صفر نقطة حين تُصبح اللغة فلسفةً
لا تنتمي مجموعة "صفر نقطة" للقاصة فاطمة عبد الله( دار الراصد للنشر والترجمة والتوزيع بالقاهرة ـ 2026) إلى نمط الكتابة التي تُقرأ مرةً واحدة ثم تُغلق. إنها نصوص تحتاج إلى تأمل عميق وقراءة تفكيكية.
تجعل كل قارئ بمستويات وعيه المتنوعة قادر على أن يستخرج دلالات مختلفة كل مرة؛ مما يشير إلى عمق النصوص وقابليتها للقراءة وطبقات المعنى.
وما يجعل هذا العمل استثنائياً ليس الموضوعات التي يتناولها، بل الطريقة التي يتناولها بها. فاطمة عبد الله تكتب بعقل فيلسوفة وروح شاعرة وعين ساخرة لا تُفلت تناقضات الواقع الإنساني.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذه المجموعة هو الطريقة التي يعمل بها العنوان مَعماراً فكرياً لا مجرد لافتة. "صفر نقطة" مُركّب من قطبين دلاليين يُشكّلان معاً القوسَ الكامل للتجربة الإنسانية: من الخواء إلى الامتلاء، من التشتت إلى التمركز، من حيرة العقل إلى يقين القلب.
القصة الافتتاحية "صفر" تضع القارئ أمام صورة اقتصاد الذاكرة الإنسانية في أشد حالاتها كشفاً: أصفار في كل مكان، في الحقيبة والدرج والمعطف والحساب المصرفي، كلها تنتظر الواحد الذي سيمنحها قيمة. هذه الصورة الرياضية البسيطة في ظاهرها تحمل في باطنها فلسفة وجودية كاملة: الإنسان المعاصر يملك كل الأدوات والقشرة الشكلية للحياة، لكنه يفتقد المبدأ المُحرِّك، ذلك "الواحد" الذي يأتي من خارج منظومة المادة.
في المقابل تأتي قصة "نقطة" ختاماً للمجموعة لتُغلق القوس السردي والفلسفي، لكنها لا تُقدّم إجابة جاهزة بل تفتح بصيرة: "ال إله إال الله" ليست إعلاناً دينياً مجرّداً بقدر ما هي اكتشاف محبوب أول، وانتقال من الجمال إلى الخير إلى الحب بوصفه غاية الرحلة.
هذا التوازي بين الافتتاح والختام يكشف عن وعي بنائي عالٍ: الكاتبة تعرف أين تبدأ وأين تنتهي، وتجعل الطريق بين البداية والنهاية هو النص نفسه.

ولعل لخصيصة الأبرز في أسلوب فاطمة عبد الله هي ما يمكن تسميته "العبث الهادف"، حيث تكتب سردا يراهن على يستخدم التناقض والمفارقة والمسرح اللامعقول ليقول ما لا تستطيع اللغة المباشرة قوله دون أن يُقلَّل من تأثيره.
في قصة "سوء تقدير" تُقدَّم فكرة العالِم الذي اخترع نظرية للقضاء على الطائفية، ويُكلَّل جهده بالنجاح، ثم يكتشف عند صناديق القمامة أن التوحيد القسري لم يُلغِ غرائز التنافس البشرية بل نقلها فحسب من الهوية إلى الاستهلاك. الناس باتوا يتقاتلون على أفخاذ الدجاج. هذه المفارقة ليست نكتة بل تحليل سياسي حاد: المشاريع الأيديولوجية الكبرى للتوحيد القسري تفشل لأنها تُشخّص أعراض الصراع لا جذوره.
في نص "سقراط يدفع الثمن مجدداً" يتوقف رجال الأمن جنازةً في مقبرة لتطبيق حكم قضائي بجلد مئة جلدة على ميت. الشرطي يُصر: "القانون يجب أن يأخذ مجراه." هنا لا يسخر النص من الشرطي الجاهل فحسب، بل من المنظومة القانونية التي تُقدّس النص الإجرائي وتُميت العقل والحرمة الإنسانية في آن. واختيار اسم "سقراط" دلالة توسيعية: رمز الفلسفة والعقل يُسقط أمام صلف السلطة الشكلية في كل عصر.
