجاوز 3.2 تريليون دولار.

ومقارنة بالدول الغربية — حيث يشكل الذهب أكثر من 65% إلى 70% من احتياطيات البنك الفيدرالي الأمريكي أو البنك المركزي الألماني — يتبين أن لدى بكين مساحة هائلة ومستمرة لمواصلة الشراء خلال السنوات القادمة.
قيادة اتجاه البنوك المركزية عالمياً:
لا تعمل الصين بمعزل عن العالم؛ إذ شهدت السنوات الأخيرة موجة غير مسبوقة من إقبال البنوك المركزية في الأسواق الناشئة (مثل الهند وروسيا وتركيا) على التحوط بالذهب لحماية عملاتها من الضغوط التضخمية المرتفعة وسياسات أسعار الفائدة المتذبذبة.
تأثير تحركات بكين على الأسعار العالمية:
كان الشراء المتواصل من قبل بنك الشعب الصيني الداعم والوقود الأساسي لقفزات أسعار الذهب في البورصات العالمية، حيث سجلت الأونصة مستويات قياسية تاريخية متتالية، مغذيةً توقعات المؤسسات المالية الكبرى باستمرار الاتجاه الصاعد للمعدن الأصفر.
آفاق مستقبلية
تؤكد هذه التحركات الاستراتيجية لبكين أن الذهب لم يعد مجرد أداة ادخار تقليدية، بل تحول إلى ركيزة أساسية في معركة إعادة تشكيل النظام المالي العالمي متعدد الأقطاب.
ومن المتوقع أن تستمر بكين في سياستها التحوطية للوصول بنسبة الذهب في احتياطاتها إلى مستويات تكافئ ثقلها كفي ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك