حين يصبح الجسد مرآةً لمجتمع كسيح
تبدأ رواية «منارة الموت» لهناء عبيد، الصادرة عن دار فضاءات عام 2022، من جسد طفل مختلف، لكنها لا تنتهي عند حدود الإعاقة الجسدية. آدم، بطل الرواية، يولد وسط عالم يصر على إقناعه بأنه أقل من الآخرين، ساق أقصر من أخرى، فقر يكبل أسرته، وصبية يحولون اختلافه إلى مادة للسخرية، وتتسع الرواية تدريجيًا حتى يصبح جسد آدم نفسه مرآة لعالم مختل.
وآدم الذي يعاني من ساق قصيرة يحلم بـ«القدم الذهبية»، لكن الذهب الذي ينتظره لا يأتي. وما يبدو في البداية مشكلة جسدية خاصة يتحول تدريجيًا إلى سؤال أكبر: من الذي يعاني الإعاقة حقًا؛ الفرد المختلف، أم المجتمع الذي يعجز عن قبول الاختلاف؟ فالطفل الذي يطارده الصبية بالحجارة ليس وحده المعاق؛ عالمه كله يعاني عطبًا أخلاقيًا واجتماعيًا.
من الجسد إلى العالم
تجعل الجسد مدخلًا إلى قراءة المجتمع. فساق آدم القصيرة تصبح علامة سردية تتكرر بأشكال مختلفة، هو يقفز بينما يمشي الآخرون، يسقط فيضحك الآخرون، ويحتاج إلى مساعدتهم رغم رفضه أن يتحول إلى موضوع للشفقة. وآدم، مع مرور الأحداث، يعيد اكتشاف جسده نفسه. ما كان مصدرًا للعار يتحول، في لقائه بسام، إلى مصدر للسعادة. يضحك سام من طريقة آدم في المشي، ولكن ضحكته ليست ضحكة السخرية التي عرفها في طفولته؛ إنها ضحكة الفرح. هنا تكتشف الشخصية أن الضحك الواحد قد يحمل معنيين متناقضين، ولذلك يقول آدم، إنه أحب إعاقته للمرة الأولى.
كما تتعامل الرواية مع الفقر باعتباره قوة فاعلة في تشكيل مصائر الشخصيات. البيت الفقير، العمل المبكر، الطعام القليل، الملابس البالية، المعونات، العمل في بيت نُوى، الفندق، ثم مصنع كاربنتر؛ كلها حلقات في سلم اجتماعي يصعده آدم وهو يكتشف أن انتقاله من مكان إلى آخر لا يعني بالضرورة انتقاله من طبقة إلى أخرى. فحين يدخل بيت نُوى، يبدو المكان بالنسبة إليه «قطعة من الجنة»، لكنه يكتشف في الوقت نفسه أن هذه الجنة تقوم على علاقة غير متكافئة بين من يملكون ومن يعملون. وحين يدخل الفندق الفخم، يلمع الرخام والمرايا والثريات أمام عينيه، لكنه يظل «صبي جرس» ينتظر إكرامية النزلاء. أما مصنع كاربنتر، الذي يدخل إليه محملًا بصورة الشركة الخيرية، فيكشف الوجه الأكثر قسوة للمفارقة، المؤسسة التي تظهر في القرية بوصفها جهة مانحة للمعونة، تتحول في الرواية إلى مصنع للموت.
شاحنة الموت
ومن أجمل التحولات الرمزية في الرواية أن الشيء نفسه يمكن أن يتغير معناه حين يتغير موقع الإنسان منه. في القرية، ينتظر آدم شاحنة كاربنتر التي تحمل الطعام والملابس والألعاب. يقف الفقراء حولها في انتظار ما يُلقى إليهم. ثم يكبر آدم، ويذهب للعمل لدى الشركة نفسها، ليكتشف أن وراء الصورة الخيرية عالمًا آخر لا علاقة له بصورة المنقذ. وفي النهاية تصبح الشاحنة نفسها «شاحنة الموت».

وآدم ليس مقاتلًا، ولا يملك مالًا أو سلطة أو سندًا اجتماعيًا. سلاحه الوحيد هو قدرته على التعاطف. حين يساعد سام، ويبيع عقود الياسمين، ويحاول أن يخفف عن أبي الأحزان، وحين يحلم لاحقًا بإنشاء عيادة للفقراء، فإنه يبلور فلسفته الخاصة: صناعة البسمة يمكن أن تكون شكلًا من أشكال مقاومة الظلم.
وجورج يقف في الجهة الأخرى، يرى أن الظلم يحتاج إلى مقاومة، وأن القوة لا تواجهها الابتسامة وحدها. الرواية تجعل الشخصيتين تجربان الإجابتين في الحياة. آدم يبحث عن ضحايا العنف، بينما يبحث جورج عن جذور العنف. وحين يصل الاثنان إلى النهاية، يصبح اختلافهما أشبه باختلاف طريقين يسيران نحو غاية واحدة، إنقاذ الإنسان من آلة القهر. فيقول آدم: «لكل إنسان سلاحه»، ثم يختار البسمة بدل الرصاص.
ادعاء الصمم
ومن الشخصيات التي تمنح الرواية بعدًا دالًا شمس، التي تبدو في البداية عاجزة عن الكلام، ثم يتضح أن صمتها ليس عجزًا طبيعيًا، وإنما نتيجة للظروف التي دفعتها إلى ادعاء الصمم حتى تحصل على العمل. وإذا كان آدم قد تعرض للإقصاء بسبب جسده، فإن شمس تتعرض له بسبب فقرها وحاجتها. كلاهما يضطر إلى التعامل مع نظام اجتماعي لا يرى الإنسان إلا وفق المنفعة التي يمكن أن يقدمها. واللافت أن شمس، حين تتكلم أخيرًا، تكتشف الرواية أن لديها ما تقوله عن عالم كامل من المهمشين. لقد كان الصمت في ظاهر الشخصية حالة فردية، لكنه يصبح، في العمق، صورة لمجتمع كامل أُجبر على إسكات صوته كي يظل قادرًا على البقاء. وبالتالي فإن انتقال شمس من الهمهمة إلى الكلام ليس مجرد تطور في الشخصية، وإنما لحظة انتقال من الصمت إلى الشهادة.
آدم راويا
اختارت هناء عبيد أن تضع القارئ داخل وعي آدم، ولذلك تأتي الرواية في معظم مساحتها من منظور الشخصية نفسها. فالعالم نراه من منظور طفل فقير يتعلم الحياة وهو يقرأها في الوقت نفسه.
ولأن آدم قارئ للكتب، تختلط في وعيه الحياة بالنصوص التي قرأها. تتسلل العبارات الأدبية إلى تفسيره للأحداث، وتصبح القراءة وسيلته لفهم عالم لم يكن قادرًا في البداية على تفسيره. وحين يصل إلى مصنع كاربنتر، يبدأ في اكتشاف أن العبارات التي قرأها عن الظلم لم تكن استعارات بعيدة، بل وصفًا لعالم يعيش فيه.
دلالة العنوان
المنارة، في الوعي الجمعي، مرتبطة بالضوء والهداية والتحذير. لقد أقاموها حتى يراها من يبحر ليلًا، فتساعده على تجنب الصخور والوصول إلى بر الأمان. ولذلك فإن تركيب «منارة الموت» يحمل منذ البداية مفارقة دلالية: كيف يمكن للمنارة التي يفترض أن تهدي إلى النجاة أن تصبح منارة للموت؟
إن مصنع كاربنتر هو «منارة الموت» لأنه مؤسسة تبدو في الخارج مضيئة، عمل خيري، أدوية، مساعدات، فرص للفقراء. لكن الضوء الذي يجذب المحتاجين إليها يقودهم إلى فضاء الموت.
والرواية توسع معنى المنارة إلى ما هو أبعد من المصنع. فهناك منارات كثيرة في حياة آدم: المعونة، الوظيفة، الثراء، الفندق، الشركة الخيرية، الدواء، السلطة. كلها تبدو في لحظة ما كأنها طريق إلى مستقبل أفضل، ثم يكشف السرد أن بعضها ليس إلا طرقًا أخرى إلى الخضوع أو الاستغلال أو الموت.
واللافت أن الرواية نفسها تقيم «منارة» مضادة. فإذا كان الظالمون يمتلكون الضوء الظاهر، فإن آدم يصر على إشعال ضوء آخر: البسمة، والمحبة، والمعرفة، والعمل، والطب، ومساندة الضعفاء. وهكذا تتواجه في الرواية منارتان: منارة تقود الإنسان إلى الموت، ومنارة يحاول الإنسان أن يشعلها كي يهدي بها الآخرين إلى الحياة.
من الموت إلى الحياة
يحضر الموت بكثافة في الرواية، موت الأم، شمس، رايان، رمزي، جورج، والطفلة التي تُنتزع من «شاحنة الموت»، فضلًا عن الموت الرمزي الذي يعيشه الفقراء وهم على قيد الحياة. والمثير أن الرواية لا تنتهي بالموت، وإنما تحاول أن تخلق من الموت معنى آخر.
وبعد كل ما حدث، لا يتحول آدم إلى منتقم. يصبح طبيبًا، يفتتح عيادة للفقراء، وتصبح سيلينا صاحبة متجر للورد، ويخصص المكان لسام وللأعمال التي تصنع البهجة. وحتى حين تفقد شمس حياتها، يقرر آدم أن يجعل «البسمة» سلاحه.
وهنا تتضح الدائرة التي ترسمها الرواية: الطفل الذي كان يختبئ من الصبية، ويعتقد أن الموت قد يكون خلاصه، يصبح رجلًا يواجه الموت بصناعة الحياة. الطفل الذي كان يعتقد أن ساقه القصيرة هي مصدر عاره، يصبح طبيبًا يعالج أجساد الآخرين. والصبي الذي كان يجر كيس الأرز المتسرب خلفه، يصبح إنسانًا يوزع على الآخرين ما استطاع أن يصنعه من أمل.
وأخيرا فالرواية تميل أحيانًا إلى المباشرة، خصوصًا حين تتحول بعض الحوارات إلى مناقشات صريحة حول الفقر والفساد والظلم، وحين تُشرح بعض الأفكار بدل تركها تنمو بالكامل من داخل الحدث. كما أن بعض التحولات الكبرى في حياة آدم تأتي متلاحقة، بما يجعل البناء أقرب في مواضع منه إلى الحكاية الممتدة ذات الرسالة الأخلاقية.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك