الفصل الخامس: نبض تحت الكفن
لم تعد غرفة الموتى في مستشفى الجبهة تشبه بقية الغرف.
أهدأ من اللازم، وأبرد من اللازم، والرجال الذين يدخلونها يخفضون أصواتهم دون أن يطلب منهم أحد ذلك، كأن الموت نفسه لا يحتمل الضجيج؛ فللموت قدسية.
أما في الخارج، لم تتوقف الحرب.
سيارات الإسعاف تدخل وتخرج، والجنود يعبرون الممرات مسرعين، والأطباء ينتقلون من غرفة إلى أخرى، وكل واحد منهم يحمل ما يكفيه من التعب والحالات التي لا تنتظر
أما هنا، فقد بدا كل شيء منتهيًا.
وُضع سعيد بين جثماني شهيدين.
غطت الملاءة جسده، ولفت الضمادات رأسه، واستقرت ذراعه اليسرى إلى جواره بلا حركة.
أُدرج اسمه في كشوف الشهداء.
سعيد محمد الصباغ
الشهيد رقم 444
رقم بارد لا يقول شيئًا عن الرجل الذي يحمله.
خلف الرقم أم تنتظر ابنها، ومدينة اسمها الإسكندرية، وصديق اسمه يوسف، وطفولة كاملة لم تنتهِ في ذاكرته رغم أن حياته انتهت على الورق.
اقترب أحد العاملين، ونظر إلى الورقة المثبتة عند الجثمان.
ــ النقيب سعيد محمد الصباغ.
نطق الاسم بصوت خافت.
لم يكن هناك من يحتاج إلى سماعه، لكنه قاله على أي حال، كأن الاسم لا ينبغي أن يتحول بهذه السهولة إلى رقم.
دخل ممرض يحمل بعض الأدوات، وألقى نظرة على الجثامين.
ــ خلصتوا تجهيز المجموعة دي؟
أجابه رجل أكبر سنًا.
ــ تقريبًا، لكن الأكياس خلصت.
ــ كلها؟
ــ كلها، هنستخدم الملايات.
هز الممرض رأسه.
لم يعد نقص الأدوات أمرًا غريبًا، فالحرب تستهلك كل شيء، الشاش والأدوية والأسِّرة وسيارات الإسعاف، وحتى قدرة الرجال على الاحتمال.
اقتربوا من الجثامين واحدًا بعد آخر.
غُسل سعيد وكُفن، وأقيمت عليه صلاة الجنازة مع الشهداء الآخرين.
لم يتحرك.
لم يظهر من جسده ما يلفت الانتباه.
بدت النهاية محسومة.
في مكان عميق لا تراه العين، بقي شيء صغير يرفض أن ينتهي.
نبض ضعيف.
يكاد لا يُسمع.
في الخارج، كانت سيارة نقل الجثامين تستعد للرحيل في طريق القاهرة ــ السويس
رفع الرجال الجثامين واحدًا بعد آخر.
لم يكن العمل سهلًا.
التعب على الوجوه، والحزن صار مألوفًا من كثرة ما مر أمامهم، لكن كثرة الموت لم تجعل حمله أخف.
اقترب منهم ممرض يُدعى عم حنا شحاتة.
لم يعد شابًا، وتركت سنوات العمل خطوطًا واضحة على وجهه، لكنه احتفظ بعينين تلتقطان التفاصيل الصغيرة.
أمسك أحد طرفي ملاءة سعيد.
ــ استنوا بس، ده تقيل شوية.
نظر إليه أحد العمال.
ــ كلهم تقال يا عم حنا.
ــ عارف، ارفع من الناحية دي.
انحنى الرجلان وأمسكا بالملاءة.
ثم توقف عم حنا فجأة.
ــ استنى.
نظر إليه العامل.
ــ في إيه؟
لم يجب.
وضع عم حنا يده فوق الملاءة، عند صدر سعيد.
