من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الفصل الرابع: الطريق إلى المستشفى.

عادل التوني
الفصل الرابع: الطريق إلى المستشفى.


لم تكن سيارة الإسعاف تشبه سيارات النجاة في ذلك اليوم.

ضاقت بالمصابين قبل أن تتحرك، وغطى الغبار جوانبها وزجاجها الأمامي. بقيت علامة الصليب الأحمر واضحة فوقها، كأنها وعد صغير بأن هناك مكانًا ما وراء هذه الأرض يمكن أن يتوقف فيه الألم.

فهل الحرب تحترم الوعود؟  


جلس سعيد على إحدى المحفات، وذراعه اليسرى تنزف. رأى الدم، لكنه لم يشعر بالألم كاملًا. الصدمة أثقلت جسده، وكأن ما جرى له لم يصل إليه بعد.

لم يفكر في إصابته.

كان يفكر في يوسف.

إلى جواره خمسة مصابين. أحدهم يضغط بيده على بطنه، وآخر مغمض العينين يتمتم بكلمات لا يسمعها أحد، وثالث يحاول تثبيت جسده كلما اهتزت السيارة.

جلس المسعف قرب الباب، ينتقل من مصاب إلى آخر، يفحص الجروح بسرعة، ويعيد ترتيب الضمادات بيدين ثابتتين رغم التعب.

اقترب من سعيد.

ــ يا فندم، الإصابة فين بالضبط؟

نظر سعيد إلى ذراعه.

ــ في الذراع.

ــ أعرف، أقصد غيرها؟

حرك رأسه ببطء.

ــ مش عارف.

ــ حاسس بدوخة؟

ــ شوية.

ــ صداع؟

ــ آه.

ــ طب بص لي.

رفع سعيد عينيه إليه.

ــ كويس. خليك معايا.

لف المسعف قطعة من الشاش حول ذراعه.

ــ كده أفضل.

نظر سعيد إلى بقية المصابين.

ــ والرجالة؟

ــ كلهم محتاجين مستشفى.

ــ هنوصل قريب؟

ــ إن شاء الله.

قالها بثقة حاول أن يجعلها حقيقية.  


السيارة تهتز.

فاهتزت المحفات مع كل حفرة، وارتطمت أكتاف الرجال بجوانبها المعدنية.  

السائق يسرع حين ينفتح الطريق أمامه، ثم يخفف السرعة عند الحفر والعوائق

ومن خلف الزجاج، بدت الأرض مقطعة بين الدخان والظلال.

أحد المصابين:

ــ يا جماعة، حد يقول لي إحنا رايحين فين؟

ــ مستشفى الجبهة.

ــ قربنا؟

ــ قربنا.

سكت الرجل قليلًا، ثم سأل:

ــ هو في حد سبقنا؟

لم يجب المسعف.

لم يكن السؤال عن الطريق وحده.

كان الرجل يسأل، من دون أن يقولها صراحة: هل سنصل؟ هل هناك أطباء؟ هل هناك وقت؟

أغمض سعيد عينيه.

حاول أن يستعيد وجه يوسف.

لكن الصورة التي عادت إليه لم تكن وجهه كما عرفه في الإسكندرية.

رآه عند الساتر.

الدم عند رقبته. 

السلاح في يده.

وإصبعه مرفوعًا وهو يردد الشهادة.

فتح سعيد عينيه بسرعة.

لم يستطع أن يحتمل الصورة طويلًا.

التفت إليه جندي شاب يضغط بيده على بطنه.

ــ يا فندم.

ــ نعم؟

ــ هو صاحبي اللي كان معايا... وصل؟

سأله سعيد:

ــ اسمك إيه؟

ــ عبد الحميد.

ــ وصاحبك؟

ــ كمال.

ــ ما شفتوش بعد ما اتصبت؟

هز عبد الحميد رأسه.

ــ كان واقف جنبي، بعد كده ما عرفتش إيه جرى.

حاول سعيد أن يطمئنه.

ــ إن شاء الله يكون اتنقل قبلك.

صمت عبد الحميد لحظة، ثم قال:

ــ هو كان بيقول لي: ما تخافش.

نظر إليه سعيد.

ــ وبعدين؟

ــ أنا كنت خايف.

ابتسم ابتسامة ضعيفة.

ــ ولسه خايف.

