"غزة" تحت مقصلة «التجهيز للتهجير».. كيف حولت إسرائيل القطاع إلى بقعة مستحيلة العيش؟
عرقلة الإعمار وتوسع السيطرة العسكرية يفرضان واقعاً كارثياً.. وتقارير إسرائيلية تكشف كواليس المشهد الميداني ورسائل "اليوم الألف" للحرب
في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم نحو مسارات التهدئة والترتيبات السياسية، يتكشف تدريجياً البعد الاستراتيجي الأعمق للدمار الشامل الذي لحق بقطاع غزة. فما يبدو للوهلة الأولى تداعيات عسكرية بحتة للمواجهات الممتدة، تؤكد التقارير والدراسات الاستراتيجية العميقة أنه يمثل "سياسة ممنهجة" تهدف في جوهرها إلى محو مقومات الحياة الأساسية وتحويل غزة إلى بقعة غير صالحة للسكن.
وفي هذا السياق، سلط تقرير حديث لمجلة "فورين أفيرز" (Foreign Affairs) الأمريكية الضوء على خطورة المخططات الإسرائيلية التي تستهدف البنية التحتية والخدمية في القطاع، كأداة ضغط قصوى لفرض تهجير قسري تدريجي على الفلسطينيين.
يتقاطع ذلك مع ما كشفت عنه صحيفة "إسرائيل اليوم" العبرية في قراءة ميدانية لواقع غزة بعد مرور أكثر من ألف يوم على الحرب، مشيرة إلى حجم الدمار الذي غير جغرافية القطاع بالكامل وضغط على مختلف القوى العسكرية والسياسية فيه.
سياسة "ج جعل القطاع غير صالح للحياة": استراتيجية الموت البطيء
أشار تقرير مجلة "فورين أفيرز" إلى أن العمليات العسكرية الإسرائيلية لم تكتفِ باستهداف المنشآت العسكرية، بل طالت بشكل ممنهج شبكات المياه، الصرف الصحي، المستشفيات، والمخابز، مما أسفر عن جعل النسبة الأكبر من مساحة القطاع عاجزة عن تلبية الحد الأدنى من متطلبات البقاء البشري.
ويعيش مئات الآلاف من النازحين في خيام ومساكن مؤقتة تفتقر لأبسط مقومات الحماية، مع استمرار تقييد دخول مواد الإعمار والإنشاءات الأساسية، وهو ما يضع غزة أمام حالة مفروضة من العيش في ركام دائم يسعى لدفع السكان للبحث عن مخرج خارج حدود القطاع.
المشهد الميداني من العبرية: "بعد ألف يوم.. لم يبقَ شيء"
على الجانب الآخر، رصد تقرير صادر عن صحيفة "إسرائيل اليوم" العبرية تحولات التدمير الميداني على مدى أطوار الحرب؛ إذ وصف كيف تحولت مناطق واسعة مثل مخيم جباليا المكتظ من مدينة سليمة نسبياً إلى بيئة غارقة في الدمار تشبه "سطح القمر"، حيث تجوب الجرافات والقطع الهندسية للبحث عن الأنفاق وتجريف كل ما يعترض طريقها.
وفقاً للصحيفة الإسرائيلية:
مسح جغرافي واسع:
تخضع ما يقارب ثلثي مساحة القطاع لسيطرة إسرائيلية ميدانية صارمة، حيث مُحيت مدينة رفح وشبكاتها تقريباً، إلى جانب أجزاء واسعة من خان يونس ومدينة غزة.
استهداف الأنفاق وطرق الإمداد:
تزعم التقديرات العسكرية الإسرائيلية تدمير نسبة كبرى من الأنفاق ومصادرة شبكات التهريب عبر الحدود، ما فرض حصاراً مشدداً على أجهزة وأذرع إدارة القطاع ميدانياً وعسكرياً.
و رغم الشائعات والتقارير عن محاولات إعادة التسلح، تؤكد التقديرات الإسرائيلية حظر دخول المواد الأساسية، مشيرة إلى أن حماس تواجه معضلة في إعادة بناء القدرات وتعتمد على تدريبات سرية في ظل عزلة إقليمية وميدانية شديدة.
نزع السلاح ومقترحات "اللجنة التكنوقراطية"
وفي تطور يرتبط بترتيبات "اليوم التالي"، كشفت المصادر العبرية عن كواليس النقاشات السياسية المتعلقة بالصيغ المرفوعة للتهدئة؛ حيث جرى تداول موافقة مبدئية على تسليم الأسلحة الثقيلة وخرائط المنشآت إلى "جنة تكنوقراطية" إدارة مستقلة، وليس للمؤسسة الإسرائيلية مباشرة.
وتتضمن هذه الترتيبات المقترحة:
نشر قوة متعددة الجنسيات:
لتتولى مهمة التوسط وجمع السلاح الثقيل والتأكد من إخلاء المقار الميدانية.
ارتباط الانسحاب بنزع السلاح:
تشترط إسرائيل عدم الانسحاب الميداني الكامل إلا بعد إنهاء مظاهر السلاح الثقيل وتفكيك بنية الميليشيات المسلحة.
فحص أمني للكوادر:
إخضاع عناصر الشرطة والأجهزة الأمنية القديمة لفحص أمني، مع استبعاد من لا يجتاز المعايير المحددة، وتسليم السلطة التنفيذية للجنة المستقلة.
عقدة الأسلحة الخفيفة:
يلفت الخبراء إلى أن الاتفاقيات المتداولة لا تتطرق بشكل مباشر لمصير الأسلحة الخفيفة والنزاعات الفردية المنتشرة بكثرة، مما يبقي بؤر التوتر الفردي قائمة.
"العدو الأشد قسوة".. تحذيرات أمنية من الاستهانة
ورغم مؤشرات الدمار والتراجع الميداني، ينقل التقرير العبري عن ضابط رفيع في الجيش الإسرائيلي تحذيراً شديد اللهجة للقيادة السياسية والعسكرية قائلاً: "لا تنخدعوا، فمن بين جميع الأعداء الذين واجهناهم، هم الأشد قسوة وكراهية والأكثر افتقاراً للقيود".
تعكس هذه التصريحات قناعة داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بأن استراتيجية "التدمير الكامل" والضغط الديموغرافي الإنساني -رغم قسوتها وتسببها في أزمة إنسانية غير مسبوقة- لا تلغي بالضرورة مخاطر المواجهة الميدانية، مما يدفع الاحتلال لمواصلة تجريف البنية المدنية لضمان عدم عودة الحياة إلى طبيعتها.
مستقبل معلق بين التهجير ورفض الاستسلام
إن الإمعان في تحويل غزة إلى بيئة طاردة للعيش وتعطيل مسارات الإعمار والخدمات يتجاوز دائرة الضرورات العسكرية إلى هندسة مستقبل ديموغرافي جديد للقطاع. وبين تحذيرات التقارير الدولية من "التهجير الممنهج" والاعترافات الإسرائيلية بحجم الدمار الهائل، يبقى المواطن الفلسطيني في غزة متمسكاً بأرضه في مواجهة إحدى أعتى أزمات الإبادة والتفريغ السكاني في التاريخ الحديث.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك