من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الفصل السادس: الرجل الذي عاد

عادل التوني
الفصل السادس: الرجل الذي عاد


حين فتح سعيد عينيه، لم يعرف أين هو

الضوء قوي فوق رأسه، والهواء بارد، وصوت الأجهزة يأتي من مكان قريب ثم يبتعد.

حاول تحريك يده، فشعر بثقل في ذراعه اليسرى۔ رفع رأسه قليلًا، فداهمه صداع حاد أعاده إلى الوسادة.  

أغمض عينيه من جديد، وبقي ساكنًا.

ثم سمع صوتًا قريبًا:

ــ متتحركش يا نقيب.

فتح عينيه ببطء۔ وجد ممرضًا واقفًا إلى جواره، ينظر إليه باهتمام.

حدّق سعيد في وجهه لحظات، كأنه يحاول أن يتذكره.

ــ أنا فين؟

ــ في المستشفى.

ظل صامتًا لحظة، ثم سأل:

ــ القاهرة؟

ــ أيوه.

توقفت عيناه عند سقف الغرفة.

القاهرة!

كلمة واحدة، لكنها حملت إليه معنى كاملًا.

لقد نجا من الطريق.

لكن من ماذا نجا؟

ومن تركه خلفه؟

حاول أن يستعيد ما حدث۔ لم تأته الذكريات دفعة واحدة، بل جاءت متقطعة، مثل صور سريعة لا تستقر في مكانها.

الموقع.

القصف.

يوسف.

السيارة.

الانفجار.

وجه الطبيب.

الغرفة البيضاء.

ثم البحر....

توقف عند البحر.

فتح عينيه ونظر إلى الممرض.

ــ يوسف؟

لم يُجب الممرض فورًا.

عاد سعيد يسأل:

ــ يوسف الجنزوري؟

وضع الممرض يده على طرف السرير.

ــ ارتاح الأول.

ــ أنا بسألك عن يوسف.

ــ عارف يافندم.

ــ عارف إيه؟

سكت الممرض.

وفي صمته فهم سعيد أكثر مما كان يريد أن يفهم.

أدار وجهه ناحية النافذة۔ في الخارج، النهار هادئ بصورة غريبة۔ الشمس موجودة، والسماء صافية، والناس يتحركون خلف الزجاج كأن العالم لم يحدث فيه شيء

غريب أن يكون النهار هادئًا، بينما كل هذا الضجيج يعصف داخله.

قال بصوت خافت:

ــ مات؟

اقترب الممرض قليلًا.

ــ استشهد، ربنا يرحمه.

أغمض سعيد عينيه.

لم يبكِ.

ربما لأن الدموع سبقت الخبر إلى مكان آخر داخله۔ وربما لأن خبر موت يوسف، رغم أنه عرفه منذ اللحظة التي حملوه فيها، احتاج إلى وقت حتى يصل إلى قلبه.

ظل ساكنًا، ثم قال:

ــ أنا شوفته.

ــ في الحرب؟

ــ قبل ما يموت.

سكت لحظة، ثم أضاف:

ــ وبعدها كمان.

نظر إليه الممرض باستغراب.

ــ في الحلم؟

هز سعيد رأسه ببطء.

ــ مش عارف.

لم يزد الممرض في السؤال۔ فهم أن الصمت، في تلك اللحظة، أرحم من أي إجابة.

 

مرت الأيام التالية ببطء.

لم يعد الموت هو الخطر الوحيد۔ صار على سعيد أن يتعلم كيف يعيش بجسد لم يعد كما كان.

رأسه تؤلمه۔ قدمه لا تساعده على الحركة بسهولة، وجانبه يؤلمه مع كل نفس عميق۔ أما ذراعه اليسرى، فكانت حكاية وحدها.

لم يستطع النظر إليها طويلًا.

الضمادات تغطيها وتثبتها بعناية، ولا يعرف ماذا سيبقى منها حين تُزال.

كل صباح، يفحصها الطبيب، وفي كل مرة يسأل سعيد السؤال نفسه:

ــ هتفضل؟

فيجيبه الطبيب:

ــ بنحاول.

كانت تزعجه كلمة (بنحاول).

يريد إجابة واضحة.

نعم، أو، لا.


شيئًا بدأ يتغير داخله۔ فهم أن بعض الأشياء لا تملك إجابة واضحة، وأن الحرب لا تنتهي عندما تتوقف الرصاصات۔ أحيانًا تبدأ بعدها معركة أخرى، أكثر هدوءًا، لكنها أطول.

في أحد الأيام، دخل الطبيب محمد أحمد رامي۔ فحص الذراع، ثم راجع الأشعة بعناية

ــ الاستجابة كويسة.

نظر سعيد إليه.

ــ يعني إيه؟

ــ يعني إننا لسه عندنا أمل نحافظ عليها.

ظل سعيد صامتًا لحظة، ثم سأل:

ــ هقدر أحركها؟

ــ واحدة واحدة.

ــ وأرجع أستخدمها؟

ابتسم الطبيب ابتسامة صغيرة.

ــ لو استعجلت، هتتعب نفسك.

ــ أنا مش مستعجل.

نظر الطبيب إليه طويلًا، ثم قال:

ــ إنت مستعجل ترجع لكل حاجة مرة واحدة.

لم يرد سعيد.

تابع الطبيب:

ــ يا سعيد، إنت راجع من الموت۔ جسمك محتاج وقت.

ــ وأنا عندي وقت.

ــ دي أول حاجة لازم تتعلمها.

رفع سعيد عينيه إلى السقف.

ــ ما كنتش متخيل إني هحتاج أتعلم الصبر وأنا في المستشفى.

ضحك الطبيب:  

ــ الحرب علمت ناس كتير حاجات ما كانوش عايزين يتعلموها.

ظهرت على وجه سعيد أول ابتسامة منذ استيقاظه.

ابتسامة صغيرة، لكنها حقيقية.

 

بعد أيام، استطاع سعيد أن يجلس.

لحظة بسيطة، لكنها بدت له كأنها انتصار.

ساعده الممرض على رفع ظهره.

ــ بالراحة.

ــ أنا كويس.

ــ كل مرة تقول (أنا كويس)، بعدها بدقيقة بتتعب.

ــ طب ما يمكن المرة دي أطلع كويس فعلًا.

ابتسم الممرض.

ــ جرّب.

جلس سعيد.

انتظر.

لم يحدث شيء.

لا انفجار.

لا ألم مفاجئ.

فقط غرفة بيضاء، وسرير، ونافذة يدخل منها ضوء النهار.

نظر إلى قدميه، ثم إلى يده اليمنى، ثم إلى ذراعه اليسرى.

قال:

ــ أنا كنت فاكر إن أول حاجة هعملها لما أرجع إني أشوف البحر.

قال الممرض:

ــ هتشوفه.

التفت إليه سعيد.

ــ إنت من إسكندرية؟

ــ لأ.

ابتسم سعيد.

ــ يبقى مش هتفهم فصدي.

ضحك الممرض.

ــ البحر بحر يا فندم.

هز سعيد رأسه.

ــ لأ۔ مش عندنا.

ثم سكت.

البحر بالنسبة إليه لم يكن مجرد مكان.

كان شاهدًا على طفولته، وعلى يوسف، وعلى الأيام التي لم تكن الحرب قد دخلت إليها بعد.

 

في اليوم التالي، دخل أحد الضباط إلى الغرفة، يحمل بعض الأوراق.

وقف إلى جوار السرير.

ــ النقيب سعيد محمد الصباغ؟

ــ أيوه.

ــ حمد لله على السلامة.

ــ الله يسلمك.

وضع الضابط الأوراق على الطاولة.

ــ في شوية إجراءات محتاجة مراجعة.

نظر سعيد إلى الأوراق:

ــ إيه دي؟

ــ أوراق خاصة بالحالة.

تردد الضابط قليلًا، ثم قال::

ــ وفي موضوع تاني.

رفع سعيد عينيه إليه:

ــ إيه؟

ــ اسمك كان اتسجل ضمن الشهداء.

ظل سعيد صامتًا.

