من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الوعي بالاستحقاق.. متى يتحول "الحق المشروع" إلى أنانية؟

د . عزة البنداري
الوعي بالاستحقاق.. متى يتحول



بين تقدير الذات ومراعاة الآخر.. أين ينتهي الوعي بالحقوق، وتبدأ ازدواجية المعايير؟

«أنا أستحق الأفضل».. «أنا أستحق التقدير والاهتمام».. «مش مضطرة أقبل بعلاقة لا تناسبني».

عبارات تعبّر عن وعي الإنسان بقيمته وحقه في حياة كريمة، لكنها تطرح سؤالًا مهمًا: هل يكفي أن نعرف ما نستحقه من الآخرين، أم أن الوعي الحقيقي يتطلب أيضًا أن نفهم حقوقهم واحتياجاتهم؟

لا شك أن وعي المرأة بحقوقها خطوة مهمة نحو علاقات أكثر عدلًا، ترفض الإهانة والاستغلال والتضحية التي تُفرض عليها باعتبارها واجبًا دائمًا. ومن حقها أن تبحث عن شريك يحترمها، ويشاركها المسؤولية، ويمنحها الشعور بالأمان والتقدير.

لكن الإشكالية لا تكمن في مفهوم الاستحقاق نفسه، بل في الطريقة التي قد يُستخدم بها أحيانًا؛ حين تتحول المطالبة بالحقوق إلى توقعات غير مرنة، أو يصبح تقدير الذات مبررًا لرفض أي مسؤولية متبادلة.

حين تختل موازين العلاقة، قد تطالب المرأة شريكها بتحمل المسؤوليات المادية، والمعنوية،

 والعاطفية، وهو مطلب مشروع في إطار اتفاقهما، لكن الخلل يبدأ عندما يُتوقع منه تلبية جميع الاحتياجات وحده، دون اعتبار لظروفه أو إمكاناته، أو حين يُقاس نجاحه في العلاقة بقدرته المستمرة على العطاء.

وفي المقابل، قد يتحمل الرجل مسؤوليات كثيرة، لكنه يستخدم ذلك مبررًا لإهمال احتياجات شريكته أو التقليل من مطالبها. وفي الحالتين، تصبح العلاقة غير متوازنة؛ لأن أحد الطرفين يضع احتياجاته في المقدمة، بينما تتراجع احتياجات الآخر.

ولا يعني ذلك أن الحقوق متطابقة دائمًا أو أن المسؤوليات يجب أن تُقسَّم حسابيًا بالتساوي، بل إن العدالة تقتضي مراعاة الاتفاقات والإمكانات والظروف، مع ضمان ألا يتحول أحد الطرفين إلى مصدر دائم للعطاء، أو يُطلب منه التنازل المستمر عن احتياجاته.

المشكلة ليست في أن يطلب أحد الطرفين المزيد، بل في أن يعتبر احتياجاته وحدها جديرة بالاهتمام.

الاستحقاق لا يلغي المسؤولية

من حق المرأة أن تطمح إلى حياة أفضل، ومن حق الرجل أيضًا أن يشعر بالتقدير وألا تُختزل قيمته في قدرته على الإنفاق أو تلبية المطالب.

ومن حق كل طرف أن يطلب الاهتمام والاحتواء، لكن من المهم أن يدرك أن شريكه قد يمر بظروف تحد من قدرته على العطاء. كما أن الاعتذار والاعتراف بالخطأ ليسا انتقاصًا من الكرامة، بل دليل على النضج والاستعداد للحفاظ على العلاقة.

فالاستحقاق الصحي لا يعني الحصول على كل ما نريده، وإنما معرفة ما نحتاج إليه، والتعبير عنه بوضوح، والتمييز بين الحقوق الأساسية والتوقعات الشخصية التي تحتاج إلى تفاهم واتفاق.

ومن هنا، لا يصح وصف كل امرأة تطالب بحياة كريمة بأنها أنانية، كما لا يصح اعتبار كل رجل يعجز عن تلبية مطلب ما مقصرًا. فهناك فرق بين التقصير المتعمد، والعجز الحقيقي، واختلاف التوقعات الذي يحتاج إلى حوار.

الوعي الحقيقي يبدأ من الطرفين

لقد أسهم الوعي بالحقوق في مساعدة كثير من النساء على رفض العلاقات المؤذية، كما أصبح من الضروري الاعتراف بأن الرجال أيضًا قد يتعرضون لضغوط وتوقعات غير عادلة داخل العلاقات.

لكن الهدف ليس المقارنة بين الرجل والمرأة، ولا البحث عن الطرف الأكثر ظلمًا، بل مراجعة الأفكار التي تجعل أحدهما مركز العلاقة، والآخر مسؤولًا عن إرضائه باستمرار.

العلاقة الصحية لا تقوم على أن يتنازل أحد الطرفين عن حقوقه لإرضاء الآخر، ولا على أن يحصل كل طرف على كل ما يريد، بل على الاحترام المتبادل، والمرونة، وتحمل المسؤولية، والقدرة على التفاوض دون إهانة أو ابتزاز عاطفي.

فالوعي الحقيقي ليس أن أقول «أنا أستحق» فقط، بل أن أعرف ما أستحقه، وأحترم في الوقت نفسه حق الآخر في الكرامة والراحة والتقدير.

وفي النهاية، يظل السؤال الأهم: كيف نحافظ على حق الإنسان في تقدير ذاته، دون أن يتحول هذا التقدير إلى مبرر لتجاهل احتياجات شريكه؟ وكيف نبني علاقة لا يُظلم فيها طرف باسم حقوق الطرف الآخر؟

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11565
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.