الفصل التاسع: ما تركه يوسف
استيقظ سعيد قبل المنبّه في صباح اليوم المحدد للقاء مجموعة من الجنود والضباط.
لم ينم جيدًا في الليلة السابقة، وظل طوال الليل يعيد في رأسه الكلام الذي سيقوله، ثم يمحو جملة ويستبدلها بأخرى، حتى صار يخشى أن يصل إلى القاعة ولا يجد كلمة واحدة تستحق أن تُقال.
لم يكن يخشى الحديث أمام الناس بقدر ما يخشى أن يخون الذين سيتحدث عنهم
يعرف أن الكلمات، مهما صدقت، لا تستطيع أن تعيد رجلًا إلى الحياة، ولا أن تحكي الحرب كلها كما جرت.
فالصمت، أحيانًا، يظلم أصحاب الذكريات.
نهض من سريره، ارتدى ملابسه ببطء، ثم وقف أمام المرآة.
لم يعد يرى الرجل الذي خرج إلى الحرب قبل سنوات.
ندبة صغيرة استقرت عند رأسه، لا تظهر إلا إذا اقترب من المرآة، وحركة يده اليسرى لم تعد طبيعية تمامًا، كما تغيرت وقفته قليلًا بسبب إصابة قدمه.
نظر إلى نفسه طويلًا.
ثم قال:
ــ كفاية بقى.
ابتسم.
للحظة شعر أنه يقولها ليوسف، كما لو أنه يقف أمامه ويطلب منه أن يتوقف عن الأسئلة
أخذ الدفتر ووضعه في حقيبته، وقبل أن يغادر تحدث مع أمه.
ــ صباح الخير يا أمي
ــ صباح النور، صحيت بدري ليه؟
ــ عندي اللقاء النهارده.
ــ متوتر؟
ــ شوية.
ــ ما تخافش.
ــ إنتِ اللي بتقولي لي ما أخافش؟
ــ أمال أقول لك إيه؟
ــ مش عارف.
ــ قول اللي في قلبك.
ــ لو لخبطت؟
ــ عادي.
ــ لو نسيت؟
ــ افتكر.
ابتسم.
ــ افتكرت إيه؟
جاء صوتها هادئًا:
ــ يوسف!
لم يجب.
كانت أمه تعرف متى تصمت، ومتى تترك الاسم يأخذ مكانه بينهما دون كلام.
ــ بس افتكر نفسك كمان.
دخل سعيد القاعة فوجد عددًا من الضباط والجنود يجلسون في صفوف متباعدة، وجوه يعرف بعضها، وأخرى لم يرها من قبل.
بين الحاضرين رجال عاشوا الحرب بأنفسهم، وشباب أصغر سنًا لم يعرفوا عنها إلا ما قرأوه أو سمعوه من آبائهم.
جلس سعيد في الصف الأمامي، ووضع حقيبته بجوار قدمه، ثم أخرج الدفتر.
فتح الصفحة الأولى.
ظل ينظر إليها لثوانٍ.
ثم أغلقه.
قال في نفسه:
ــ مش لازم أقول كل حاجة.
يكفي أن أقول الحقيقة.
بدأ اللقاء.
تحدث أحد المسؤولين عن أهمية نقل الخبرة من جيل إلى جيل، وعن الرجال الذين شاركوا في الحرب، وعن ضرورة ألا تتحول الذاكرة إلى مجرد تواريخ وأرقام وأسماء معارك.
استمع سعيد دون أن يشعر أنه جزء من خطاب رسمي.
كان يفكر في شيء أبسط.
في وجه يوسف.
بعد قليل جاء دوره.
وقف على المنصة.
نظر إلى الحاضرين.
لم يعرف من أين يبدأ.
مرّت ثوانٍ من الصمت، ولم يشعر أنها طويلة كما توقع.
ثم قال:
ــ أنا مش جاي أحكي لكم عن الحرب كأنها حكاية خلصت من زمان.
أنا جاي أحكي عن ناس كانوا هناك.
ناس كانوا بيخافوا، وبيضحكوا، وبيفتكروا بيوتهم، وبيسألوا إمتى الحرب هتخلص، وناس ما كانوش عارفين إذا كانوا هيرجعوا ولا لأ.
