غليان في باكو.. أزمة الحجاب في المدارس الأذرية تعيد اختبار حدود العلمانية الصارمة
تخوض أذربيجان فصلاً جديداً وحاداً من التوتر بين الهوية الدينية والتوجه العلماني المتوارث من الحقبة السوفييتية؛ إذ تحولت المدارس الحكومية في العاصمة باكو ومناطق أخرى إلى بؤر ساخنة للاحتجاجات، إثر تطبيق لوائح زي مدرسي جديدة أدت إلى منع الطالبات والمعلمات المحجبات من دخول المؤسسات التعليمية.
القرارات التي بدأت بملامح تنظيمية هادئة في سبتمبر/أيلول الماضي، وتوسعت نطاقاتها تدريجياً في أكتوبر/تشرين الأول الجاري لتشمل الهيئات التدريسية، اصطدمت بغضب شعبي عارم واحتجاجات طلابية واسعة، وسط تساؤلات متزايدة حول قدرة الدولة على احتواء أزمة تتقاطع فيها الحريات الفردية، والحسابات الجيوسياسية الإقليمية، وحساسية النظام العلماني.
جذور الأزمة: من اللوائح الإدارية إلى الشارع
بدأت الأزمة مع إقرار الحكومة الأذرية قواعد جديدة للزي المدرسي تحظر أي ملابس أو إكسسوارات تعتبرها السلطات «متعارضة مع الطابع العلماني للتعليم». ورغم أن النصوص الرسمية صيغت في إطار توحيد المظهر العام، إلا أن التطبيق الميداني تحول إلى حظر مباشر ومشدد لارتداء الحجاب.
ولم يقتصر الأمر على الطالبات، بل أفادت تقارير محلية وشهود عيان بمنع معلمات يرتدين الحجاب من ممارسة مهامهن، فضلاً عن فرض قيود إضافية شملت مطالبة بعض الطلاب الذكور في المراحل المتقدمة بحلاقة اللحى، رغم خلو القرارات الرسمية للوزارة من ذكر صريح لها.

هذا التعسف في التنفيذ أثار موجة استياء واسعة، ورفعت الطالبات المحرومات من التعليم ومعلموهن شعارات موحدة أبرزها: «الحجاب ليس عائقًا أمام التعليم». ولم يقف الأمر عند الطالبات المتضررات، بل امتد ليتضامن معهن زملاؤهن الذكور الذين قاطعوا الحصص الدراسية ورفضوا دخول الفصول في عدة مناطق وقرى محيطة بباکو، مثل ضاحية صابونتشي.
القبضة الأمنية واتساع رقعة الاعتقالات
مع اتساع رقعة الاحتجاجات ورفع بعض المتظاهرين لسقف مطالبهم، دخلت الأجهزة الأمنية على الخط بحزم.
وفي 12 أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت وزارة الداخلية الأذرية رسميًا اعتقال 37 شخصًا في العاصمة باكو بتهمة «الانتهاك الجسيم للنظام العام» والتخريب وإثارة الشغب (وسط أنباء عن محاولة بعض المحتجين تحطيم نوافذ بعض المدارس في توترات غاضبة).
في المقابل، تشير تقديرات حقوقية ومنظمات محلية إلى أن الأعداد الحقيقية للموقوفين تفوق الإعلان الرسمي بكثير، مرجحة تجاوز حاجز الـ 200 معتقل وسط حملة تعقب رقمية لكل من ينشر مقاطع فيديو للاحتجاجات على منصات التواصل الاجتماعي.
حساسية الهوية: دولة أغلبية مسلمة بقانون علماني صارم
تضع هذه الاحتجاجات السلطات في باكو أمام اختبار معقد؛ فأذربيجان دولة ذات أغلبية مسلمة ساحقة تُقدر بنحو 96% من السكان (تضم غالبية شيعية معتبرة)، إلى جانب أقليات سنية ومسيحية. ومع ذلك، تأسست الدولة الحديثة على إرث صارم من العلمانية الموروثة من الاتحاد السوفييتي السابق، والتي كرستها الدساتير المتعاقبة كركيزة أساسية لمنع أي توغل ديني في المؤسسات العامة والتعليمية.
ويجادل المدافعون عن السياسة الحكومية، ومنهم كتاب ومحللون مقربون من الدوائر الرسمية مثل فرهاد حسين، بأن «أذربيجان كانت وستظل دولة سيدّة وعلمانية، ولا يمكن السماح بتحويل المدارس إلى ساحات لفرض أجندات أيديولوجية أو دينية». في المقابل، يرى الحقوقيون والتيارات المحافظة أن حرمان الفتيات من حقهن الدستوري في التعليم بحجة غطاء الرأس يعد انتهاكًا صارخًا لحرية المعتقد وحقوق الإنسان الأساسية التي كفلها الدستور والمعاهدات الدولية.
ارتدادات إقليمية ودبلوماسية
لم تقتصر تداعيات الأزمة على الداخل الأذري، بل بدأت تمتد لتلقي بظلالها على العلاقات الإقليمية. فقد شهدت مدينة إسطنبول التركية في 3 أكتوبر/تشرين الأول احتجاجات حاشدة نظمتها جاليات وجمعيات أمام القنصلية الأذرية تنديدًا بحظر الحجاب.
وتسببت هذه الإجراءات في توترات دبلوماسية خفية واحتكاكات في وجهات النظر بين باكو وأنقرة (رغم التحالف الاستراتيجي المتين بين البلدين)، نظراً للحساسية الخاصة التي يولها التيار المحافظ الحاكم في تركيا لقضايا الحجاب والحريات الدينية في العالم الإسلامي.
آفاق مفتوحة على الاحتقان
مع إصرار الحكومة على التمسك باللوائح العلمانية الجديدة ورفضها التراجع أمام الشارع، وتمسك المحتجين والأسر بحق بناتهم في التعليم وهُويتهن الدينية، تبدو الأزمة مرشحة لمزيد من التصعيد.
ويبقى السؤال معلقاً: هل تنجح باكو في فرض رؤيتها الأمنية-العلمانية عبر القبضة الحديدية، أم ستضطر لإيجاد صيغة تسوية وسطى تحت وطأة الضغوط الداخلية والحقوقية؟
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك