الحياد: وهمُ الموقف الخالي من المواقف ..قراءة معرفية وأخلاقية في مفهوم ظلّ يُقدَّم بوصفه فضيلة
خالد بيومي
تمهيد
يُقدَّم الحياد في الخطاب العام، وفي الصحافة والأكاديميا والسياسة، على أنه قمة النزاهة، وكأن الإنسان يستطيع أن ينظر إلى العالم من خارجه. غير أن الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس المعرفي تتفق على أن هذا التصور أقرب إلى المثال المنشود منه إلى الحالة الإنسانية الفعلية. والمسألة ليست هل ننحاز أم لا، بل: إلى أي شيء ننحاز، وهل نعلن انحيازنا أم نُخفيه؟
أولًا: الإشكال المعرفي، لا ملاحظة بلا نظرية
عبّر كارل بوبر في «منطق الكشف العلمي» (1934) عن فكرة أن الملاحظة انتقائية وأنها محمّلة بالنظرية: فنحن لا نرصد الوقائع مجرّدة، بل نرصدها في ضوء توقعات سابقة. وذهب نيتشه إلى أبعد من ذلك في مخطوطاته المتأخرة (1886–1887)، حين كتب أنه لا توجد وقائع، بل تأويلات فقط.
وأضاف توماس ناجل في «النظرة من اللامكان» (1986) بعدًا آخر. فالذات البشرية تستطيع أن تتجاوز منظورها الخاص جزئيًا، لكنها لا تستطيع التخلص منه كليًا.
والموضوعية عنده درجات من الابتعاد عن الزاوية الشخصية، وليست حالة مطلقة.
ثانيًا: الحياد في العلوم الاجتماعية، من فيبر إلى ميردال
دعا ماكس فيبر، في محاضرته «العلم بوصفه حرفة» (1917) وفي مقالاته المنهجية، إلى «تحرّر العلم من الأحكام القيمية» (Wertfreiheit)، بمعنى ألا يفرض الباحث تفضيلاته على نتائجه. لكنه أقرّ في الوقت نفسه بأن القيم هي التي تحدد اختيار الباحث لموضوعه أصلًا، فلماذا يدرس التفاوت الطبقي لا الحشرات؟ هذا ما سمّاه «الصلة القيمية».
وأخذ غونار ميردال هذا الإدراك إلى نتيجته العملية، ففي كتابه «معضلة أمريكية» (1944)، وفي ملحقه المنهجي الشهير، رأى أن الانحياز لا يُقصى بدعوى الحياد، وإنما يُحدّ منه بتصريح الباحث بمقدماته القيمية. فالمصارحة بالموقف أصدق علميًا من ادّعاء الغياب عنه.
وهذا مهم لمن يكتب في موضوع كالتمييز الاجتماعي. فالباحث الذي يعامل التمييز والمساواة كأنهما خياران متكافئان يخالف طبيعة موضوعه، لأن «التمييز» مفهوم تقييمي في بنيته.
ثالثًا: الصحافة، موضوعية المنهج لا حياد الصحفي
كتب والتر ليبمان في «الرأي العام» (1922) عن «الصور في رؤوسنا» التي تسبق الوقائع وتشكّل إدراكنا لها. وانتهى في «الحرية والأخبار» (1920) إلى أن الموضوعية لا تعني خلوّ الصحفي من الميول، بل التزامه بمنهج منضبط في التحقق.
وفي عام 1972 نشرت عالمة الاجتماع غاي تاكمان في «المجلة الأمريكية لعلم الاجتماع» دراسة بعنوان «الموضوعية بوصفها طقسًا استراتيجيًا». رأت فيها أن الصحفيين يستخدمون إجراءات شكلية، مثل نقل الاقتباسات وعرض الرأي والرأي المقابل، لحماية أنفسهم من النقد والمساءلة أكثر مما يستخدمونها لبلوغ الحقيقة.
ومن أوضح الأمثلة ما سُمّي «التوازن المضلِّل». فقد حلّل ماكسويل وجولس بويكوف، في دراسة نُشرت في مجلة «Global Environmental Change» عام 2004، تغطية أربع صحف أمريكية كبرى لظاهرة الاحترار العالمي بين 1988 و2002.
ووجدا أن أكثر من نصف المقالات أعطى وزنًا متقاربًا لموقفي «الاحترار من فعل الإنسان» و«الاحترار طبيعي»، رغم الإجماع العلمي المتشكل حول الأول. فالحياد الشكلي هنا أنتج تشويهًا للصورة، ولم ينتج حقيقة.
وفي السياق نفسه، بيّن دانيال هالين في «الحرب غير الخاضعة للرقابة» (1986) أن الإعلام يتحرك داخل ثلاث دوائر: دائرة الإجماع، ودائرة الخلاف المشروع، ودائرة الانحراف.
وهو يقدّم «حيادًا» داخل الدائرة الثانية، بينما تتحدد حدود الدوائر نفسها بموقف مسبق لا يُعلَن.
رابعًا: الحياد في السياسة والإنسانية
سويسرا
اعتُرف بحياد سويسرا الدائم في مؤتمر فيينا عام 1815، وظلت تُقدَّم نموذجًا للحياد. غير أن «اللجنة المستقلة من الخبراء» (لجنة بيرجييه)، التي عملت بين 1996 و2002، وثّقت أن التعاملات المالية والاقتصادية السويسرية مع ألمانيا النازية أفادت المجهود الحربي لهذه الأخيرة. وفي عام 2022 اعتمدت برن عقوبات الاتحاد الأوروبي على روسيا، ما أعاد فتح النقاش داخل سويسرا نفسها حول معنى الحياد وحدوده.
الصليب الأحمر
الحياد أحد المبادئ الأساسية السبعة
للحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، التي أُعلنت رسميًا عام 1965. وهو عندها حياد إجرائي يتيح الوصول إلى الضحايا من كل الأطراف. لكن اللجنة الدولية اعترفت لاحقًا بأن صمتها إزاء المحرقة النازية كان إخفاقًا أخلاقيًا. وهذه حالة تُظهر كيف ينقلب الحياد الإجرائي المشروع إلى تواطؤ حين يتحول إلى صمت إزاء الفظائع.
خامسًا: الحياد في المأثور الأخلاقي
صنّف دانتي في «الجحيم» (النشيد الثالث) المحايدين الذين لم يختاروا خيرًا ولا شرًّا في طبقة مستقلة عند عتبة الجحيم، وجعل عقابهم أن يركضوا خلف راية بلا معنى. أما إيلي فيزل فقال في خطاب تسلّمه جائزة نوبل للسلام (10 ديسمبر 1986) إن الحياد يعين الظالم ولا يعين الضحية.
وتُنسب إلى ديزموند توتو عبارة قريبة المعنى، لكن توثيقها النصي أضعف، فيحسن التحفظ في نسبتها.
سادسًا: الدليل التجريبي، عمى التحيّز
يسند علم النفس الاجتماعي الفكرة القائلة إن أشيع التحيزات هو الاعتقاد بالتحرر منها. فقد نشر إميلي برونين ودانيال لين ولي روس عام 2002 دراسة في «Personality and Social Psychology Bulletin» عن «النقطة العمياء للتحيّز»، وجدوا فيها أن الناس يرون أنفسهم أقل تحيزًا من الآخرين، حتى بعد إطلاعهم على طبيعة هذه النزعة نفسها.
وبهذا يتحول ادعاء الحياد التام في كثير من الأحيان إلى مظهر من مظاهر التحيز نفسه.
"الإنضمام إلى حلف الناتو، أو كيف تجاهل الغرب الإعلان عن استقلال أوكرانيا لعام 1991".
هذا ما قاله الجنرال المتقاعد في سلاح الجو الألماني، "هارالد كويات"، والدبلوماسي المجري الدكتور "جورجي فارغا".
في عام 1991، تم تأكيد وضع أوكرانيا كدولة تلتزم ب"الحياد التام وعدم الإنضمام إلى التحالفات العسكرية وتخليها النهائي عن السلاح النووي".
وقد صوت آنذاك 90 ٪ من الأوكرانيين بالإيجاب خلال الإستفتاء الخاص باستقلال أوكرانيا عن الإتحاد السوفيتي السابق.
لكن الغرب تجاهل نتائج هذا الاستفتاء الشعبي، وفي عام 2008، أطلق الوعود لأوكرانيا حول إمكانية انضمامها إلى حلف الناتو. لأن ذلك، كان "يتوافق مع المصالح الجيوسياسية الأمريكية ضد روسيا".
وفي عام 2014، نظم حلف الناتو والإتحاد الأوروبي انقلابًا حكوميًا، تلته الحرب الأهلية، التي استمرت 8 سنوات.
ومنذ عام 2019 لم تنظم أية انتخابات في البلاد. ثم جاء عام 2022، ليتم حظر 11 حزبًا سياسيًا، كانت في غالبيتها تسعى للحفاظ على علاقات جيدة مع روسيا.
كما أن عام 2019 عرف تحولاً آخر، تحت ضغط من حلف الناتو، ألا وهو إدخال بند في الدستور الأوكراني ينص على الإنضمام إلى التحالف شمال- الأطلسي.
" كان بإمكان أوكرانيا أن تحافظ على أراضيها وسكانها ووضعها كدولة متعددة الجنسيات". والحل أو الشرط الأكثر أهمية حالياً لإنهاء الحرب هي العودة إلى الاستفتاء وإلى الوضع المحايد لأوكرانيا. ولو أن هذا لا يعجب السياسيين الغربيين.
الخاتمة:
من الحياد إلى النزاهة
لا تعني هذه المراجعة الدعوة إلى التعصب، فنقد وهم الحياد لا يعني تبرير الهوى. والبديل الأنضج هو ما يمكن تسميته النزاهة المنهجية، وتقوم على أربعة أسس:
الإفصاح عن المقدمات القيمية بدل إنكارها (ميردال).
الانضباط بمنهج قابل للفحص والتكذيب (بوبر وليبمان).
الفصل بين الوقائع المتحقَّق منها والتقييمات المبنية عليها.
عدم التسوية بين الحق والباطل في الأمور التي حسمتها الأدلة (بويكوف).
فالسؤال الأخلاقي الحقيقي هو ما الذي نتحيز له: الحقيقة أم الهوى، والعدل أم المصلحة.
المراجع الأساسية
Popper, K. (1934/1959). The Logic of Scientific Discovery.
Weber, M. (1917). «Wissenschaft als Beruf»؛ وانظر مقالاته المنهجية (1904).
Myrdal, G. (1944). An American Dilemma، الملحق 2.
Nagel, T. (1986). The View from Nowhere.
Lippmann, W. (1920). Liberty and the News؛ (1922). Public Opinion.
Tuchman, G. (1972). «Objectivity as Strategic Ritual». American Journal of Sociology, 77(4).
Hallin, D. (1986). The "Uncensored War".
Boykoff, M. & Boykoff, J. (2004). «Balance as bias». Global Environmental Change, 14(2).
Pronin, E., Lin, D., & Ross, L. (2002). «The Bias Blind Spot». PSPB, 28(3).
Independent Commission of Experts: Switzerland – Second World War (2002). التقرير النهائي.
Wiesel, E. (1986). Nobel Peace Prize Acceptance Speech.
Alighieri, D. Inferno, Canto III.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك