من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

​فلسفة الفراغ والمسطرة: هل نعيد قراءة "ما قبل الصفر"؟

القاهرة : خالد شحاتة
​فلسفة الفراغ والمسطرة: هل نعيد قراءة



​قبل أن يبدأ العد، وقبل أن تستقيم الأرقام على حافة المسطرة الخشبية أو البلاستيكية، يوجد دائماً فراغ صغير يبدو بلا معنى للوهلة الأولى. تمر عليه العين بسرعة، ولا يلتفت إليه الطفل غالباً، بينما يتخلى الأستاذ عن شرحه والمصنع عن إبرازه. لكن هل هو حقاً مجرد مساحة مهملة أم أنه يحمل في طياته "سلطة البدايات"؟  

​الفراغ الذي يسبق القياس: منطقة مبهمة أم خطأ في التصميم؟

​يبدو ذلك الفراغ أخطر من الأرقام نفسها، ربما لأنه يسبق القياس والمنطقة التي لا تُحتسب. إنه المجال الذي يُقرر أين يبدأ العد وأين تنتهي الفوضى؛ فالصفر لا يبدأ من نفسه، بل يحتاج إلى سلطة تمنحه حق البداية.  

​وليس ذلك الفراغ الصغير خطأً في تصميم المسطرة، بل هو اعتراف خفي بأن كل نظام يحتاج إلى منطقة مبهمة يُختبأ فيها، وهناك دائماً شيء لا يريد العالم أن يقيسه بدقة لأن الدقة تفضح كثيراً من الأكاذيب.  

​توقيع الصانع وفلسفة توزيع البدايات

​إن الفراغ قبل الصفر يمثل توقيع الصانع؛ فالذي صنع المسطرة لم يضع الصفر عند الحافة تماماً، بل ترك قبله هامشاً صغيراً كأنه يهمس لنا بأن الصفر لا يبدأ من نفسه، وهو بحاجة إلى إذن خفي وعتبة صغيرة وإلى سلطة صامتة تقول للناس: من هنا تبدأ. فمن يملك المسطرة لا يملك الأرقام فحسب، بل يملك ما هو أخطُر من ذلك وهو تحديد نقطة البداية.  

​لذلك، فإن الفراغ قبل الصفر ليس مجرد مساحة صغيرة، بل هو فلسفة في توزيع البدايات؛ لعبة صامتة تدور لا تظهر للناس، حيث يتم منح الأفضلية لمن لا يحتاجها، وسلب البداية ممن يحتاج إليها.  

​الفراغ كمرآة للمجتمع: حين يصبح الإنسان "صفراً"

​يتجاوز هذا الرمز الهندسي حدود الأداة المكتبية ليلامس واقعنا الاجتماعي؛ فنحن نعلم أن الصفر نفسه كاختراع عبقري أنقذ الرياضيات والفكر الإنساني، لكنه تحول في الواقع الاجتماعي إلى تُهمة حين يُقال عن شخص إنه "صفر"، فنحن لا نصف رقماً وإنما نصدر حكماً بالإلغاء.  

​وفي مجتمع يخاف حديث الفشل ويخشى أن يبدو بدون قيمة قابلة للقياس، صار الجميع يركضون بجنون لكي يثبتوا أنهم تجاوزوا الصفر ولو بمليمتر واحد. يقيس الإنسان قيمته بالمال، والشهادات، وبالإعجابات، وبالوظيفة، وبالعلاقات، ثم يقف مرعوباً أمام أي لحظة يشعر فيها أنه عاد إلى ما قبل الصفر.  

​خاتمة:

تبقى المسطرة أحياناً أشبه بخطاب سياسي طويل؛ مليئة بالأرقام، لكنها ناقصة في الحقيقة، تطرح التساؤلات الكبرى: لماذا يوجد فراغ قبل الصفر؟ ومن يملك السلطة ليقرر من يستحق أن يبدأ، ومن يجب أن يبقى غارقاً إلى الأبد خارج القياس؟

#نقاش_دوت_نت 

  

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11553
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.