من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

مشاهد من الخيال العلمي في غرفة العمليات: عندما تحول دم مريض إلى اللون الأخضر الداكن!

خالد شحاتة
مشاهد من الخيال العلمي في غرفة العمليات: عندما تحول دم مريض إلى اللون الأخضر الداكن!


​«بدا المشهد وكأنه مأخوذ مباشرة من أفلام الخيال العلمي أو كلاسيكيات الخيال التلفزيوني الشهيرة مثل (Star Trek)، لكنه حدث بالفعل على أرض الواقع في غرفة عمليات بمدينة فانكوفر الكندية».

  

​في واقعة طبية نادرة وثقتها مجلة "لانسيت" (The Lancet) الطبية العريقة، عاش فريق أطباء التخدير والجراحة في مستشفى "سانت بول" (St. Paul's Hospital) بفانكوفر لحظات من الصدمة والذهول عندما استعدوا لإجراء جراحة روتينية لمريض يبلغ من العمر 42 عاماً (عُرف علمياً في السجلات الطبية باسم "Mr. A").

​صدمة الحقنة: دماء بلون "قشر الأفوكادو"

​بدأت القصة عندما حاول الفريق الطبي إدخال قسطرة شريانية للمريض قبيل البدء في العملية الجراحية لتخفيف متلازمة الحيز (Compartment Syndrome) التي أصابت ساقيه بعد أن غلبه النوم وهو في وضعية ركوع لفترة طويلة.  

​وكالمعتاد، كان الفريق ينتظر تدفق الدم الأحمر القاني المؤكد لصحة مكان الإدخال، لكن المفاجأة وقعت عندما سحبوا السرنجة ليخرج منها سائل غريب داكن بلون أخضر مائل للأسود، شبيه تماماً بلون قشرة ثمرة الأفوكادو!

​يقول الدكتور ألانا فليكسمان (Alana Flexman)، أحد أعضاء الفريق الطبي الذي وثق الحالة: «لقد شعورنا بقلق بالغ في تلك اللحظة؛ فالدم لم يكن أحمر على الإطلاق، بل كان أخضر داكناً ومفزعاً، واعتقدنا للوهلة الأولى وجود نقص حاد وخطير في الأكسجين أو عدوى مجهولة ومدمرة».  

​السر العلمي: حين يتلاعب الكبريت بخلايا الدم


​بعد إرسال عينات الدم بشكل عاجل إلى المختبر واستبعاد الفرضيات المخيفة المرتبطة بالعدوى البكتيرية الشديدة، توصل الأطباء إلى التشخيص الحقيقي وراء هذه الظاهرة الفذة، والتي تُعرف طبياً باسم "السُلْفَهِيموجلوبينيميا" (Sulfhemoglobinemia).

​ما الذي حدث في جسد المريض؟

اتضح أن المريض كان يعاني من نوبات حادة ومتكررة من الصداع النصفي (الصداع العنقودي)، وكان يتناول دواء "سومابريتان" (Sumatriptan) – وهو دواء شائع لعلاج الصداع – بجرعات هائلة وغير مسؤولة وصلت إلى 200 ملغرام يومياً.

​التفاعل الكيميائي:

يحتوي الدواء في تركيبته على ذرات من الكبريت. أدى الإفراط الهائل في تناول الدواء إلى ارتباط عنصر الكبريت المرتفع بـ "حديد" خلايا الدم الحمراء وجزيئات الهيموجلوبين، مما أحدث تغييراً بنيوياً وكيميائياً جعل الجزيئات غير قادرة على عكس الضوء بالشكل الطبيعي، وحول لون الدم وتكوينه إلى مشتق أخضر اللون لا رجعة فيه إلا بتجدد الخلايا.  

​هل هي حالة قاتلة؟ وكيف انتهت؟

​على الرغم من غرابة المظهر المخيف للدم، إلا أن الحالة لم تكن مميتة. فقد أشار الأطباء إلى أن الجسم يمتلك قدرة ذاتية على تصحيح هذا الخلل عبر الدورة الطبيعية لتجدد خلايا الدم الحمراء (Erythrocyte turnover).  

​بمجرد توقف المريض تماماً عن تناول تلك الجرعات العالية والمفرطة من عقار "السومابريتان"، بدأت خلايا الدم الجديدة تحل محل الخلايا المصابة تدريجياً، وعاد لون دم الرجل إلى درجاته الحمراء الطبيعية تماماً في غضون أسبوعين.

​توصيف الحالة في تاريخ الطب الحديث

​أصبحت هذه الحادثة واحدة من أشهر الحالات المسجلة في أدبيات الطوارئ والتخدير عالمياً، وغالباً ما تُستدعى في الأوراق البحثية والمؤتمرات الطبية لتذكير الأطباء بأهمية التدقيق الموسع في التاريخ الدوائي للمرضى، وخاصة الأدوية التي تحتوي على مركبات الكبريت، لئلا تتحول غرف العمليات إلى مشاهد سينمائية تحبس الأنفاس.

​#نقاش_دوت_نت 



التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11626
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.