مد سعيد يده السليمة وربت على كتفه.

ــ الخوف طبيعي.

نظر عبد الحميد إليه.

ــ وإنت مش خايف؟

ظل سعيد صامتًا لحظات.

ــ أنا خايف على اللي برّه.

لم يسأله عبد الحميد عن معنى الجملة.

ربما فهمها.

وربما أدرك أن (اللي برّه) ليسوا فقط الرجال الذين تركوهم خلفهم، بل كل الذين لم يستطيعوا أن يحملوهم معهم.


استمرت السيارة في طريقها.

بدت السماء صافية نسبيًا، لكن الدخان البعيد كان يحجب أجزاء منها، كل شيء مكشوف: السيارة، الطريق، والرجال.

لا مكان حقيقي للاختباء.

رفع المسعف رأسه فجأة.

جاء صوت من السماء.

أحد المصابين:

ــ طيارة؟

لم يجب أحد.

اقترب الصوت.

نظر السائق إلى المرآة.

صرخ المسعف.

ــ الكل ينزل راسه.

انحنى بعض الرجال.

حاول سعيد أن يتحرك، لكن جسده لم يسعفه بالسرعة الكافية.

ثم جاء الانفجار.


اهتزت السيارة بعنف، وانفتح أحد أبوابها، تطاير الزجاج، واندفع الحديد إلى الداخل

شعر سعيد بضربة في مؤخرة رأسه، ثم بشيء حاد يغرس نفسه في جانبه، وألم حارق في قدمه.

للحظات، لم يسمع شيئًا.

ثم عادت الأصوات دفعة واحدة.

ــ يا رب.

ــ حد يلحقنا.

حاول سعيد أن يفتح عينيه.

لم يرَ سوى الغبار والوجوه المذعورة.

تحسس جسده.

رأسه ينزف.

جانبه يحترق.

وقدمه تؤلمه.

لكن الألم كله تراجع أمام فكرة واحدة فقط.

يوسف.

حاول النهوض.

لم يستطع.

تمتم.

ــ يوسف...

ثم غاب كل شيء

 

حين فتح سعيد عينيه، لم يعرف أين هو.

سقف أبيض.

رائحة مطهر.

أصوات بعيدة تتحرك في المكان.

حاول أن يرفع رأسه، فاشتد الألم في مؤخرة جمجمته.

سمع صوتًا قريبًا:

ــ الضغط بينزل. 

رد صوت آخر.

ــ جهزوا غرفة العمليات.

ثم:

ــ الإصابة في الرأس تحتاج متابعة.

حاول سعيد الكلام.

خرج صوته ضعيفًا.

ــ يوسف...

اقترب منه أحد الأطباء.

ــ إنت في مستشفى الجبهة بالسويس.

أعاد سعيد السؤال.

ــ يوسف فين؟

ــ ارتاح دلوقتي.

ــ يوسف...

ــ بعدين نتكلم.

أغمض سعيد عينيه.

وفي مكان بين النوم والوعي، عاد إليه البحر.

لم يعد يرى المستشفى.

رأى الإسكندرية.

الكورنيش.

الموج.

رأى يوسف واقفًا أمامه.

ابتسم سعيد.

ــ إنت اتأخرت.

ــ كنت بدور عليك.

ــ وأنا مستنيك.

اقترب يوسف خطوة.

ــ لازم نرجع.

ــ نرجع فين؟

ــ على الموقع.

نظر سعيد إلى البحر.

ــ إحنا خلصنا.

هز يوسف رأسه.

ــ لسه.

مد يده إليه بشيء.

كان السلاح.

ــ خد.

تراجع سعيد.

ــ مش عايزه.

ــ لازم تاخده.

ــ أنا مش محتاجه.

ــ خد يا سعيد.

فتح سعيد عينيه فجأة.


وجد ممرضة إلى جواره:

ــ إنت كويس؟

نظر إليها سعيد.

ــ يوسف؟

ترددت قليلًا.

ــ مين يوسف؟

ــ صاحبي.

ــ هو فين؟

لم يجب سعيد.

فهم من الصمت أكثر مما كان يريد أن يفهم.

 

مرت الأيام ببطء.

في اليوم الثاني، سأل الممرضة:

ــ يوسف الجنزوري... وصل هنا؟

ــ معرفش يا فندم.

ــ دوري عليه.

ــ حاضر.

لم تعد.

وفي اليوم الثالث، دخل حسن.

عرفه سعيد فورًا.

نظر إلى وجهه طويلًا.

ــ يوسف؟

لم يجب حسن في البداية.

اقترب من السرير.

ــ هو... استشهد يا فندم.

ظل سعيد ينظر إليه

ــ أنا شوفته.

ــ عارف.

ــ حملته لحد العربية.

ــ عارف.

ــ كان لسه ماسك سلاحه

تنهد حسن.

ــ كان راجل.

سعيد:

ــ كان صاحبي.

ساد الصمت.

سعيد:

ــ ما تسيبوش لوحده.

اقترب حسن منه.

ــ محدش هيسيبه.

ــ متأكد؟

ــ أيوه يا فندم.

أغمض سعيد عينيه.

لم يبكِ.

ربما لأن البكاء يحتاج إلى طاقة لم يعد يملكها.

أو لأن جزءًا منه ظل ينتظر أن يدخل يوسف من الباب ويقول إن كل ما حدث مجرد سوء فهم.

لكن الباب ظل مغلقًا.

 

مرت الأيام.

استقرت بعض الإصابات، بينما ظلت إصابة ذراعه اليسرى أخطر ما فيه

في أحد الأيام، دخل الطبيب.  

ــ الإصابة شديدة.

نظر سعيد إليه.

ــ هتفضل؟.

ــ هنحاول.

ــ يعني هتفضل؟

ــ لسه بدري على الحكم.

ــ أنا محتاجها.

نظر الطبيب إلى ذراعه.

ــ دي مش إيد عادية.

ــ ليه؟

ــ دي حملت السلاح.

صمت سعيد.

ثم قال:

ــ وبعدين؟

نظر إليه الطبيب.

ــ إيه؟

ــ حملت صاحبي.

لم يجد الطبيب ما يقوله.

خرج، وبقي سعيد وحده.

نظر إلى يده.

تذكر يوسف.

السلاح.

البحر.

أغلق عينيه.

 

في اليوم الثامن، تغيرت حالته.

انخفض ضغطه.

ارتفعت حرارته.

صار التنفس أثقل، وأصبح الكلام مجهدًا.

في تلك الليلة، عاد البحر.

المساء هادئًا.

الموج يتحرك ببطء.

وقف يوسف بعيدًا.

مشى سعيد نحوه.

ــ تعال يا سعيد.

ــ رايح فين؟

ــ البحر.

ــ مستنيّني؟

ــ من زمان.

اقترب سعيد أكثر.

ــ لازم نرجع.

نظر إليه يوسف.

ــ لازم ترجع.

ــ وإنت؟

سكت يوسف لحظة.

ــ أنا خلصت.

هز سعيد رأسه.

ــ مش هسيبك.

ــ المرة دي لازم تسيبني.

ــ مش هقدر.

ــ لازم.

مد سعيد يده إليه.

لكن يوسف ابتعد.

ظل سعيد يحاول الوصول إليه.

غاب البحر.

غاب يوسف.

 

في الغرفة، ارتفعت الأصوات:

ــ مفيش نبض.

ــ حاولوا تاني.

ــ مفيش استجابة.

تتابعت المحاولات.

ثم جاء الصمت.

توقف كل شيء.

 ...... :

أعلن الأطباء وفاة سعيد.

أُثبت اسمه ضمن الشهداء.

سعيد محمد الصباغ

شهيد

رقم 444

لم يعد في الأوراق أكثر من اسم في قائمة، وملف أُغلق، وجسد ينتظر أن يُغسل ويُكفّن ويُنقل مع بقية من رحلوا.

لم يعرف أحد أن الجسد لم يقل كلمته الأخيرة.

فقد بقي فيه شيء صغير.

نبض ضعيف، يكاد لا يُسمع.

نبض ينتظر يدًا تكتشفه.

وكانت تلك اليد على وشك أن تقترب.


منذ تلك اللحظة، لم تعد حكاية سعيد حكاية رجل نجا من الحرب فقط.

أصبحت حكاية رجل ظنه الجميع قد مات.

بينما ظل شيء صغير في داخله يقول:

لم أنتهِ بعد.

 ــــــــــــــــــ

نهاية الفصل الرابع

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11514
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.