تردد لحظة.
هناك دفء.
دفء خافت، لكنه مختلف.
قد تكون حرارة الجسد التي لم تغادره بعد، وقد يكون شيئًا آخر.
لكن عم حنا لم يرفع يده.
قال العامل.
ــ مالك؟
ــ نزلوه.
ــ ليه؟
رفع عم حنا عينيه إليه.
ــ نزلوه حالًا.
أنزلا الجثمان إلى الأرض.
انحنى عم حنا، ووضع أصابعه على رقبة سعيد.
انتظر.
لم يشعر بشيء.
غير موضع أصابعه.
وانتظر مرة أخرى.
ثم شعر بها.
دقة.
ضعيفة.
تبعها سكون طويل.
حبس أنفاسه.
ثم جاءت دقة ثانية.
فتح عم حنا عينيه.
ــ نادي المدير.
ــ المدير معاه حالة.
ــ قول له ييجي بسرعة.
ــ في حاجة؟
رفع عم حنا صوته.
ــ ناديه، وما تسألش.
ركض العامل إلى الداخل.
بقي عم حنا إلى جوار سعيد، وعاد إلى رقبته.
هذه المرة لم يشك.
النبض موجود.
ضعيف جدًا، لكنه موجود.
قال بصوت خافت.
ــ يا رب.
اقترب أحد الجنود.
ــ في إيه يا عم حنا؟
نظر إليه عم حنا.
ــ الراجل ده عايش.
حدق الجندي في وجه سعيد.
ــ عايش في المشرحة؟
ــ فيه نبض.
ــ لكن اسمه في كشف الشهداء.
نظر عم حنا إلى الجندي.
ــ الكشف مش دستور، استعجل المدير.
وصل مدير المستشفى ومعه طبيبان وممرضتان.
ــ فين الحالة؟
أشار عم حنا إلى سعيد.
ــ هنا يا أفندم، حسيت بدفء، وبعدها لقيت نبض ضعيف.
انحنى المدير وفحص الرقبة، ثم الصدر، وطلب السماعة.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قال:
ــ افتحوا الطريق، دخلوه العناية فورًا.
ــ هو متكفن يا دكتور.
ــ فكوا الكفن، بسرعة.!
في لحظات، تبدل كل شيء.
لم يعد سعيد جثمانًا ينتظر النقل.
عاد مصابًا يحتاج إلى الإنقاذ.
فُك الكفن، وحُمل إلى غرفة العناية.
تم توصيل الأجهزة.
تعالت التعليمات من حوله.
ــ جهزوا المحاليل.
ــ راجعوا التنفس.
ــ الضغط لسه ضعيف.
ــ زودوا الأكسجين.
وقف عم حنا عند الباب.
نظر إلى الملاءة التي كان يحملها قبل دقائق، ثم إلى سعيد.
فكر في اللحظة التي كاد فيها الرجل أن يخرج من المستشفى بوصفه واحدًا من الشهداء
لو لم يلاحظه.
لو اعتبر الدفء طبيعيًا.
لو انشغل بغيره.
لو تأخر دقيقة واحدة.
ربما انتهى كل شيء.
اقترب منه أحد العمال.
ــ إنت لحقتنا يا عم حنا.
ــ أنا ما عملتش حاجة.
ــ لو ما حسيتش به.
قاطعه عم حنا.
ــ ربنا هو اللي أنقذه.
ــ بس إنت اللي حسيت.
صمت قليلًا، ثم قال.
ــ يمكن ربنا خلاني أقف في الوقت الصح.
ظل سعيد بين الحياة والموت.
لم يستعد وعيه، لكن علاماته الحيوية بدأت تستجيب ببطء.
ارتفع النبض قليلًا.
تحسن التنفس قليلًا.
لكن أحدًا لم يطمئن.
مدير المستشفى:
ــ لازم يفضل تحت الملاحظة.
أجابه أحد الأطباء:
ــ حالته محتاجه إمكانات أكبر.
ــ هننقله القاهرة.
ــ يقدر يستحمل النقل؟
نظر المدير إلى سعيد.
ــ لو فضل هنا، فرصته أضعف.
بدأت إجراءات النقل.
وفي تلك الساعات، تحرك سعيد بين الغياب والإفاقة.
أصوات تأتيه من بعيد.
أيدٍ تلمسه.
أجهزة تصدر صفيرًا متقطعًا.
ثم يعود كل شيء إلى الظلام.
في كل مرة يفتح فيها باب الوعي، يظهر يوسف.
رآه سعيد واقفًا عند البحر.
لا خوذة.
لا سلاح.
لا ساتر.
لا دم.
فقط يوسف الذي عرفه قبل الحرب.
ابتسم يوسف.
ــ إنت عايش؟
نظر سعيد إليه بدهشة.
ــ إنت اللي بتسأل؟
ضحك يوسف.
ــ قالوا إنك مت.
ــ وأنا شفتك.
ــ وأنا شايفك.
ــ لازم نرجع
نظر يوسف إلى البحر.
ــ إنت رجعت.
ــ لأ، لسه.
ــ إنت دلوقتي في الطريق.
ــ طريق إيه؟
ــ طريق طويل.
سكت سعيد لحظة.
ثم قال:
ــ هتستنى؟
التفت يوسف إليه.
ــ أنا مستني من زمان.
اقترب سعيد منه.
المسافة بينهما أخذت تتسع.....
مد يده.
لم يجد أحدًا.
فتح عينيه.
وجد أحد الممرضين واقفًا بجواره:
ــ يا فندم، تسمعني؟
حرك سعيد عينيه.
ــ إحنا هننقلك القاهرة.
حاول الكلام، فلم يخرج صوته.
وضع الممرض يده على كتفه.
ــ متقلقش، إنت لسه معانا.
وصلت الجملة إلى مكان عميق داخله.
لسه معانا....
تشبث بها دون أن يعرف من هم «نحن»، أو إلى أين ستأخذه الطريق.
في صباح اليوم التالي، نُقل سعيد إلى مستشفى القوات الجوية بالقاهرة.
اهتزت السيارة مع الطريق، وكل اهتزاز كان يوقظ الألم في رأسه وجانبه وذراعه
ظل الممرض يراقب علاماته الحيوية.
أحد أفراد الطاقم:
ــ حالته مستقرة؟
ــ نسبيًا.
ــ يعني إيه؟
ــ لسه بنحاول.
ساد الصمت.
ثم قال الرجل:
ــ هو كان أُعلن شهيد؟
نظر الممرض إلى سعيد.
ــ أيوه.
لم يعلق أحد.
رجل أُعلن شهيدًا.
غُسل.
كُفن.
أقيمت عليه صلاة الجنازة.
ثم عاد إلى الحياةّ
لم يعرف أحد كيف يصف ما حدث
هل نجا سعيد من الموت؟
أم أن الموت لم يتمكن من إتمام مهمته؟
لا إجابة.
وسعيد نفسه أبعد الناس عن معرفتها.
عندما وصل إلى القاهرة، كان فريق طبي في انتظاره.
نُقل إلى غرفة الفحص.
تتابعت الأشعة والتحاليل والضمادات والأسئلة.
لكن جسده وحده كان يملك الإجابات.
إصابة في الرأس من الخلف.
شظايا في الجانب الأيسر.
إصابة في القدم اليسرى.
وإصابة شديدة في الذراع اليسرى.
توقف الأطباء طويلًا عند الذراع.
الإصابة بالغة، والعظم تعرض لضرر كبير.
دخل العقيد الطبيب محمد أحمد رامي، وقرأ التقارير بعناية، ثم نظر إلى الأشعة.
