«حقل ألغام الصمت».. كيف يهدد الخوف من إساءة الفهم استقرار العلاقات الزوجية؟
منصة نقاش الإخباري
تاريخ النشر 15 أكتوبر 2026
في أروقة العيادات النفسية ومكاتب الاستشارات العائلية، يتردد صدى ظاهرة إنسانية متكررة تتجسد في الخوف الشديد الذي يتملك أحد الزوجين أو كلاهما من الإفصاح عن هواجسهم ورغباتهم وانزعاجاتهم للطرف الآخر، خشية أن يُساء فهمهم أو يُحمَّل كلامهم مدلولات بعيدة تمامًا عما أرادوا إيصاله.
يتحول العيش المباشر في العلاقة في أحيان كثيرة إلى ما يشبه المشي اليومي على قشور بيض هشة، حيث يسير المرء متأهبًا يحسب كل خطوة ويتملكها التحوط والوجل، مخافة أن تتهشم تلك القشرة فينفرط عقد التواصل أو ينفجر الطرف الآخر غضبًا وانهيارًا.
وينبع هذا الخوف المتراكم غالباً من انعدام الشعور بالأمان النفسي داخل البيئة الزوجية، أو من تبني تصورات مثالية مفرطة عن الذات والعلاقة، ترفض الخطأ وتتوقع منطقًا صارمًا يشبه لغة البرمجة التي تشغل الآلات، متناسين الطبيعة البشرية القائمة على السهو والخطأ والتعلم.
إن الإنسانية في جوهرها ترتبط بالقدرة على الخطأ والمخاطرة؛ فالخطأ لا يصدر إلا عن ذات حرة تملك إرادتها وقراراتها وتملك الشجاعة باختبار كلماتها وسلوكياتها وآثارها، وهو الميزة التي تفتح أمام الإنسان أبوابًا واسعة للتجربة والتعلم والراجعة والاعتذار، كما عبر عن ذلك الأديب الروسي فيودور دوستويفسكي بقوله "أنا إنسان لأنني أخطئ"، وكما يؤكده الحديث النبوي الشريف "كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون".
وتؤكد الدراسات النفسية المطولة التي تتبعت العلاقات الزوجية على مدى عقود أن كثرة الخلافات والنزاعات بين الأزواج ليست بالضرورة مؤشرًا على رداءة العلاقة أو اقتراب نهايتها، بل إن المؤشر الأقوى إحصائيًا والتنبؤي بالرضا والسعادة والاستقرار على المدى الطويل يتمثل في آليات حل الخلاف، وتحديدًا ما يتبعه من اعتراف بالخطأ واعتذار صادق وسطوح وتغمد للآلام بهدف التعافي.
ومن الأنماط الصحية المحورية لتثبيت أركان الأمان في العلاقات الزوجية، الفصل التام بين أزمات الماضي ومستجدات الحاضر، وعدم السماح بتسريب الطاقة السلبية السابقة إلى نقاط الخلاف الحديثة. ويظهر هذا المعنى النفسي الراقي في لفتة المفسرين عند الوقوف على آية "وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن" في سورة يوسف، حيث لم يستحضر نبي الله يوسف مسألة إلقائه في الجُّب كي لا يذكر إخوته بمرارة فعلتهم بعد العفو، وهو ما اختصره الإمام القرطبي في تفسيره بقوله "ذكر الجفاء في وقت الصفاء من الجفاء"، فالصفح الحقيقي يتطلب تجاوز التمنن بالمسامحة وتجنب فتح "دفاتر الحسابات" القديمة التي تعكر صفو الحاضر.
وقد كشفت الأبحاث العلمية في علم نفس العلاقات، ومنها دراسة صادرة عن جامعة أوهايو حول بنية الاعتذارات الفعالة، أن الاعتذار الذي يحقق أفضل نتائج في ترميم الثقة يتألف من عناصر تتطابق مع شروط التوبة لدى العلماء، وتتضمن التعبير الصريح عن الندم، وشرح الموقف دون اختلاق أعذار واهية، والاعتراف المباشر بالمسؤولية، والتعهد بعدم التكرار، وعرض خطوات عملية للإصلاح، وطلب العفو.
إن هذه السلسلة من تجارب التعبير الصريح، والتعرض لإساءة الفهم، ثم إصلاح التمزق والتعافي بعد الخلاف، هي السبيل الوحيد لبناء ثقة متينة تمنح الطرف الآخر الحق في الخطأ والاعتذار والعودة، ليكون الاعتذار جسرًا يقوي العلاقة ويجعلها أكثر سلامة وعمقًا مما كانت عليه قبل حدوث التمزق.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك