الفصل السابع: ما بعد العودة.
لم تكن العودة إلى الحياة تعني أن كل شيء عاد إلى مكانه.
اكتشف سعيد ذلك في الأسابيع الأولى التي قضاها في الإسكندرية.
الناس من حوله تعاملوا مع عودته كأنها نهاية الحكاية، أمه تنظر إليه كل صباح لتتأكد أنه أمامها، والجيران يأتون للسؤال عليه، وبعضهم يطيل النظر إليه كأنه يريد أن يصدق بعينيه أن الرجل الذي قيل لهم إنه مات يجلس الآن بينهم.
أما سعيد، فلم يشعر أن شيئًا انتهى.
شعر أن شيئًا آخر بدأ.
في الصباحات الأولى، كان يستيقظ قبل الجميع، يفتح عينيه في الظلام، ولا يعرف أين هو لثوانٍ.
السقف فوقه ليس سقف المستشفى، ولا أصوات الممرضين قريبة، ولا رائحة المطهرات تملأ المكان.
ثم يسمع البحر من بعيد، فيهدأ.
تدخل أمه أحيانًا، تضع كوب الشاي على الطاولة بجوار السرير، ثم تخرج من الغرفة من دون أن توقظه.
وفي أحد الصباحات، دخلت فوجدته جالسًا على طرف السرير يحاول أن يزرر قميصه بيد واحدة.
توقفت عند الباب.
ــ سيبني أساعدك.
رفع سعيد عينيه إليها.
ــ لا، أنا أقدر.
ــ ما قلتش إنك مش قادر، قلت لك سيبني أساعدك.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
ــ حاضر يا أمي.
اقتربت منه وأخذت القميص من يده، ثم ساعدته في ارتدائه.
ــ إنت ناوي تعمل إيه النهارده؟
نظر سعيد إلى يده اليسرى، وحرك أصابعه ببطء.
ــ هخرج.
ــ فين؟
ــ مش عارف، عايز أمشي شوية.
ــ الدكتور قال لك ترتاح.
ــ وأنا ارتحت.
ــ لسه.
ــ يا أمي، أنا قعدت في المستشفى شهور.
نظرت إليه:
ــ يعني أنا كنت عايزاك تقعد فيها طول عمرك ولا إيه؟
ضحك سعيد للمرة الأولى منذ الصباح، فضحكت معه.
ــ خد بالك من نفسك يابني.
ــ حاضر.
ــ متتعبش رجلك.
ــ حاضر.
ــ ولو حسيت بأي حاجة ترجع فورًا.
ــ حاضر يا أمي.
نظرت إليه قليلًا:
ــ إنت بتقول حاضر وخلاص.
ــ لو قلت لك لأ، هتزعلي.
ــ كويس إنك لسه فاهمني.
خرج سعيد من البيت.
لم يكن المشي في الشارع سهلًا كما تخيل.
صار يشعر بكل خطوة في قدمه، يضعها بحذر، ينقل وزنه إليها، ثم يكمل، وأحيانًا يتوقف للحظة حتى لا يراه أحد.
مر بجوار دكان قديم يعرفه منذ طفولته، فخرج صاحبه، عم حسن، فورًا.
ــ يا خبر! سعيد الصباغ.
ابتسم سعيد.
ــ صباح الخير يا عم حسن.
ــ صباح النور يا ابني، إنت نازل لوحدك؟
ــ أهو بحاول.
اقترب الرجل وربت على كتفه.
ــ حمد لله على السلامة.
ــ الله يسلمك.
ــ إحنا كنا فاكرين إنك....
ــ عارف.
ــ ربنا كتب لك عمر جديد يابني.
ــ شكرًا ياعم حسن.
واصل طريقه حتى وصل إلى الشاطئ، وجلس على مقعد خشبي قريب من الماء
كان الصباح هادئًا، والصيادون يتحركون في البعيد، والأطفال يركضون قرب الماء
ظل سعيد ينظر إلى الموج طويلًا، ثم قال بصوت منخفض.
ــ كنت بتحب المكان ده أوي يا يوسف.