ساعات لما بنحكي عن الحرب، بنفتكر الخرائط والأرقام وأسماء المعارك، ودي حاجات مهمة طبعًا، بس أنا فاكر حاجات تانية.
أحد الرجال في الصف الثاني، يتابع سعيد بإهتمام.
ظهرت على وجهه ابتسامة خفيفة.
ــ فاكر جندي كان بيدوّر على سيجارة قبل الهجوم بدقايق، وواحد كان بيخبي صورة أمه في جيبه، وواحد تاني كان بيقول نكتة في وقت محدش فيه كان عنده مزاج يضحك
ضحك بعض الحاضرين
نظر إليهم سعيد، ثم قال:
ــ وده كان يوسف.
تغير وجهه قليلًا عندما نطق الاسم.
لكنه لم يتراجع.
ــ يوسف كان صاحبي.
سكت.
لم يذكر موته.
لم يحتاج إلى ذلك.
بعض الأسماء تأتي معها غياباتها كاملة.
ثم:
ــ يوسف كان بيخاف، زي أي حد، بس كان عنده حاجة غريبة... لما يخاف، يتكلم أكتر
ضحك رجل في الصفوف الخلفية.
ابتسم سعيد.
ــ وكان دايمًا يقول لي إن البحر بيحل كل المشاكل.
توقف لحظة.
وأنا كنت بقول له إن البحر ملوش دعوة بمشاكلنا.
ارتفعت ضحكات قليلة في القاعة.
ولم تكن الضحكة عابرة بالنسبة إلى سعيد.
للحظة، عاد يوسف كما عرفه.
رجلًا يضحك.
لا اسمًا على ورقة.
ولا صورة قديمة.
ولا جسدًا غاب.
مجرد رجل حي في ذاكرة من عرفه.
استمر سعيد في الحديث.
لم يرفع صوته، ولم يستخدم عبارات كبيرة.
حكى عن الخوف، وعن انتظار الأوامر، وعن أصوات القذائف، وعن اللحظات التي يضيق فيها العالم كله حتى لا يبقى أمام الإنسان سوى وجه واحد يتمنى أن يراه
وحين انتهى:
ــ أنا نجوت.
سكت قليلًا.
ــ وفي ناس ما نجتش.
رفع عينيه إلى الحاضرين.
ــ والنجاة مش معناها إن الواحد يبقى أفضل من اللي ماتوا، ولا معناها إنه كان أشجع منهم، أحيانًا النجاة مجرد نصيب.
ساد الصمت من جديد.
ــ لكن لما تنجو، بيبقى عندك مسؤولية.
لم يشرح ما هي المسؤولية.
لم يكن بحاجة إلى ذلك.
كل رجل في القاعة يستطيع أن يضع لها معنى من حياته.
شكرًا للسادة الحضور.
عاد سعيد إلى مقعده.
انتهى اللقاء بعد وقت طويل، وبدأ الحاضرون في الخروج.
اقترب منه شاب صغير السن.
ــ ممكن أسألك حاجة؟
ــ اتفضل
ــ إنت كنت خايف وإنت بتحكي؟
ابتسم سعيد.
ــ أيوه.
ــ ليه؟
نظر إليه لحظة:
ــ الكلام عن ناس بنحبهم مش سهل.
هز الشاب رأسه، ثم ابتعد.
جمع سعيد أوراقه، ووضع الدفتر داخل حقيبته.
ظن أن الأمر انتهى.
لكنه لم يكن قد انتهى بعد.
الرجل الذي كان يجلس في الصف الثاني اقترب من سعيد.
في أواخر الخمسينيات، بوجه هادئ، وعينين ظلتا تراقبانه طوال اللقاء.
:قال
ــ النقيب سعيد؟
ــ أيوه.
ــ ممكن دقيقة؟
ــ اتفضل.
نظر الرجل حوله.
لم يبق في القاعة إلا عدد قليل.
ــ أنا اسمي مصطفى سالم.
صافحه سعيد.
ــ أهلًا وسهلًا.
ــ أنا كنت معاكم في السويس.
توقف سعيد!
ــ في نفس موقعي؟
ــ أيوه.
ثبت سعيد نظره عليه.
ــ إنت كنت هناك؟
ــ كنت.
جلس الرجلان.
قال مصطفى:
ــ ما عرفتش إنك رجعت إلا من فترة قريبة.
ــ ما كنتش أعرف إنك موجود.
ابتسم مصطفى ابتسامة صغيرة.
ــ الحرب فرّقت ناس كتير.
سكت سعيد لحظة.
ثم سأل:
ــ كنت تعرف يوسف؟
هز مصطفى رأسه.
ــ كنت أعرفه.
ــ كنت تعرفه كويس؟
ــ مش زيك.
سكت قليلًا، ثم أضاف.:
ــ بس شوفته في اليوم ده.
تغيرت ملامح سعيد.
ــ آخر يوم؟
ــ أيوه.
شعر سعيد بنبض قلبه في صدره.
ــ إيه اللي حصل؟
رفع مصطفى عينيه إليه.
ــ أنا مش جاي أغير اللي حصل.
ــ أنا عارف.
ــ بس في حاجة يمكن ما تعرفهاش.
ــ إيه؟
ــ قبل ما يبدأ اللي حصل بوقت، يوسف كان بيتكلم عنك.
لم يتحرك سعيد.
ــ عني؟
ــ أيوه.
ــ قال إيه؟
ابتسم مصطفى قليلًا.
ــ كان بيقول إنك لازم ترجع.
خفض سعيد عينيه.
ــ قال لك كده؟
ــ قال لي ولواحد تاني كان واقف معانا.
صمت مصطفى لحظة، ثم قال.:
ــ وقال حاجة غريبة.
رفع سعيد رأسه.
ــ إيه؟
ــ قال:
(لو أنا حصل لي حاجة، سعيد مش هيسيب اللي ورايا)
لم يجد سعيد ما يقوله.
قرأ المعنى نفسه من قبل في رسالة يوسف.
لكن سماعه الآن من رجل وقف معه في ذلك اليوم جعل الكلمات مختلفة.
قال:
ــ ليه قال كده؟
ــ معرفش.
ــ قال لك حاجة تانية؟
ــ قال إنك بتحب تكتب.
ابتسم سعيد رغمًا عنه.
ــ كان بيقول كده دايمًا.
ــ وقال إنك لو رجعت، هاتحكي عن الحرب وعني للناس.
سكت سعيد.
ثم سأل:
ــ هو كان يعرف إنه ممكن يموت؟
نظر مصطفى إليه طويلًا.
ــ كلنا كنا عارفين إن ده ممكن يحصل.
ــ أنا بسأل عن يوسف.
تنهد مصطفى.
ــ ما أقدرش أقول لك إنه كان عارف إنه هيموت، محدش يعرف ده.
ــ لكنه كان هادي.
لم يتعجب سعيد الوصف.
ــ يوسف ما كانش هادي.
ضحك مصطفى.
ــ كان هادي على طريقته.
ضحك سعيد أيضًا.
ــ دي جملة صح.
سكت الرجلان.
ثم قال مصطفى:
ــ في حاجة تانية.
ــ إيه؟
ــ عندي صورة.
ــ صورة؟
ــ أيوه.
أخرج مصطفى محفظة صغيرة من جيبه، وفتحها، ثم أخرج صورة قديمة صغيرة باهتة الألوان.
ناولها لسعيد.
أخذها سعيد بحذر، كأنه يخشى أن يلمس شيئًا هشًا أكثر من الورق.
نظر إليها.
ظهر يوسف واقفًا بين مجموعة من الجنود.
لم يكن ينظر إلى الكاميرا.
كان يضحك مع رجل يقف بجواره
وفي الخلفية ظهرت أجزاء من الموقع.
شعر سعيد بشيء يتحرك في صدره.
سأل:
ــ دي إمتى؟
ــ قبل الحرب بأيام.
ــ مين اللي صورها؟
ــ واحد من الشباب.
ظل سعيد ينظر إلى الصورة.
ــ ينفع أخدها؟
ابتسم مصطفى.
ــ أنا جبتها عشان أديهالك.
ــ متأكد؟
ــ أيوه.
ــ دي تخصك.
عندي نسخة تانية.
ــ شكرًا
ــ أنا اللي بشكرك.
ــ على إيه؟
قال مصطفى:
ــ عشان خليتني أفتكر يوسف وهو بيضحك.
لم يعرف سعيد ماذا يقول.
صافحه مصطفى، ثم خرج.
وبقي سعيد وحده.
جلس ينظر إلى الصورة.
لم يكن فيها شيء بطولي.
وهذا بالضبط ما أحبه فيها.
يوسف مجرد رجل يقف وسط زملائه.
يضحك.
ينظر إلى شيء خارج الصورة.
كأنه سيغادر المكان بعد لحظات ويعود إليهم.
وضع سعيد الصورة داخل الدفتر.
ثم فتح الصفحة التي كتب فيها اسم يوسف.
ظل القلم في يده لحظة.
كتب:
(يوسف كان بيضحك في الصورة)
ظل ينظر إلى الجملة.
ابتسم.
أضاف:
(وأنا عايز الناس تفتكره كده)
أغلق الدفتر.
عاد سعيد إلى البيت.
وضع الصورة في جيبه، ولم يخبر أمه عنها فورًا.
دخل البيت، وضع حقيبته، ثم جلس.
سألته.
ــ خلصت؟
ــ أيوه.
ــ عملت إيه؟
ــ حكيت.
ــ وخفت؟
ــ شوية.
جلست إلى جواره.
ــ والناس سمعتك؟
ــ آه.
سكتت لحظة ثم سألت:
ــ ذكرت يوسف؟
ــ أكتر مما كنت متوقع
ــ كويس
أخرج سعيد الصورة من جيبه وناولها لها.
أخذتها وظلت تنظر إليها.
ثم قالت:
ــ الله يرحمك يا ابني؟
ــ الله يرحمه.
ظلّت تحدق في الصورة.
ــ كان شكله صغير.
ــ كانت قبل الحرب.
ــ كان بيضحك.
ابتسم سعيد.
ــ كان بيضحك كتير.
أعادت الصورة إليه.
في تلك الليلة لم يكتب سعيد.
وضع الصورة على مكتبه، وظل ينظر إليها من بعيد.
ثم جاءه سؤال لم يكن عن يوسف.
كان عن نفسه.
ماذا سيفعل بكل ما عرفه؟
هل يكتب كتابًا؟
هل يحتفظ بالدفتر؟
هل يترك الأوراق في درج حتى تنساها الأيام؟
ظل السؤال معه طويلًا.
وكان يعرف شيئًا واحدًا.
الحكايات حبيبسة الأدراج تموت ببطء.
في صباح اليوم التالي، اتخذ قراره.
ذهب إلى مكتبة صغيرة في شارع النبي دانيال.
لم تكن المكتبة كبيرة، مجرد محل ضيق تملؤه الكتب القديمة، تفوح منه رائحة الورق والغبار.
كان صاحبها رجلًا في الستين يُدعى عم عبد الرحيم.
عرفه سعيد منذ سنوات.
دخل.
رفع الرجل رأسه، وما إن رآه حتى ابتسم.
ــ سعيد!
ــ سعيد ياعم عبد الرحيم.
ــ إنت اختفيت فين يا ابني؟
ــ كنت مسافر.
ــ مسافر فين؟
ــ في الدنيا.
نظر عبد الرحيم إلى يده، ثم إلى وجهه
فهم أشياء كثيرة دون أن يسأل عنها.
ــ سمعت.
ــ الحمد لله.
ــ حمد لله على السلامة.
جلس سعيد أمامه.
ثم قال:
ــ عايز أسألك سؤال.
ــ اسأل.
ــ لو واحد عايز يكتب حكاية حصلت له، يبدأ إزاي؟
ابتسم عبد الرحيم.
ــ يكتب.
ضحك سعيد.
ــ أنا عارف إنه يكتب، بس أقصد يبدأ منين؟
ــ من المكان اللي فاكره.
ــ ولو الذاكرة ناقصة؟
ــ يبقى يكتب اللي فاكره، ويقول إنها ناقصة
سكت سعيد.
تأمله عبد الرحيم قليلًا ثم سأل:
ــ ليه؟ ناوي تكتب؟
ــ يمكن.
ــ عن إيه؟
ــ عن الحرب.
ظل عبد الرحيم صامتًا لحظة.
ثم قال:
ــ اكتب عن الناس.
ــ الناس؟
ــ الحرب كل الناس بتتكلم عنها، لكن كل واحد بيشوفها بشكل مختلف.
هز سعيد رأسه.
كان هذا بالضبط ما يشعر به.
قال:
ــ عندي دفتر.
ــ كويس.
ــ وفيه أسماء.
ــ تمام.
ــ وفيه حاجات مش عارف أقولها.
ــ اكتبها لنفسك الأول.
ــ وبعدين؟
ــ لما تخلص، قرر إذا كانت تستاهل تتقال للناس.
ابتسم سعيد
ــ إنت لسه زي ما إنت.
ضحك عبد الرحيم.
ــ وإنت لسه بتسأل كتير.
خرج سعيد من المكتبة.
هذه المرة لم يكن القرار مجرد فكرة.
لن يكتب عن الحرب كلها.
ولن يدّعي أنه يعرف ما حدث في كل مكان.
سيكتب عن المكان الذي عاش فيه.
عن الرجال الذين عرفهم.
عن الخوف الذي رآه في عيونهم.
عن الضحك الذي ظهر في أصعب الأوقات.
عن يوسف.
وعن الأيام التي غيّرتهم جميعًا.
وعن الرجل الذي مات في الأوراق، ثم عاد في جسده، ليكتشف أن أصعب ما في النجاة ليس أن تبقى حيًا، بل أن تعرف ماذا تفعل بالحياة التي بقيت لك.
عاد إلى بيته.
جلس إلى مكتبه.
أخرج الدفتر.
وضع الصورة إلى جواره.
فتح صفحة جديدة.
كتب في أعلاها:
«الشهيد الحي»
ظل ينظر إلى العنوان.
لم يعرف من أين جاءت العبارة.
ربما من الأيام التي قيل فيها إنه مات.
وربما من اللحظة التي خرج فيها من بين الموتى.
وربما لأن يوسف نفسه ظل حاضرًا في حياته رغم غيابه.
ظل القلم بين أصابعه
ثم كتب:
(أنا سعيد محمد الصباغ
قالوا إنني مت
وأنا كنت أظن أن الحكاية انتهت
لكنني اكتشفت أن الموت ليس دائمًا نهاية الحكاية، وأن بعض الأحياء يحملون معهم جزءًا من الذين رحلوا)
ثم أكمل:
(هذه ليست حكاية رجل عاد من الموت فقط
إنها حكاية رجل تعلّم أن يعيش بعده)
رفع رأسه.
ظهر البحر من نافذة الغرفة.
وللمرة الأولى، لم يشعر أن يوسف بعيد.
كان هناك في الصورة.
في الرسالة.
في الكلمات.
وفي كل مرة يذكر فيها سعيد اسمه.
مد يده إلى الصورة.
وضعها داخل الدفتر.
ثم أغلقه.
وقبل أن يضعه في الدرج، سمع طرقًا على الباب.
رفع رأسه.
ــ مين؟
جاءه صوت من الخارج.
ــ أنا!
توقف سعيد...
صوت لم يسمعه منذ سنوات.
لم يكن صوت أمه.
ولا صوت أحد من زملائه.
كان صوت رجل يعرفه.
رجل ظن أنه خرج من حياته منذ زمن.
نهض ببطء واتجه إلى الباب.
فتح.
وجد الرجل واقفًا أمامه، يحمل ملفًا قديمًا
قال:
ــ آسف إني جيت من غير ما أقول لك.
ظل سعيد ينظر إليه.
ثم قال:
ــ إنت؟
ابتسم الرجل ابتسامة مترددة.
ــ أيوه.
رفع الملف قليلًا.
ــ جبت لك حاجة تخص يوسف.
لم يتحرك سعيد.
في تلك اللحظة ظن أن كل ما يمكن أن يعرفه عن يوسف قد قيل.
الرسالة وصلت.
والصورة عادت.
والذكريات أخذت مكانها.
لكن الرجل أضاف.:
ــ والحاجة دي... كانت موجودة عنده قبل الحرب.
انتقل بصر سعيد من وجه الرجل إلى الملف.
وظل واقفًا أمامه دون أن ينطق.
ثم عرف أن كل ما كتبه حتى الآن لم يكن سوى بداية.
وأن هناك شيئًا واحدًا عليه أن يفعله قبل أي كلمة أخرى.
أن يفتح الملف.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
نهاية الفصل التاسع.

التعليقات
أضف تعليقك