أكمل الضابط:

ــ وبعد ما ظهر إنك حي، بدأت الإجراءات لتصحيح البيانات.

نظر سعيد إلى الأوراق من جديد.

ــ اسمي كان مكتوب شهيد؟

ــ أيوه.

ــ رقم كام؟

ــ ٤٤٤

ظهرت على وجه سعيد ابتسامة غريبة.

ــ حتى وأنا عايش، بقيت رقم.

ــ دي كانت إجراءات وقت الحرب.

ــ أنا عارف.


لم يكن غاضبًا من الضابط۔ كان يحاول فقط أن يفهم كيف يمكن للإنسان أن يتحول بهذه السرعة من اسم إلى رقم، ومن رجل ينتظر العلاج إلى جثمان ينتظر النقل.

الضابط:

ــ المهم إنك رجعت.

رفع سعيد عينيه إليه.

ــ رجعت؟

ــ أيوه.

ظل سعيد ينظر إليه.

الكلمة بسيطة، لكنها أثقل مما تبدو.

رجعت.

من أين؟

من الحرب؟

من الموت؟

من الطريق؟

أم من المكان الذي كان فيه قبل أن يصبح الشهيد رقم ٤٤٤؟

قال بهدوء:

ــ أنا لسه مش عارف رجعت لإيه.

لم يعرف الضابط ماذا يجيب۔ جمع أوراقه وقال:

ــ خليك في صحتك دلوقتي.

ــ حاضر.

خرج الضابط.

ظل سعيد وحده.

مد يده اليمنى إلى الأوراق، وقلبها ببطء۔ وجد اسمه۔ وجد الرقم۔ وجد ما يثبت أنه مات

ثم نظر إلى يده.

وضعها فوق الورقة، وقال لنفسه:

ــ أنا حي.

لكن يوسف ليس هنا.

 

لم يكن الأمر سهلًا على عائلة سعيد.

وصلهم خبر استشهاده، وفي زمن الحرب كانت أخبار الموت تصل أحيانًا قبل أن تصل التفاصيل.

عرفت أمه.

بكت.

ودعت له.

دخل الجيران إلى البيت، وترددت كلمات المواساة:

(الله يصبّرك يا أم أحمد) 

(إجمدي يا حاجة عزيزة، ربنا يقوّيكِ ويصبّركِ)

(ربنا يتقبّل شهيد مصر، ويرحمه ويغفر له، ويجعل مثواه الجنة)

أمه صابرة ومحتسبة ولاترد، فقط تدعو له.

لم تكن تعرف أن ابنها، في اللحظة نفسها، يرقد في مستشفى بالقاهرة

وحين وصل خبر نجاته، لم تصدق في البداية.

قال لها أحد الأقارب:

ــ سعيد عايش.

نظرت إليه كأنها لم تفهم الكلمة.

ــ بتقول إيه؟

ــ سعيد عايش ياحاجة أم أحمد.

ــ متأكد؟

ــ أيوه.

ــ شوفته؟

ــ لأ، بس اتأكدنا.

ــ اتأكدتوا إزاي؟

ــ من المستشفى.

ظلت ساكتة.

ثم قالت:

ــ مش عايزة أصدق غير لما أشوفه بعيني.

ــ هاتشوفي سعيد ياحاجة عزيزة.

 

في المستشفى، لم يكن سعيد يعرف كل ما يحدث في الخارج.

انشغل بجسده، وبذكرى يوسف، وبالسؤال الذي لم يتركه:

لماذا بقي هو؟


دخل الطبيب ذات مساء، فوجد سعيد جالسًا على السرير، يحاول تحريك أصابع يده اليسرى.

قال الطبيب:

ــ متتعبش نفسك.

ــ عايز أشوفها بتتحرك.

ــ هتتحرك.

ــ وعد؟

ابتسم الطبيب.

ــ أنا ما بوعدش في الطب.

ابتسم سعيد بدوره.

ــ إنتوا بتحبوا كلمة (هنحاول)

ضحك الطبيب:

ــ لأنها الحقيقة.

حرك سعيد إصبعه.

كانت الحركة بسيطة جدًا.

لكنها حدثت.

ظل ينظر إليها طويلًا.

قال:

ــ اتحركت.

ــ أيوه.

ــ شفت؟

ــ شايف.

ــ يبقى فيه أمل.

ــ الأمل موجود دائمًا.


كانت تلك الكلمة كافية له.

لأول مرة منذ أيام، شعر أن جسده لا يخونه بالكامل.

بعد فترة، استطاع سعيد أن (يصلب طوله).

ارتجفت قدماه۔ أمسك الممرض بذراعه اليمنى.

ــ بالراحة.

ــ سيبني.

ــ لو وقعت هتقول لي أنا السبب.

ــ مش هقع.

وقف.

ثوانٍ قليلة.

ثم جلس.

أرهقه الوقوف، لكن وجهه بدا مختلفًا.

قال:

ــ أنا كنت فاكر إن الوقوف حاجة عادية.

ــ هي عادية.

ــ لأ.

نظر إلى الممرض.

ــ مش بعد ما تبقى مش قادر تعملها.

هز الممرض رأسه.

ــ الواحد لازم يعرف قيمة الحاجات لما يفقدها.

نظر سعيد إلى يده اليسرى، ثم إلى قدميه، ثم إلى النافذة.

أراد الخروج.

أراد أن يرى السماء دون زجاج۔ أن يشعر بالهواء۔ أن يمشي.

أن يعود.

لكن العودة لم تكن سهلة كما تخيل.

 

بعد أسابيع، بدأت حالته تتحسن.

لم يعد يحتاج إلى البقاء في السرير طوال اليوم۔ صار يجلس وحده، ثم يقف، ثم يمشي خطوات قصيرة.

الألم موجود، لكنه أصبح جزءًا يمكن احتماله.

وفي إحدى المرات، وقف أمام مرآة في ركن غرفة المستشفى.

ظل ينظر إلى نفسه طويلًا.

وجه أنحف.

جرح واضح في الرأس.

ملامح متعبة.

عينان لم تعودا كما كانتا.

رفع يده اليمنى إلى وجهه، ومرر أصابعه على أثر الجرح، ثم نظر إلى ذراعه اليسرى

قال بصوت خافت:

ــ ده أنا؟ ده سعيد الصباغ؟

لم يكن السؤال عن شكله.

كان عن الرجل الذي أمامه.

هل هو سعيد نفسه؟

أم الرجل الذي عاد من مكان لا يعود منه أحد؟

 

عندما سمح له الأطباء بالخروج، كانت الإسكندرية أول ما فكر فيه.

لم يقلها لأحد، لكنها ظلت في رأسه منذ اليوم الأول:

البحر.

البيت.

أمه.

ثم يوسف.

عرف أن العودة إلى الإسكندرية لن تكون سهلة۔ المدينة التي سيعود إليها هي نفسها، لكنه لن يكون الرجل نفسه.


في صباح هادئ، خرج من المستشفى.

لم يمشِ كما كان۔ خطا بحذر، وتوقف لحظة أمام الباب، ثم رفع رأسه إلى السماء واستنشق الهواء.

قال:

ــ يا رب.

لم يقل أكثر.

كفاه أن يشعر أنه خرج من الجدران.


أمه تنتظره عند الباب.

رأته، توقفت في مكانها.

ظلت تنظر إليه طويلًا، كأن عينيها تحاولان أن تتأكدا مما تراه، وكأنها تخشى أن تمد يدها إليه فيختفي كما اختفى في الأيام التي ظنت فيها أنه مات.

اقترب سعيد منها ببطء.

لم تقل شيئًا.

دموع الأم منهمرة.

رفعت يدها إلى وجهه، لمست خده، ثم مررت أصابعها على شعره وجبهته، كأنها تتفقده جزءًا جزءًا، وتتأكد أنه ابنها فعلًا، وأنه أمامها، حيًا، وأنها لن تستيقظ بعد لحظات لتجد المكان فارغًا.

أمسكت وجهه بين كفيها.

وانهمرت دموعهما.

ــ إنت عايش يا سعيد؟

ابتسم لها، وانكسرت ابتسامته تحت دموعه.

ــ أيوه يا أمي.

جذبته إليها، واحتضنته بكل ما فيها من خوف وفرح ووجع.

دفنت وجهها في صدره، وبكت كما لم تبكِ من قبل.

ــ يا ابني... يا حبيبي... كنت فاكرة إني مش هشوفك تاني.

ضمها سعيد إليه، وأغمض عينيه.

وللمرة الأولى منذ عاد، شعر أنه عاد فعلًا.

لم يكن في حاجة إلى مستشفى، ولا إلى طبيب، ولا إلى ورقة تثبت أنه حي.

كان يحتاج فقط إلى حضن أمه.

بصوت خافت:

ــ وحشتيني

ابتعدت عنه قليلًا، وأمسكت وجهه من جديد.

ــ وحشتني؟! إنت عارف عملت فيا إيه؟

ابتسم سعيد وسط دموعه.

ــ سامحيني.

ــ أسامحك على إيه؟ هو إنت اللي اخترت تموت؟

ــ ما كنتش عايز أوجعك.

وضعت يدها على رأسه، وقالت بصوت مرتجف:

ــ وجعتني لما غبت، ووجعتني أكتر لما رجعت وأنت بالشكل ده:

ثم نظرت إلى ذراعه المصابة:

ــ إيدك وجعاك؟

ــ شوية.

نظرت إليه بعينين تعرفان كذب ابنها قبل أن ينطق.

ــ شوية؟

ابتسم.

ــ خالص، بقيت أحسن.

هزت رأسها، ومسحت دموعها بطرف ثوبها.

ــ إنت لسه زي ما إنت.

ــ يعني إيه؟

ــ من وإنت صغير، تتوجع وتسكت، وتقول لي مفيش حاجة.

ــ اتعلمت منك.

ــ لا، إنت من صغرك راجل.

ضحك ضحكة خافتة، فابتسمت هي أيضًا.

ثم أخذت يده السليمة بين يديها، وضغطت عليها طويلًا.

ــ المهم إنك رجعت.

نظر إليها سعيد.

ولم يجد ما يقوله.

جلست إلى جواره، وظلت ممسكة بيده.

وبقي الاثنان صامتين.

لم يكن الصمت هذه المرة فراغًا.

كان امتلاءً بكل ما لم تستطع الكلمات أن تقوله.

أمّ تستعيد ابنها.

ابن ، بعد أسابيع من الخوف والموت والغياب، يستعيد أمه.

وفي تلك اللحظة، لم يكن يحتاج إلى أكثر من أن يجلس إلى جوارها، ويده في يدها

فبعض العائدين لا يحتاجون إلى أن يُقال لهم: لقد عدت.

يكفي أن يجدوا أحضان أمهاتهم في انتظارهم.

 

في الأيام الأولى، لم يخرج سعيد كثيرًا.

جاء الناس إلى البيت.

جيران.

أصدقاء.

أقارب.

كل واحد يريد أن يراه.

بعضهم كان يحدق فيه طويلًا قبل أن يقول:

ــ الحمد لله إنك رجعت.

وكان سعيد يجيب.

ــ الحمد لله.

ثم يأتي السؤال الذي يتجنبه.

ــ ويوسف؟

تكرر السؤال....

في كل مرة، شعر بشيء ينقبض في صدره.

قال أحد الجيران ذات مرة:

ــ يوسف كان معاك، صح؟

ــ أيوه.

ــ عمل إيه؟

نظر سعيد إلى الرجل، ثم قال:

ــ استشهد.

ساد الصمت.

بعد لحظة، سأل الرجل:

ــ كان شجاع؟

قال سعيد:

ــ كان يوسف.

لم يفهم الرجل الإجابة كاملة، لكن سعيد لم يجد وصفًا أفضل.

لم يكن يريد أن يحول يوسف إلى بطل في جملة محفوظة.

يوسف كان أكثر من ذلك.

كان صاحبه.

الرجل الذي عرفه قبل أن يعرف معنى الحرب.

الرجل الذي جلس معه على البحر وتحدثا عن المستقبل.

ثم أصبح اسمًا في قائمة الشهداء.

 

في إحدى الليالي، خرج سعيد وحده

لأول مرة بعد العودة، يخرج بدون يوسف.

خطواته بطيئة.

وصل إلى مكان قريب من البحر، وجلس.

ظل ينظر إلى الموج.

لم يكن البحر كما تركه.

أو ربما هو الذي تغير.

ظل يسمع صوت يوسف في ذاكرته.:

(نروح البحر أول يوم) 

جملة قديمة، من أيام ما قبل الحرب.

ابتسم سعيد.

ــ أنا رجعت يا يوسف.

سكت قليلًا، ثم أضاف:

ــ بس إنت ما رجعتش.

تحركت موجة صغيرة واقتربت من الشاطئ.

ظل سعيد ينظر إليها.

لم يكن يريد أن يبكي.

لكنه بكى.

بهدوء.

من دون أن يمسح دموعه.

لأول مرة منذ عودته، سمح لنفسه أن يحزن على يوسف كما يريد، لا كما تفرض عليه الجبهة.

وحين انتهى، شعر بشيء تغير داخله.

لم يختفِ الألم.

لكنه أصبح أهدأ.

كأن يوسف لم يعد مجرد صورة في آخر لحظة من الحرب.

صار ذكرى كاملة.

إنسانًا عاش.

ضحك.

غضب.

حلم.

ثم مات.

عرف سعيد أن عليه ألا يسمح للموت أن يمحو ما قبل الموت.

 

في اليوم التالي، فتح سعيد خزانة ملابسه القديمة.

ظل يبحث بين الأشياء حتى وجد بعض الأوراق، ورسائل، وصورًا، ودفترًا صغيرًا

جلس على الأرض.

فتح الدفتر.

لم يعرف لماذا بدأ يكتب.

كتب اسمًا واحدًا:

يوسف الجنزوري.

ظل ينظر إليه.

ثم كتب تحته:

لم أنسه.

توقف.

أعاد قراءة الجملة.

كانت بسيطة، لكنه شعر أنها لا تكفي.

أضاف:

وسأحكي.

وضع القلم.

لم يعرف بعد لمن سيحكي.

ولا كيف.

ولا متى.

لكنه عرف شيئًا واحدًا:

أنه عاد.

وأن عودته لم تكن نهاية القصة.

هناك رجال كثيرون مثل يوسف.

رجال رحلوا، وبقيت أسماؤهم في أوراق قد لا يقرأها أحد۔ بقيت صورهم في بيوت تعرف قيمتها۔ وبقيت أمهات ينتظرن خطوات لن تأتي.

وبقيت حكايات لم تُروَ.

رفع سعيد عينيه عن الدفتر.

فكر في نفسه.


خرج من الموت، لكنه لم يخرج من الحرب بعد.

فالحرب الحقيقية التي تنتظره لم تكن في موقع القتال.

كانت في ذاكرته.

وفي الأسماء التي تركها خلفه.

وفي السؤال الذي بدأ يكبر داخله:

إذا كان هو قد عاد، فمن سيحكي عن الذين لم يعودوا؟

أغلق الدفتر.

لكنه لم يضعه بعيدًا.

تركه إلى جواره.

عرف أن الخطوة التالية لن تكون سهلة.

عليه أن يعود إلى حياته.

عليه أن يعود إلى خدمته.

عليه، قبل كل شيء، أن يجد مكانًا ليوسف في الحياة التي بدأت من جديد.

فبعض الناس يموتون مرة واحدة.

أما الذين نحبهم، فنظل نعيدهم إلى الحياة كلما ذكرنا أسماءهم.

وفي صباح اليوم التالي، فكر سعيد في يوم العودة إلى الجيش.

لم يكن يعرف ما ينتظره هناك.

لكنه عرف شيئًا واحدًا:

لن يعود الرجل نفسه الذي غادر الموقع في السادس من أكتوبر.

لقد عاد من الموت.

والآن عليه أن يتعلم كيف يعيش.

ــــــــــــــــــــــــــــ

نهاية الفصل السادس

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11572
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.