أحد الأطباء:
ــ الإصابة شديدة جدًا، والعظم متفتت، الحالة محتاجة بتر من الكوع.
رفع الطبيب رامي رأسه.
ــ متأكد؟
ــ فرص الحفاظ عليها ضعيفة جدًا.
ــ ومفيش حل تاني؟
ــ صعب.
اقترب الطبيب من سعيد.
لم يستعد وعيه كاملًا بعد، لكن كلمة واحدة وصلت إليه.
بتر.
فتح عينيه.
ــ بتر؟
نظر الطبيب إليه:
ــ لسه ما قررناش.
ــ إيدي؟
ــ هنشوف حالتها.
ــ ما تقطعهاش.
ــ لازم ندرس الإصابة الأول.
حاول سعيد رفع رأسه.
ــ ما تقطعهاش.
اقترب الطبيب.
ــ ليه؟
نظر سعيد إلى ذراعه.
قال:
ــ دي الإيد اللي....
توقف....
عاد يوسف إلى ذاكرة سعيد.
رآه فوق كتفه.
رأى الدم.
رأى السلاح.
ورأى نفسه يحمل صديقه بهذه اليد.
قال الطبيب:
ــ إيدك عملت إيه؟
نظر إليه سعيد.
ــ حملت السلاح.
ــ حملت صاحبي.
لم يتعامل الطبيب مع الجملة بوصفها كلام رجل يهذي.
عاد إلى الأشعة، ثم إلى الذراع.
قال:
ــ هنحاول نحافظ عليها.
اعترض أحد الأطباء.
ــ لكن يا دكتور....
رفع الطبيب رامي يده.
ــ هنحاول الأول، لو فيه فرصة، مش هنضيعها.
ثم التفت إلى الفريق:
ــ جهزوا العملية.
أغمض سعيد عينيه.
لم يعد قادرًا على مقاومة النوم.
لكن للمرة الأولى منذ إصابته، شعر أن هناك من فهم لماذا يتمسك بهذه الذراع
لم تكن مجرد ذراع.
كانت اليد التي حملت السلاح.
واليد التي حملت يوسف.
دخل سعيد غرفة العمليات.
ضوء قوي.
أصوات متداخلة.
وجوه تتحرك حوله.
وقبل أن يغيب تمامًا، عاد إليه البحر.
المساء هادئ.
الموج يتحرك ببطء.
والسماء تحمل آخر ضوء النهار.
وقف يوسف بعيدًا.
مشى سعيد نحوه.
ــ ما تنسانيش.
ــ مستحيل.
ابتسم يوسف.
ــ يبقى ارجع.
ــ هرجع.
ــ ولما ترجع، احكي.
ــ أحكي لمين؟
نظر يوسف إلى البحر.
ــ اللي ما يعرفوش.
ظل سعيد واقفًا.
ــ وإنت؟
لم يجب يوسف.
ابتعد.
ــ يوسف....
التفت.
ــ إيه؟
ــ استناني.
ابتسم.
ــ أنا مش محتاج أستناك.
ــ ليه؟
ــ عشان هتلاقي الطريق.
ثم اختفى.
فتح سعيد عينيه للحظة.
ضوء غرفة العمليات فوقه.
وصوت بعيد يقول:
ــ شد حيلك يا نقيب.
لم يعرف من قالها.
أغمض عينيه من جديد.
وبقي آخر ما علق في ذهنه.
يوسف لم ينتهِ ما دام هناك من يتذكره.
وهو نفسه لم يعد من الموت لكي يعيش فقط.
لقد عاد ليحمل حكاية رجل لم يستطع العودة.
لكن قبل أن يبدأ الحكي، كان عليه أن يتعلم كيف يعيش.
وهكذا بدأت لسعيد حياة أخرى، حياة لم يخطط لها، ولم يطلبها، لكنها انتظرته بعد الموت.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نهاية الفصل الخامس.

التعليقات
أضف تعليقك