تذكر يومًا قديمًا، قبل الحرب بسنوات، حين جلس هو ويوسف في المكان نفسه
كان يوسف يتحدث عن المستقبل كأنه يعرفه مسبقًا.
ــ أنا لما أخلص خدمتي، هجيبك هنا كل أسبوع.
ــ وإنت فاكرني مستنيك؟
ــ آه.
ــ ليه؟
ــ عشان إنت من غيري بتزهق.
ضحك سعيد.
ــ ده على أساس إنك بتفهم في حاجة؟
ــ أنا بفهم في كل حاجة.
ــ حتى الحرب؟
ــ خصوصًا الحرب.
نظر إليه سعيد طويلًا.
ــ إنت دايمًا واثق كده ليه؟
ابتسم يوسف:
ــ عشان لو خوفت، مين هيطمنك؟
عاد صوت الجملة إلى سعيد، وشعر بشيء يضغط على صدره
لم يعرف يومها أن الإنسان قد يكتشف قيمة بعض الكلمات بعد سنوات، حين لا يعود صاحبها موجودًا.
ظل جالسًا حتى ارتفعت الشمس، ثم عاد إلى البيت.
وجد أمه تنتظره عند الباب.
ــ اتأخرت.
ــ قعدت شوية عند البحر.
دخل سعيد غرفته، وعلى المكتب كان الدفتر القديم الذي بدأ يكتب فيه منذ عودته
فتحه، وظل ينظر إلى الصفحة البيضاء، ثم كتب:
(يوسف الجنزوري)
توقف قليلًا، ثم كتب تحت الاسم:
(كان صديقي)
لم يعرف لماذا يكتب، لكنه شعر أن بعض الأشياء لم تعد تحتمل أن تبقى داخله.
بعد أيام، جاءه خطاب من القوات المسلحة.
طُلب منه الحضور إلى القاهرة لمقابلة بعض المسئولين ومراجعة موقفه بعد الإصابة
قرأ سعيد الخطاب أكثر من مرة.
دخلت أمه الغرفة.
ــ في إيه؟
ناولها الورقة.
ــ استدعوني القاهرة.
قرأتها ثم رفعت رأسها.
ــ لازم تروح؟
ــ طبعًا يا أمي.
ــ ومين هييجي معاك؟
ــ محدش.
ــ يعني هتروح لوحدك؟
ــ هرجع في نفس اليوم.
ــ إنت لسه تعبان.
ــ أنا كويس.
ــ ما تقولش كويس وخلاص.
ــ حاضر.
في اليوم التالي، جلس سعيد في القطار المتجه إلى القاهرة، واختار مقعدًا قرب النافذة
مرت المدن أمامه، ثم عادت الأرض الزراعية من جديد.
الناس في القطار يتحدثون عن حياتهم العادية، يضحكون، يسألون عن مواعيد الوصول، ويشكون من الأسعار.
استمع سعيد إليهم في صمت.
كل هذا العالم استمر بعد الحرب.
حتى بعد أن مات يوسف.
فهم يومها أن الحرب لا توقف الحياة إلا في المكان الذي تقع فيه، أما بقية العالم فيواصل طريقه.
وصل إلى القاهرة قبل الظهر.
في المبنى الذي ذهب إليه، قابله ضابط يعرف شيئًا عن حالته.
صافحه:
ــ حمد لله على السلامة يا نقيب سعيد.
ــ الله يسلمك.
ــ كنا متابعين حالتك.
جلس سعيد أمامه.
ــ أنا اتبلغت إني أراجع موقفي.
ــ صحيح.
ــ يعني إيه؟
شرح له الضابط أن إصابته لن تسمح له بالعودة إلى موقعه القديم، وأن الأمر يتوقف على حالته وما يستطيع القيام به.
ظل سعيد صامتًا لحظة، ثم رفع رأسه.
ــ أنا عايز أرجع.
نظر إليه الضابط.
ــ متأكد؟
ــ طبعًا.
ــ ليه؟
ــ عشان ما ينفعش اللي حصل يخليني أهرب من كل حاجة.
ظل الضابط صامتًا، ثم قال:
ــ ممكن يكون رجوعك بشكل مختلف.
ــ يعني؟
ــ حسب حالتك.
ــ المهم إني أرجع.
خرج من المبنى بعد ساعات.
كان يشعر بتعب شديد، لكنه لم يكن نادمًا.
في طريق عودته، مر بجوار مقهى مزدحم، فتوقف لحظة.
سمع أحد الرجال يقول:
ــ الحرب خلصت.
جاءه صوت آخر:
ــ أيوه، خلاص.
ظل سعيد واقفًا.
بالنسبة إليهم انتهت الحرب، أما بالنسبة إليه، فما زالت بعض وجوهها حاضرة
يوسف، والجنود الذين رآهم يموتون، والذين تركوا وراءهم بيوتًا وأمهات وآباء وأصدقاء.
بدأ يفهم أنه لم ينجُ وحده.
وأن نجاته تحمل مسؤولية لا يستطيع الهرب منها.
عاد إلى الإسكندرية في المساء.
لم يخبر أمه بكل ما حدث، قال فقط.
ــ قالوا إنهم هيراجعوا حالتي.
وضعت الطعام أمامه.
ــ وهترجع؟
ــ لو قدرت.
ــ طيب كُل.
ــ مش جعان.
ــ كُل الأول وبعدين ابقى مش جعان.
جلس، وظلت أمه تنظر إليه.
ــ سعيد.
ــ نعم؟
ــ إنت عايز ترجع عشان الشغل؟
ــ ولا عشان يوسف؟
ــ الاتنين
جلست أمامه:
ــ يوسف عند ربه يا ابني.
ــ عارف.
ــ وإنت عايش.
ــ عارف.
ــ يبقى يلاش تعيش مكانه.
ــ أنا مش عايز أعيش مكانه
ــ أمال عايز إيه؟
ــ عايز أعيش وأنا فاكره.
قالت أمه بهدوء:
ــ افتكره يا سعيد، بس ما تسيبش اللي مات ياخد منك اللي لسه عايش.
ــ حاضر يا أم أحمد.
في تلك الليلة، جلس سعيد إلى مكتبه وفتح الدفتر.
قلب صفحاته، ثم فتح صفحة جديدة وكتب في أعلاها.
(الذين لم يعودوا)
بدأ يكتب أسماء من يتذكرهم، ثم توقف عند كل اسم يستعيد صاحبه للحظات.
لم يكتب بطولات، ولم يبحث عن عبارات كبيرة.
كتب عن الخوف، وعن الصداقة، وعن الجنود الذين حمل كل واحد منهم صورة لأمه أو احتفظ بشيء صغير من بيته.
ثم كتب عن يوسف.
يوسف لم يكن لا يخاف، كان يخاف مثلنا جميعًا، لكنه كان يعرف أن (الخوف لا يعطيك الحق في أن تترك مكانك).
ثم أضاف.
(في آخر مرة رأيته فيها، كان واقفًا)
أغلق الدفتر
في الصباح التالي، ذهب إلى البحر مرة أخرى.
وقف هذه المرة دون أن يجلس.
كان هناك قارب صغير يبتعد عن الشاطئ، فتابعه بعينيه حتى صار نقطة بعيدة.
ــ أنا هرجع يا يوسف.
ــ هرجع، وهكمل.
عاد إلى البيت.
وبعد أيام قليلة، جاءه خطاب آخر.
قرأ القرار بهدوء.
لم تكن عودته إلى موقعه القديم ممكنة بسبب إصابته، لكن بإمكانه العودة إلى الخدمة في مهمة تناسب حالته.
في اليوم الذي استعد فيه للعودة، وقفت أمه عند الباب وأمسكت بيده اليمنى.
ــ خليك فاكر إنك راجع بيتك.
ــ هفتكر.
ــ ومتعملش فيها بطل.
ضحك.
ــ أنا بطلت من زمان.
ــ لأ، إنت ما بطلتش، بس دلوقتي لازم تعرف إمتى تقف.
ــ حاضر ياحاجة عزيزة.
احتضنته لحظات، ثم ابتعدت عنه.
ــ ادعي لي.
ــ كل لحظة يابني.
حمل حقيبته وخرج.
عند نهاية الشارع توقف والتفت.
كانت أمه لا تزال واقفة عند الباب.
رفع يده، فرفعت يدها.
ثم تابع طريقه.
البحر خلفه، والمدينة أمامه، وبينهما رجل لم يعد كما كان.
لم يكن يريد أن ينسى ما حدث، لكنه لم يعد يريد أن يعيش داخله.
كان عليه أن يجد مكانًا بين الماضي والحاضر.
لم يعد سعيد إلى موقعه العسكري القديم، فالإصابة التي حملها من الحرب فرضت عليه طريقًا مختلفًا. وبعد مراجعة موقفه مع قيادته، تقرر أن يواصل خدمته في موقع جديد بالإسكندرية، يتناسب مع حالته الصحية. لم يكن ذلك ما اعتاد عليه، لكنه أدرك أن العودة لا تعني دائمًا استعادة الحياة كما كانت، بل تعني أحيانًا أن يتعلم الإنسان كيف يواصلها بما بقي لديه.
في أول ليلة له بعد العودة إلى الخدمة، جلس وحده في الغرفة الصغيرة.
وضع الدفتر أمامه، فتح الصفحة التي كتب فيها أسماء الذين لم يعودوا، ومرر إصبعه على اسم يوسف.
ثم أغلق الدفتر.
هذه المرة لم يشعر بالاختناق.
شعر بثقل المسؤولية فقط.
صباح اليوم التالي، دخل إلى مكان عمله الجديد.
استقبله أحد الضباط.
ــ سعيد محمد الصباغ؟
ــ أيوه.
مد الرجل يده.
ــ حمد لله على السلامة يابطل.
ــ الله يسلمك.
نظر الضابط إلى ذراعه المصابة ثم إلى قدمه.
ــ هتحتاج وقت.
ــ ماعنديش غيره.
ابتسم الرجل.
ــ واضح إنك ناوي تتعبنا.
ابتسم سعيد.
ــ مش قصدي.
ــ عارف.
وأشار له بالدخول.
دخل سعيد.
كانت الأصوات من حوله مختلفة عن أصوات الحرب.
لا انفجارات، ولا صراخ، ولا سيارات إسعاف.
ومع ذلك شعر بشيء مألوف في المكان، في الزي العسكري، وفي الأوامر القصيرة، وفي وجوه الرجال.
جلس خلف مكتبه، ووضع الدفتر في أحد الأدراج.
ثم أخرج ورقة بيضاء.
في أعلاها كتب:
(يوسف الجنزوري)
وتحت الاسم كتب.
(هذه ليست قصة موتك)
توقف قليلًا، ثم أضاف:
(هذه قصة ما تركته بعدك)
رفع رأسه.
لأول مرة منذ عودته، شعر أن الكلمات تستطيع أن تحمل جزءًا من الحمل الذي ظل فوق صدره.
لم يكن يعرف لمن سيحكي، ولا متى، ولا هل سيستطيع أن يقول كل شيء.
لكنه عرف شيئًا واحدًا.
يوسف لم يعد مجرد اسم في قائمة الشهداء.
وسعيد، الذي كُتب اسمه هو الآخر في قائمة الموتى ثم عاد، لم يعد يستطيع أن يعيش كما كان قبل السادس من أكتوبر.
خرج من الحرب حيًا، لكن الحياة التي عاد إليها لم تكن تطلب منه أن يتنفس ويأكل وينام فقط.
كانت تطلب منه أن يتذكر، وأن يعمل، وأن يكمل.
ولهذا، حين أغلق الدفتر في نهاية ذلك اليوم، لم يشعر أنه أنهى قصة يوسف.
شعر أنه فتح أول صفحة منها.
أما الصفحة التالية، فلم تكن عن الموت هذه المرة.
كانت عن رجل آخر سيظهر في حياة سعيد، ويحمل إليه خبرًا يعيد فتح جرح ظن أنه بدأ يلتئم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نهاية الفصل السابع.

التعليقات
أضف تعليقك