من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الفصل العاشر والأخير: البحر ينتظر يوسف

عادل التوني
الفصل العاشر والأخير: البحر ينتظر يوسف



ظل سعيد واقفًا عند الباب لحظات، ينظر إلى الرجل أمامه، ثم إلى الملف البني الذي يحمله.

لم يعرف لماذا شعر أن هذا الملف لا يحمل أوراقًا فقط.

يحمل شيئًا من الماضي.

وربما شيئًا من يوسف.

تأمل الرجل جيدًا، ثم عرفه.

محمود عبد الحميد.

الرجل نفسه الذي حمل إليه، منذ زمن بعيد ، رسالة يوسف التي وصلت متأخرة، بعد أن سارت الحرب في طريق آخر.

لم يكن محمود صديقًا قريبًا، لكنه لم يكن غريبًا أيضًا.

ــ إيه اللي جابك في الوقت ده؟

ــ كنت لازم أجي لك بنفسي.

ــ أهلًا وسهلُا، معلش المفاجأة لخبطتني.


دخل محمود، ووضع الملف على الطاولة. 

ــ قلت لك قبل كده إن عندي حاجة تخص يوسف.

ــ أيوه.

ــ بس الحاجة دي ما كانتش معايا وقتها.

نظر سعيد إلى الملف.

ــ وإيه هي؟

دفع محمود الملف نحوه ببطء.

ــ ده كان موجودًا في متعلقات يوسف.

لم يمد سعيد يده فورًا.

ظل ينظر إليه.

عرف منذ زمن أن الإنسان قد يعتاد الحزن، لكنه لا يعتاد ما يأتيه من الماضي على غفلة

بعض الأشياء لا تنتهي حين نغلقها.

تظل مختبئة في ورقة، أو درج، أو صندوق، ثم تعود في الوقت الذي لا نتوقعها فيه.

جلس سعيد.

مد يده إلى الملف وفتحه.

في الداخل صورة قديمة، وأوراق قليلة، ومفكرة صغيرة ذات غلاف داكن، مهترئة الأطراف، اصفرّ ورقها بفعل الوقت.

أمسك الصورة أولًا.

كان يوسف واقفًا وسط مجموعة من الجنود.

يضحك.

توقفت عينا سعيد عند ابتسامته.

الابتسامة نفسها التي عرفها في الإسكندرية، قبل الحرب، وقبل الزي العسكري، وقبل أن يصبح الموت حاضرًا في كل حكاية بينهما.

قلب الصورة.

وجد خلفها تاريخًا قديمًا، وكلمات قصيرة بخط يوسف.

(إلى سعيد، لما نرجع) 

ظل سعيد ساكنًا.

محمود:  

ــ الورق ده ظهر بعد الحرب بسنين، كان ضمن متعلقات انتقلت من مكان لمكان، وبعدها دخل أرشيف قديم، ولما لقينه افتكرتك.

لم يرد سعيد.

مد يده إلى المفكرة.

كانت صغيرة، بالكاد تتسع لكفه.

فتح الصفحة الأولى.

وجد اسم يوسف في أعلاها، وتحته تاريخ.

قلب الصفحة.

بدأ يقرأ.

لم تكن مذكرات كاملة.

شذرات قصيرة، ملاحظات، أسماء، مواعيد، وكلمات كتبها يوسف في أوقات مختلفة

قرأ:

(أمي قالت لي النهارده: ارجع لي سالم)

تحتها مباشرة.

(قلت لها: حاضر)

ابتسم سعيد رغمًا عنه.

ــ كان يقول لي نفس الكلام.

قالها بصوت منخفض.

نظر محمود إليه.

ــ عارف.


قلب سعيد الصفحة.

وجد يوسف يكتب عن سعيد.

(سعيد شايل نفسه زيادة عن اللزوم، فاكر إنه لازم يبقى قوي طول الوقت، نفسي أقوله إن الواحد ممكن يخاف، وممكن يتعب، ومش عيب)

توقفت يد سعيد.

أعاد قراءة السطر.

مرة.

ثم مرة أخرى.

أغلق عينيه للحظات.

كم مرة ظن أنه يعرف يوسف أكثر من أي شخص؟

وكم مرة اكتشف بعد رحيله أن يوسف كان يعرفه أكثر مما تخيل؟

فتح عينيه وأكمل.

وجد يوسف يكتب عن أمه، وعن البحر، وعن الإسكندرية، وعن الطعام الذي يشتاق إليه، وعن زملائه، وعن رغبته في العودة.

وكتب عن الحرب دون خطب كبيرة.

عن الخوف.

الأرق.

انتظار الأوامر.

عن أشياء صغيرة لا يلتفت إليها أحد، لكنها تبقى حين يرحل أصحابها.

ثم وجد اسم سعيد من جديد.

قرأ:

(لو حصل لي حاجة، ما حدش يقول لسعيد إنه قصّر)

(هو هيعمل كده من نفسه)

رفع سعيد رأسه.

ــ محمود.

ــ نعم؟

ــ أنا عشت سنين وأنا فاكر إني السبب.

لم يرد محمود.

تابع سعيد.

ــ كل ما افتكر اليوم ده أقول: لو كنت منعته... لو كنت أمرته يستنى... لو كنت وصلت قبله... لو.......

محمود بهدوء:

ــ لو تدخل عمل الشيطان، وكمان الحرب خلصت من زمان يا سعيد.

ــ الحرب خلصت هناك

وضغط بيده على صدره.

ــ جوايا ما خلصتش.

نظر محمود إلى المفكرة.

ــ يمكن عشانك كنت مستني إجابة مش موجودة.

ظل سعيد صامتًا.

قلب الصفحة التالية.

قرأ:

(سعيد لو رجع، لازم يفهم حاجة واحدة، اللي يموت في الحرب مش بيختفي، الناس هي اللي بتخليه يختفي لما تبطل تفكره)


محمود:

ــ أنا جبت لك الورق ده علشان تكمله

ــ أكمله إزاي؟

ــ تقريبًا إنت بدأت تكتب.

نظر سعيد إلى دفتره.

صفحات كثيرة امتلأت بالحكايات، لكنه ظل مترددًا في أن يسمي ما يكتبه كتابًا.

قال:

ــ أنا مش كاتب.

ابتسم محمود.

ــ اللي عاش اللي إنت عشته وفضل ساكت، هو اللي ممكن يبقى مش كاتب.

ساد الصمت.

عاد سعيد ينظر إلى المفكرة.

وفي تلك اللحظة لم يشعر بالحزن وحده.

شعر بشيء أثقل.

مسؤولية.

أغلق المفكرة، لكنه لم يعدها إلى الملف.

قال في تحدِ:

ــ هكتب.

ــ متأكد؟

ــ أيوه.

ــ حتى لو وجعك؟

ــ اتعلمت إن بعض الوجع لازم يتقال.


بعدها رحل محمود، وبقي سعيد وحده.

جلس إلى مكتبه.

وضع المفكرة القديمة أمامه.

وإلى جوارها صورة يوسف

ثم فتح دفتره.

ظل القلم بين أصابعه وقتًا طويلًا.

كتب في السنوات الماضية عن الحرب، وعن المستشفى، وعن العودة، لكنه كلما اقترب من يوم يوسف، توقف.

هذه المرة لم يتوقف.

كتب:

(كان يوسف جنديًا في صباح الحادي والعشرين من أكتوبر، خائفًا مثلنا جميعًا، لكنه مضى إلى واجبه رغم خوفه) 

 

واصل الكتابة.

عن الموقع.

عن الرجال.

عن أصوات الطائرات.

عن القذائف.

عن اللحظات التي يصبح فيها الإنسان عاجزًا عن التفكير إلا في أقرب شخص إليه

كتب عن يوسف وهو يرفض التراجع.

وعن اللحظة التي أصيب فيها.