وفي نص "كيان" الموظف الذي يُقرر سداد قسطه الشهري فيكتشف أن حسابه أُغلق ودينه سُرق، يُصرح بالجوهر: "لا شيء أُناضل به في الحياة... أرغب في استرداد كياني"، حيث العبودية الحديثة لا تحتاج إلى قيود من حديد؛ قسط القرض الشهري كافٍ لصنع معنى الوجود وتحديد هوية الإنسان.
ما يُميّز هذه النصوص هو أنها لا تُرشدنا ولا تُنظّر ولا تُحك، بل تضع الصورة أمامك بكل عبثيتها وتتركك مع سؤالك.
القسم الأجرأ في المجموعة هو ذلك المتعلق بالجسد الأنثوي وإعادة رسم حدود التضحية. في "مجهول الجندية" تستهل القاصة بلغة عسكرية ذكورية مألوفة، الجندي المجهول، الميدان، الغنائم، القوات الخاصة ، تُخيّل القارئ في معركة حربية، ثم في لحظة واحدة ينقشع الضباب ليكشف عن امرأة تتمرد على حالها.
هذا النص ليس مجرد تصحيح لغوي لمفهوم "الجندي المجهول"؛ إنه تفكيك كامل للتراتبية التي تُضفي القداسة على شكل من التضحية وتُنكر شكلاً آخر. الشهيد "يسترد" حياته في الملكوت، بينما المرأة التي تُقدّم جسدها وكرامتها يومياً "في الآخرة لا تسترد ما ضحّت به." المقايسة هنا جريئة وحادة، وتُثير سؤالاً مشروعاً حول الأطر الاجتماعية والدينية التي تُحدد من يُكرَّم ومن يُهمَّش.
قصة "روح" تأخذ الأسلوب الفلسفي إلى مكان مختلف: كيان بلا شكل ولا جنس يطلب من نحات أن يصنع له تمثالاً من الطين يحتوي ثلاثة أعضاء فقط: الدماغ والقلب والعضو التناسلي. ثم يُلفّ التمثال بقماش أبيض ويُقام عليه طقس صلاة الجنازة. هذا التجريد الشعري للكيان الإنساني، اختزاله في ثلاثة محركات أساسية ثم إقامة حداد على هذا الجسد الحبيس، لحظة فلسفية حقيقية تطرح سؤال ما الإنسان قبل كل التراكمات الاجتماعية والهويات المُركَّبة.
وتأتي قصة "تاج محل" كواحدة من أجمل قصص المجموعة لأنها تُعيد رسم علاقة الإنسان بالموت دون رهبة ولا ابتذال. الساردة تزور مقبرة الشهداء في الدار البيضاء لأول مرة فتجد: "لم أرَ مقبرة ولكنني رأيت مدينة كاملة مقسمة إلى سكك وحارات." المقبرة مجتمع تقرأ فيه الغنى والفقر وبرّ الأبناء وعقوقهم. الفضاء الذي صُمّم لنسيان الحياة تجلّت فيه الحياة أكثر عُرياً وصدقاً.
ثم تنتقل قناعتها من الرغبة في قبر مجهول يندثر في التراب، شكل من العدمية المتأنقة ، إلى أمنية أن تُدفن في "صرح معماري سياحي مثل تاج محل على أن يذهب ريعه بالكامل لإطعام الفقراء والمساكين." هذا التحول، الذي نبع من حديث عابر مع سائق تاكسي هندي، يقول شيئاً عميقاً: الحكمة لا تأتي دائماً من الكتب والفلاسفة، بل قد تأتي من رجل بسيط لم يجمع من أربعين عاماً من الغربة غير الرضا والأمل بالبقاء في ضريح يُطعم ألفين من الفقراء.
وفي "المدينة العادلة" نلتقي بأبي ناجي الحارس الذي يقضي أوقاته في المقبرة يُنظّف ويرش ويقرأ الأخبار على مسامع الموتى. زوجته تُعاتبه: "الروح في البرزخ ليست في مقبرتك، أنت تخدم عظاماً متهشمة." ويعود بعد يومين ليجد الزوجة قد فارقت الحي.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك