من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الفصل الثامن: الرسالة التي تأخرت

عادل التوني
الفصل الثامن: الرسالة التي تأخرت


مرّت أسابيع على عودة سعيد إلى الخدمة، وبدأ جسده يتعلم إيقاعًا جديدًا للحياة

لم تعد خطواته تتعثر كما حدث في الأيام الأولى، وإن ظل الألم يظهر أحيانًا من دون موعد، خصوصًا في يده اليسرى التي احتاجت إلى وقت طويل حتى تستعيد قوتها

توقف سعيد عن مراقبتها كل يوم.

في البداية، كان يحرك أصابعه أمام عينيه، يرفعها ويخفضها، ويحاول أن يقبض بها على الأشياء، وكل تحسن صغير كان يمنحه فرحة لا يقولها لأحد.

ثم تعلّم أن يتعامل معها كجزء منه.

إصابة حدثت.

لا شيء يحدد حياته كلها.

في عمله الجديد، لم يعد مطلوبًا منه أن يفعل ما كان يفعله قبل الإصابة، وكان يشعر بشيء من الحزن حين يرى زملاءه يتحركون بسهولة، لكن الحزن لم يعد يوقفه

يعمل.

ويعود في المساء إلى غرفته، يخرج الدفتر من الدرج، ويكتب أحيانًا.

لم يكتب كل يوم.

بعض الأيام يفتح الدفتر ويبقى أمام الصفحة نصف ساعة من دون أن يكتب كلمة واحدة

وفي أيام أخرى، يكتب سطرًا ثم يغلقه.

الكتابة لم تكن سهلة.

الأصعب أن تكتب عن أشخاص تعرف أنك لن تراهم مرة أخرى.


في صباح هادئ، جلس سعيد إلى مكتبه حين سمع طرقًا خفيفًا على الباب.

رفع رأسه.

دخل رجل في أواخر الأربعينيات، يرتدي الزي العسكري.

توقف عند الباب.

ــ النقيب سعيد محمد الصباغ؟

وقف سعيد لتأدية التحية العسكرية.

ــ أيوه.

اقترب الرجل وصافحه.

ــ أنا الرائد محمود عبد الحميد.

ــ أهلًا وسهلًا.

ــ ممكن أقعد؟

ــ اتفضل.

جلس محمود ووضع حقيبة جلدية صغيرة بجوار قدميه.

ــ في حاجة؟

ــ عندي خبر ليك.

تغير وجه سعيد قليلًا.

لم يحب هذه العبارة.

كل خبر يأتي بعد الحرب يحمل احتمالًا لأن يفتح بابًا أغلقه بصعوبة.

ــ خير؟

محمود:

ــ متقلقش، مش خبر وحش.

ــ متعلق بيوسف

ــ قبل ما أقول لك، لازم تعرف إن الموضوع قديم.

ــ قديم قد إيه؟

ــ من أيام الحرب.

ــ وإيه اللي حصل؟

أخرج محمود ظرفًا بنيّ اللون.

قديم، وحوافه متآكلة.

وضعه فوق المكتب.

ــ ده إيه؟

ــ رسالة.

ــ من مين؟

ــ يوسف.

لم يتحرك سعيد.

ظل ينظر إلى الظرف كأن المسافة بينهما أكبر من طول الغرفة.

محمود بهدوء:

ــ لقيناها ضمن متعلقات كانت موجودة في أحد المواقع بعد انتهاء القتال، الرسالة كانت باسمك.

ــ باسمي؟

ــ أيوه.

ــ وإزاي وصلت لك؟

ــ الموضوع اتأخر بسبب نقل المتعلقات ومراجعتها، وبعدها خرجت من بين الأوراق، وفضلت موجودة لحد ما اتعرف صاحبها.

اقترب سعيد من المكتب، مد يده اليمنى ولمس الظرف، كان خفيفًا.

لكن يده ارتجفت.

ــ كان عايز يبعتها لي؟

ــ على حسب المكتوب

ــ يعني إنت قريتها؟

ــ لأ

ومش من حقي أقرأها

رفع سعيد الظرف.

وجد اسمه مكتوبًا عليه بخط يعرفه.

خط يوسف.

لم يحتاج إلى أكثر من ذلك.

جلس، ظل الظرف بين يديه

محمود:

ــ أنا هسيبك لوحدك.

ــ شكرًا.


خرج محمود وأغلق الباب.

بقي سعيد وحده.

وضع الظرف أمامه.

قطع طرف الظرف بحذر.

أخرج ورقة واحدة، مطوية مرتين.

فتحها.

قرأ السطر الأول.

(يا سعيد...) 

توقف.

لم يستطع أن يكمل.

وضع الورقة على المكتب، ثم قام وفتح النافذة.

دخل الهواء. 

ظل واقفًا لحظات.

عاد إلى الكرسي.

أمسك الورقة مرة أخرى.

قرأ.

كان خط يوسف واضحًا، وإن بهت لون بعض الكلمات.


(يا سعيد... 

لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى غالبًا أنا مش هكون جنبك وأنا بكتبها متقلقش، أنا

مش بكتب لك كلام وداع، ومش عايزك تزعل لو قريتها بعد ما أكون مش موجود

إنت عارفني، أنا أصلًا مش بعرف أقول الكلام ده في وش الناس).


ابتسم سعيد رغمًا عنه.

همس:

ــ صحيح.

تابع القراءة.


(من كام يوم وأنا بفكر في حاجة؛ إحنا داخلين على أيام محدش فينا عارف هيطلع منها إزاي.

بس أنا متأكد من حاجة واحدة: إحنا مش بنحارب عشان نموت، إحنا بنحارب عشان نرجع.

أنا نفسي أرجع...

نفسي أرجع إسكندرية، وأقعد معاك قدام البحر، ونختلف كالعادة على أي حاجة

كنت بتقول إن البحر بيخلّي الواحد يفكر، وأنا أقول لك إن البحر بيخلّي الواحد ينسى.

يمكن الاتنين صح).


توقف سعيد.

ابتسم.

الجملة تشبه يوسف تمامًا.

أكمل القراءة.


(ولو حصل وما رجعتش، متعملش اللي إنت بتعمله دلوقتي.

ما تلومش نفسك.

أنا عارفك.

هتقول ليه أنا عشت وهو مات؟

وهتفتكر إنك كان ممكن تعمل حاجة أكتر.

لكن يا سعيد، كل واحد فينا بيقف في اللحظة اللي ربنا كاتبها له.

لو أنا مشيت قبلك، أوعِدني إنك هتكمّل طريقك، حتى لو الطريق من غيري).


خفض سعيد الورقة.

لم يتوقع هذه الكلمات.

كان ينتظر من يوسف أن يكتب شيئًا عن الحرب، عن أمه، عن الإسكندرية، عن الخوف

لكنه لم يتوقع أن يكتب له عن الذنب.

عن الشيء الذي ظل سعيد يحمله داخله منذ يوم وفاته.

عاد إلى الرسالة.


(إنت عندك حاجة أنا مش عندي، إنت بتحب الحكايات، بتقرأ كتير، وبتفتكر أسماء ناس ماتوا من مئات السنين.

كنت دايمًا بسألك: هو إنت ليه فاكر كل دول؟

يمكن دلوقتي فهمت.

عشان الإنسان لما يموت، بيبقى محتاج حد يفتكره.

عشان كده لو حصل لي حاجة، ما تخلينيش مجرد اسم.

احكي عني زي ما كنت.

قول إني كنت بضحك.

قول إني كنت بعاندك.

وقول إن نفسي كنت أرجع.

ما تقولش إني ما كنتش خايف.

أنا كنت خايف ياسعيد.

بس كنت بحاول ما أخليش خوفي ياخد مكاني).


توقف سعيد.

وضع الورقة على المكتب.

مسح وجهه بيده اليمنى.

لم يبكِ.

أو ربما كان يبكي من الداخل.

ظل صامتًا دقائق طويلة.

ثم رفع الورقة من جديد.

كان هناك سطر أخير.


(ولو رجعت إنت، عيش يا سعيد، ما تعيش عشان تفتكرني، افتكرني عشان تعرف تعيش) 

 (يوسف)...


لم يقرأ سعيد شيئًا بعدها.

لم تكن هناك كلمات أخرى.

انتهت الرسالة.

لكنها لم تنتهِ داخله.

ظل ممسكًا بها.

ضحك فجأة، ضحكة قصيرة خرجت منه رغم حزنه

قال:

ــ حتى وإنت ميت، لسه بتديني أوامر.

عاد إلى ظهر كرسيه.

أغمض عينيه.

لأول مرة منذ زمن طويل، شعر أن شيئًا ثقيلًا يحمله بدأ يخف.

لم يختفِ.

لكنه خف.

لم يكن يوسف يطلب منه أن ينساه.

كان يطلب منه العكس.

أن يتذكره من دون أن يتحول إلى قبر يمشي على قدمين.

جلس سعيد وقت طويل.

عندما انتهى وقت عمله، وضع الرسالة في جيبه.

لم يعد إلى البيت مباشرة.

ذهب إلى البحر.

أراد أن يقرأها هناك مرة أخرى.

جلس في المكان الذي اعتاد أن يجلس فيه مع يوسف.

أخرج الورقة.

قرأها ببطء.

هذه المرة لم يشعر بالخوف.

عندما وصل إلى الجملة الأخيرة، ظل ينظر إلى البحر.

قال:

ــ حاضر يا يوسف.

طوى الرسالة.

أعادها إلى الظرف، ثم وضعه داخل جيبه.

بقي أمام البحر حتى غابت الشمس.

في تلك الليلة، فتح سعيد دفتره.

لكنه لم يكتب عن يوسف مباشرة.

كتب:

(اليوم فهمت أن الوفاء للموتى لا يعني أن نتوقف عن الحياة)

أكمل:

(أحيانًا يكون الوفاء الحقيقي أن نكمل الطريق الذي لم يستطيعوا إكماله)

ثم أغلق الدفتر

لأول مرة، شعر أن لديه شيئًا يريد أن يفعله، لا شيئًا يريد أن يهرب منه.

في الأيام التالية، بدأ يتحدث أكثر.

ليس عن الحرب كلها.

بل عن تفاصيلها.


ذات مساء، جلس مع أحد زملائه الجدد، شاب اسمه سامح، لم يشارك في الحرب

كان سامح يعرف أن سعيد عاشها، لكنه لم يسأله من قبل.

قال له:

ــ ينفع أسألك سؤال؟

ــ اسأل.

ــ إنت فعلًا كنت في الحرب؟

ابتسم سعيد.

ــ أيوه.

ــ وكانت زي ما بنسمع؟

ــ إيه اللي بتسمعه؟

ــ إن كل الناس كانت شجاعة، ومحدش كان بيخاف.

ضحك سعيد.

ــ مين قال لك كده؟

ــ الناس.

ــ الناس بتحب الحكايات السهلة.

ــ يعني؟

ــ يعني مفيش حد ما بيخافش.

ــ حتى إنت؟

ــ حتى أنا.

صمت سامح.

ثم قال:

ــ وإزاي الواحد بيكمل وهو خايف؟

ــ مش لازم الخوف يختفي.

ــ أمال؟

ــ تتعلم مانخافش وهو موجود.

هز سامح رأسه.

كان ينتظر كلامًا أكبر.

لكن سعيد لم يزد. 

ثم سأل سامح: 

ــ صاحبك اللي كان معاك في الحرب... يوسف، صح؟

نظر سعيد إليه بتعجب!

ــ يوسف؟

ــ أيوه، سمعت زملاءنا بيقولوا إنك كنت معاه. 

ابتسم سعيد.

ــ يوسف كان مختلف..

ــ إزاي؟

ــ كان بيضحك في أسوأ وقت.

ضحك سامح.

ــ دي حاجة كويسة؟

ــ ساعات.

ــ وساعات؟

ــ كان بيخليني أضربه.

ضحكا معًا.


كانت المرة الأولى التي يحكي فيها سعيد عن يوسف من دون أن يشعر بأن الكلام يجرحه.

الألم موجود.

لكن الذكرى لم تعد كلها ألمًا.

صار فيها شيء من الحياة.

وهذا بالضبط ما كانت الرسالة تطلبه.


في أحد الأيام، دخل عليه الرائد محمود.

ــ وصلت الرسالة؟

ــ وصلت.

ــ قريتها؟

ــ أكتر من مرة.

جلس محمود.

ــ كانت موجهة ليك؟

ــ أيوه.

ــ كويس.

سكت سعيد لحظة، ثم قال:

ــ محمود.

ــ نعم؟

ــ الرسالة كانت عندكم كل السنين دي؟

ــ تقريبًا.

ــ كان ممكن ما توصلنيش أبدًا.