وعن يده التي أوشكت على البتر.

وعن الكلمة الأخيرة التي سمعها.

ثم توقف.

ترك القلم والدفتر.

أسند ظهره إلى الكرسي.

أمامه ظهر وجه يوسف.

لا وجهه في لحظة الموت.

بل وجهه في الصورة.

يضحك.

وفجأة فهم ما ظل سنوات عاجزًا عن فهمه.

لقد ظل يرى يوسف من نهايته.

من الجرح.

من الدم.

من الموت.

وكأن تلك اللحظة تختصر الرجل كله.

بينما يوسف نفسه لم يكن لحظة موت.

كان حياة كاملة.

ابنًا.

صديقًا.

جنديًا.

رجلًا يحب البحر.

رجلًا يضحك حين يخاف.

يشتاق إلى بيته.

يحلم بالعودة.


فتح سعيد الدفتر من جديد.

مزق الصفحة التي كتب فيها عن الموت.

وبدأ من أول سطر.

(كان يوسف الجنزوري يحب البحر)

(البحر ينتظر يوسف)


ابتسم

وللمرة الأولى شعر أن الكتابة لا تقاومه.

كتب عن الإسكندرية.

طفولتهما.

المشاجرات الصغيرة.

الكتب التي كان سعيد يقرأها، وعن سخربة يوسف منها.

الحلم بالزي العسكري.

اليوم الذي جمعهما فيه الجيش.

الحرب.

الخوف.

الأصدقاء الذين لم يعودوا.

وعن الأمهات اللواتي انتظرن خلف الأبواب.


ثم كتب عن نفسه.

لأول مرة، لم يهرب من ضعفه.

كتب أنه خاف.

وأنه انهار.

وأنه سأل نفسه كثيرًا: لماذا أنا؟

كتب عن المستشفى.

الكفن.

الغرفة التي وضع فيها جسده بين الموتى.

عن النبض الذي عاد.

ثم كتب.

(قالوا إنني مت) 

(ووصل الخبر إلى أهلي قبل أن يصل جسدي إليهم)

(ثم عدت)

(لكنني أدركت أن العودة ليست مجرد أن تفتح عينيك، بل أن تعرف لماذا فُتحت عيناك)


توقف سعيد.

قرأ السطور.

ثم أكمل.

(لم أنجُ لأنني أفضل من الذين رحلوا، ولا بقيت لأنني كنت أشجع منهم، أنا فقط بقيت

ومن يبقَ، يحمل مسؤولية)


وضع القلم.

كانت الشمس قد بدأت تدخل من النافذة، ولم يشعر كيف مر الليل.

دخلت أمه الغرفة.

نظرت إليه، ثم إلى الأوراق الكثيرة أمامه.

ــ إنت لسه صاحي؟

التفت سعيد وابتسم.

ــ أيوه.

ــ كتبت طول الليل؟

ــ تقريبًا.

اقتربت من المكتب.

رأت صورة يوسف.

رفعتها.

ظلت تنظر إليها قليلًا.

قالت:

ــ هو كان بيضحك كثير؟

ــ جدًا.

ــ فاكر لما كان بييجي هنا ويقعد ياكل من غير ما يستأذن؟

ــ كان يعتبر البيت بيته.

أعادت الصورة إلى مكانها.

ثم نظرت إلى ابنها.

ــ خلصت؟

ــ لسه.

ــ هتخلص؟

نظر إلى الأوراق.

ــ المرة دي آه.

وضعت يدها على كتفه.

ــ خلصه يا سعيد.

ثم سكتت لحظة.

ــ يوسف كان مستنيك تكتب.

 

لكن شيئًا في داخله قال: هذا صحيح.

مرّت الشهور ببطء.

لم يعد سعيد يكتب كل يوم، لكنه لم يعد يهرب من الكتابة.

كلما تذكر شيئًا ناقصًا عاد إلى الدفتر.

تحدث مع زملائه القدامى.

سأل عن أسماء الذين رحلوا.

عن تفاصيل صغيرة لم تحفظها الكتب.

من كان يحب الشاي؟

من كان يكتب إلى أمه؟

من كان يضحك حين يشتد القصف؟

من كان يخاف من الظلام؟

من ظل يتحدث عن العودة حتى آخر لحظة؟

لم يكن يريد أن يصنع من الرجال أساطير.

كان يريد أن يعيد إليهم وجوههم.

كلما كتب اسمًا، بحث عن صاحبه.

وكلما ذكر شهيدًا، سأل عن أمه.

وكلما حكى عن رجل، حاول أن يعرف من كان قبل أن يصبح اسمًا في قائمة.


سأله أحد زملائه يومًا:

ــ إنت ليه بتتعب نفسك في التفاصيل دي كلها؟

سعيد:

ــ علشان الموت بياخد الاسم بسرعة، وأنا عايز أرجع للناس أصحابها.

نظر إليه الرجل دون أن يفهم تمامًا.

أضاف سعيد:

ــ لما تقول «فلان استشهد»، الجملة بتخلص بسرعة.

لكن لما تعرف إن فلان كان عنده بنت مستني يشوفها، وإنه كان بيحب الشاي، وإنه كان بيخاف على أمه، ساعتها تعرف إن اللي مات كان إنسانًا كاملًا، مش اسمًا في ورقة.

سكت الرجل وقال.

ــ يمكن عندك حق.

ابتسم سعيد.

ــ مش موضوع حق، دي حكايات ناس.


بعد عام تقريبًا، وضع سعيد القلم جانبًا.

انتهى الكتاب.

لم يصدقه في البداية.

ظل يقلب الصفحات، يقرأ من البداية، يعود إلى منتصفها، ثم يتوقف عند أسماء يعرفها وحده.

فتح الصفحة الأولى.

قرأ العنوان.

(الشهيد الحي)

دخلت أمه

ــ خلصت؟

ابتسم

ــ أيوه

ــ وسميته إيه؟

ناولها الدفتر.

قرأت العنوان.

ثم رفعت عينيها إليه

ــ الشهيد الحي؟

ــ أيوه.

ــ إنت بتكلم عن نفسك؟

ــ عني وعن يوسف.

ــ إزاي؟

ــ أنا رجعت من الموت، يوسف ما رجعش.

سكت قليلًا.

ــ أنا حي بجسمي، لكن جزء كبير من حياتي بقى مرتبط باللي ماتوا.

نظرت أمه إلى العنوان.

ــ يبقى العنوان مش عنك لوحدك.

ــ لأ.

ــ عنهم كلهم.

ــ بالضبط.


حين حمل النسخة الأولى من الكتاب، لم يذهب إلى احتفال.

جلس أمام البحر.

كان المكان هادئًا.

الموج يجيء ويعود.

والناس تمسير على الشاطئ دون أن تعرف شيئًا عن الرجل الجالس هناك أو عن الحكايات التي حملها سنوات طويلة.

وضع الكتاب إلى جواره.

وأخرج صورة يوسف.

ظل ينظر إليها.

ثم قال:

ــ فاكر وعدنا؟

لم ينتظر إجابة.

لكنه تكلم كأن صديقه يجلس إلى جواره.

ــ قلنا هنرجع نقعد هنا.

إنت رجعت قبلي للبحر بروحك.


نظر إلى البحر

ــ بس أنا جيت زي وعدنا.

أخرج سيجارة وأشعلها.

ثم ضحك وحده.

ــ فاكر آخر سيجارة؟

لم يعرف هل احتفظ يوسف يومًا بآخر سيجارة كما قال أم لا.

لكنه ظل يتخيله يفعل.

جلس سعيد صامتًا.

هذه المرة لم يذكره البحر بالموت.

ذكّره بالحياة.

بطفولته.

بصديقه.

بالوعود الصغيرة التي لم تعرف الحرب أنها ستصبح يومًا أغلى من كل شيء.

فتح الكتاب.

قرأ الصفحة الأولى بصوت منخفض.

(أنا سعيد محمد الصباغ، قالوا إني مت، ثم عدت، لكنني لم أعد وحدي، عاد معي الذين لم يستطيعوا العودة، حملت أسماءهم في قلبي، ووجوههم في عيني، وحكاياتهم في يدي، ومنذ ذلك اليوم فهمت أن بعض الناس يموتون مرة واحدة، لكن أثرهم يبقى حيًا في حياة من عرفهم، يوسف واحد منهم، لكنه ليس الوحيد. ) 


أغلق الكتاب.

نظر إلى البحر طويلًا.

ثم قال:

ــ يا يوسف.

توقف.

لم يجد حاجة إلى كثير من الكلام.

ــ أنا حكيت.

ــ زي ما وعدتك، ولسه هاحكي.


ثم وضع الصورة داخل الكتاب.

ولأول مرة، حين نهض، لم ينظر خلفه.


مرت السنوات.

وصار سعيد يجلس أحيانًا أمام مجموعة من الشباب، يتحدث عن الحرب.

لم يحب المبالغة.


إذا سأله أحد عن الشجاعة قال.

ــ الشجاعة مش إنك ما تخافش.

الشجاعة إنك تعرف إنك خايف، وبرضه تعمل اللي عليك.

وإذا سأله أحد عن الموت، لم يعطه إجابة سهلة.

ــ الموت نهاية الإنسان، لكن مش بالضرورة نهاية أثره.

يفتح الكتاب.

يقرأ أسماء.

اسمًا بعد اسم.

وكان يحرص دائمًا على شيء واحد.

ــ ما تختصروش الناس في لحظة موتهم.

ولا كونهم رقم عابر.

افتكروا حياتهم.


أصبحت عادة

في آخر يوم من كل عام، يعود سعيد إلى البحر.

لا إلى البحر كله، بل إلى تلك البقعة التي كانت لقاءهما.

مكان وقف فيه يوسف يومًا، وضحك، ووعد.

لا يخبر أحدًا.

يأتي وحده، كأنه يخفي موعدًا مع غائب.

يجلس حيث كان يوسف يجلس.

ينظر إلى الموج، ثم لا يسأل لماذا جاء.

يكفيه أن المكان ما زال هناك.

وأن يوسف، في داخله، ما زال ينتظر.

يجلس وحده، ويترك للصمت مكانه.

 

وفي إحدى تلك الليالي، جلس على المقعد نفسه.

تقدم به العمر.

ابيضّ شعره، وازدادت الخطوط على وجهه.

أما يده اليسرى، التي خاف يومًا من فقدانها، فبقيت.

لم تعد كما كانت.

لكنها بقيت.

مرر أصابعه عليها.

ابتسم.

ــ حملت سلاح.

ــ وشالت صاحبي

ثم أخرج دفترًا صغيرًا.

كتب:

(اليوم تذكرت يوسف، ليس لأنني نسيت، لكن لأنني تعلمت أن التذكر لا يعني أن أبقى حزينًا، أحيانًا يكون الوفاء الحقيقي أن تعيش.) 


أغلق الدفتر.

رفع عينيه إلى البحر.

وأول مرة منذ سنوات طويلة، لم يبحث عن يوسف في الأفق.

لم ينتظر أن يخرج من بين الموج.

عرف الحقيقة التي قاومها طويلًا.


يوسف لن يعود.

لكن يوسف لم يختفِ.

ظل في الصورة.

وفي الرسالة.

وفي المفكرة.

وفي أمّ انتظرته.

وفي كل رجل عرفه.

وفي كل صفحة كتبها سعيد.

وفي كل شاب قرأ اسمه بعد سنوات.

ذلك ما بقي.

الأثر.

لا الجسد.

لا الصوت.

لا العمر.

الأثر الذي يجعل الإنسان، بعد رحيله، حاضرًا في حياة من لم يعرفه أصلًا.

عاد إلى بيته.

وضع الكتاب على الرف، إلى جوار كتبه القديمة.

رحلت أمه منذ سنوات.  

لكنه لم يشعر بالوحدة.

جلس أمام مكتبه.

فتح الصفحة الأخيرة.

(انتهت الحرب، لكن بعض الحكايات لا تنتهي، يموت الجسد، وتبقى اليد التي امتدت إلى صديق، لينتهي الصوت، وتبقى الكلمة، يرحل الرجل، ويبقى اسمه في قلب من أحبه، أما أنا، فقد كنت الرجل الذي قيل إنه مات، ثم عدت، ولم أفهم معنى عودتي إلا بعد سنوات، لم أعد لأثبت أنني نجوت، عدت لأشهد لمن لم ينجوا، عدت لأقول إن الذين دفناهم لم يكونوا أرقامًا، كانوا أبناء، وأصدقاء، وأحلامًا لم تكتمل، وكان يوسف واحدًا منهم.)  


توقف.

ثم واصل الكتابة:

(لهذا، حين يسألني أحد عن الشهيد الحي، لا أقول: أنا، أقول إنه كل من عاش بعد الفقد، ولم يسمح للنسيان أن يقتل من رحلوا مرة أخرى) 


اقترب من النافذة.

فتحها.

دخل الهواء.

وصلته أصوات الشارع.

بائع ينادي.

طفل يركض.

سيارة تمر.

حياة عادية.

ظل واقفًا يستمع.

ثم أدرك كم حُرم من قيمة هذه التفاصيل قبل أن يفقدها.

أن تستيقظ.

ترى الشمس.

تسمع صوتًا تحبه.

تمشي إلى البحر.

تعود إلى بيتك.

تضع يدك على جسدك فتجده ما زال معك.

كل هذه الأشياء الصغيرة صارت، بعد الحرب، شيئًا يستحق الشك.


ابتسم.

لأن الحكاية، بالنسبة إليه، لم تبدأ يوم مات يوسف.

بدأت يوم عرفه.

لم يعد يحمل يوسف كجرح.

صار يحمله كذكرى.

والفرق بين الاثنين كبير.


لم يعرف كم شخصًا سيقرأ كتابه، ولا كم سنة سيبقى اسمه على الغلاف، ولا إن كان أحد سيتذكره بعد زمن.

لم يعد ذلك مهمًا.

فعل ما استطاع.

شهد.

تذكر.

حكى.

أما يوسف، فبقي حيث أراد له سعيد أن يبقى.

في الحياة.

في الذاكرة.

في البحر.

وفي كل كلمة كُتبت عنه.

عندما يقف سعيد أمام البحر، بعد كل هذه السنوات، لم يقل شيئًا.

نظر إليه فقط.

الموج يجيء ويعود.

كما جاء دائمًا.

وكما سيظل بعده.

لكن سعيد لم يعد ينتظر أحدًا يخرج من البحر.

تعلم أن الذين نحبهم لا يعودون دائمًا بأجسادهم.

بعضهم يعود في صورة.

وفي اسم.

وفي حكاية.

وفي يد تكتب.

وفي قلب يرفض النسيان.


بقي يوسف.

وبقيت الحكاية.

أما الرجل الذي قيل إنه مات، فعاش.

ليس لأنه نجا وحده.

بل لأنه عرف أخيرًا ماذا يفعل بالحياة التي بقيت له.

ولهذا، لم يعد لقب «الشهيد الحي» يصف سعيد وحده.

صار يصف كل من حمل بعد الرحيل شيئًا من الذين غابوا، ثم مضى به إلى الحياة

وذلك ما يبقى بعد الرحيل.

البحر ينتظر يوسف

وما زال ينتظر.

ليس لأن يوسف سيعود.

بل لأن الحكاية لم تنتهِ بعد.


 

نهاية الفصل العاشر والأخير

(البحر ينتظر يوسف)

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11667
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.