ــ كان ممكن.

ــ بس وصلت.

ــ يمكن كان لازم توصل في الوقت ده.

لم يرد سعيد.

لكنه شعر أن الرجل محق.

لو قرأ الرسالة في الأيام الأولى بعد الحرب، ربما لم يكن قادرًا على فهمها وقتها كان يريد فقط أن يعرف لماذا عاش.

أما الآن، فقد بدأ يفهم لماذا عليه أن يعيش.

محمود:

ــ هتعمل بيها إيه؟

ــ هحتفظ بيها.

ــ بس؟

ــ لأ.

ــ هتعمل إيه؟

ــ هكتب.

ــ تكتب إيه؟

ــ اللي حصل.

ــ للجيش؟

ــ لنفسي الأول.

ثم أضاف:

ــ وبعد كده، يمكن لناس تانية.

سكت محمود.

ــ خلي بالك يا سعيد.

ــ من إيه؟

ــ لما تكتب عن ناس ماتت، كل كلمة بتبقى مسؤولية.

ــ عارف.

ــ ومش كل اللي عاش شاف الصورة كلها.

ــ عارف.

ــ يبقى اكتب اللي شفته بعينك.

ــ ده اللي هعمله.


خرج محمود.

وبقي سعيد أمام مكتبه.

فتح الدفتر.

هذه المرة لم يكتب اسم يوسف.

كتب عنوانًا جديدًا:

(الذين عادوا... والذين لم يعودوا)

ثم بدأ...

كتب عن الخوف.

الجنود.

أصوات القذائف.

الماء الذي صار له طعم مختلف في أيام الحرب.

الضحكات القصيرة.

الرسائل التي تصل متأخرة، وربما التي لم تصل.

وعن رجال ظنوا أنهم سيعودون إلى بيوتهم في المساء.

لم يحاول أن يجعلهم أبطالًا خارقين.

أرادهم بشرًا.

ولهذا توقف طويلًا عند كل اسم.

يكتب، ثم يمسح.

يضيف، ثم يتراجع.

حتى اكتشف شيئًا لم يفكر فيه من قبل.

أن ذاكرته لم تعد مجرد عبء.

يمكن أن تكون أمانة.

مرت الأيام.

ثم الشهور.

وصار الدفتر أكثر امتلاءً.


في صباح شتوي، جاء إلى سعيد خطاب آخر.

كان مختلفًا عن الخطابات السابقة.

قرأه مرة.

ثم أعاد قراءته.

خطاب من إدارة الشئون المعنوية للقوات المسلحة المصرية.

لحضور لقاء مع مجموعة من الجنود والضباط الذين شاركوا في الحرب، للحديث عن تجربتهم، وغيرهم ممن لم يشاركوا.

ظل سعيد صامتًا.

لم يحب الحديث أمام الناس.

لكنه تذكر الرسالة.

(افتكرني عشان تعرف تعيش)

قال لنفسه:

ــ يمكن دي البداية.

في المساء، اتصل بأمه.

ــ ياحاجة أم أحمد؟

ــ أيوه يا حبيبي.

ــ أنا هتكلم قدام ناس.

ضحكت.

ــ وإنت من إمتى بتعرف تتكلم؟

ضحك سعيد.

ــ والله ما أعرف يا أمي.

ــ طب اتكلم زي ما بتتكلم معايا.

ــ يعني؟

ــ قول الحقيقة.

ــ حاضر.


أخرج رسالة يوسف.

فردها.

قرأ آخر سطر مرة أخرى.

(افتكرني عشان تعرف تعيش)

ابتسم.

ــ هحاول.

ثم أضاف بصوت منخفض:

ــ وهحكي.

لم يكن يعرف أن الحديث عن يوسف لن يكون سهلًا.

ولم يكن يعرف أن أحد الحاضرين في اللقاء المقبل سيذكر اسمًا آخر من الماضي، اسمًا ظن سعيد أنه انتهى منذ سنوات.

اسمًا سيعيد إليه يومًا من أيام الحرب لم يفهمه كاملًا. 

اسمًا سيجعله يدرك أن الرسالة التي وصلت إليه متأخرة لم تكن آخر ما تركه يوسف وراءه.

كانت مجرد البداية

ــــــــــــــــــــــــــــــــ 

نهاية الفصل الثامن.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11620
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.