من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

شاعر المفقود / قاسم الحاج – القرير (منحنى النيل)

بقلم: صلاح الدين عثمان
شاعر المفقود / قاسم الحاج – القرير (منحنى النيل)


المقدمة

ارتفع صوت الشاعر قاسم الحاج بمرثيةٍ في والده، فانسابت الكلمات من وجعٍ شخصي لتتحول إلى نهرٍ يفيض بالحنين، وتغدو علامةً في الذاكرة الجماعية.           

 

النص الشعري

ده في الظَّلامِ كباسٌ

ده البِفزعْ قبل يبكوا ويضيقوا الناسُ

يا جبَّارَ الكسورِ


ميزانُ الذَّهبِ يا أبَ كفَّةً راجحةً

أبوابُ مَسكنَك ليلًا والنَّهارُ فاتحةً

جبَّارُ الكسورِ


يا أسدَ الظَّلامِ يا أبَ ولدةً ناجحةً

صقرُ الخلا عينيك سلاحٌ جارحةٌ

البِموتُ في إيديك ما بيقروا لي الفاتحةَ

جبَّارُ الكسورِ


الدودُ النَّترُ صحي المرافعين خوفً

ده محشَّم قبيلتو البِسترَ المكشوفَ

إن شافك عدوك يرجفُ يغلبو الشوفَ

النارُ في الجسمِ والطَّعنةُ جوَّةَ الجوفِ

عشاي الجماعةِ يا مشبعَ الملهوفِ

يا جبَّارَ الكسورِ


ميزانُ الدهبِ يا الغالي وزنُه تقيلُ

يا أبَ صدرًا ركيزةً تب ما بغلبو الشيلُ

ده الدابي البِسم العاتي زي السيلِ

ستَّارُ العيوبِ حاشاهو ما قويلُ

وقتَ الناسِ تضيق يلفاها هجعةَ ليلٍ


الـتأويل

قوة المواجهة

ده في الظلام كباس

ده البفزع قبل يبكوا و يضيقوا الناس

يا جبار الكسور

الأب هنا هو اندفاع القوة في لحظة الخطر، كمن يقتحم الليل ليبدّد خوفه، ويمنع الضيق من أن يستفحل.           

حضوره وحده يكفي ليحول دون انهيار الجماعة، فهو الدرع الذي يسبق الصرخة ويمنع الانكسار.


العدل والكرم

ميزان الذهب يا اب كفةً راجحة

ابواب مسكنك ليل والنهار فاتحة

جبار الكسور

دارُه مفتوحة بلا استئذان، يلتقط حاجات الناس بعين يقظة، فيمدّ العون قبل أن تتحول إلى شكوى. 

حضوره يسبق الكلام، يردّ الحاجة في لحظتها، ويزرع الطمأنينة في القلوب. 

من حوله يشعرون أن الأمان مقيم، وأن اليد الممدودة لا تغيب عنهم في ساعة الارتباك.


البطولة والرهبة

يا اسد الظلام يا اب ولدةً ناجحة

صقر الخلا عينيك سلاح جارحة

البموت في ايديك ما بيقروا لي الفاتحة

جبار الكسور

رجلٌ يتقدّم الصفوف، فارسها الذي يواجه المكر بصلابة، يزرع في أبنائه بذور القوة، فيشبّون على صفاته ويقفون إلى جانبه مع الأيام.             

حضوره يتضاعف بهم، في قوةً واحدة، يتنفسون الحق في كل فعل، فيفيض أثرهم على من حولهم.                  

 

الحارس والساتر

الدود النتر صحي المرافعين خوف

ده محشم قبيلتو البستر المكشوف

ان شافك عدوك يرجف يغلبوا الشوف

النار في الجسم والطعنة جوه الجوف

عشاي الجماعة يا مشبع الملهوف

يا جبار الكسور

الرجل يجعل الفضيلة قوة تسري بين الناس، فتغدو حارسهم من تربص الفاسدين، وتنكسر شوكة من يحاول أن يفسد صفوفهم.        

حضوره يزرع الطمأنينة، ويجعل الجماعة متماسكة تردّ الظلم قبل أن يستفحل.

إضافة الى قيادة المبادرات التي تلبي الحاجة المجتمعية في بعد نظر وكفاية.    


الدعامة والسكينة

ميزان الدهب يا الغالي وزنو تقيل

يا اب صدراً ركيزة تب ما بغلبوا الشيل

ده الدابي البسم العاتي زي السيل

ستار العيوب حاشاهو ما قويل

وقت الناس تضيق يلفاها هجعة ليل


كل الأمور في حياة الناس تُوزن باعتدالٍ وحصافةٍ وتركيز، فلا يُترك حدث بلا موضع ولا تفصيل بلا عناية.          

الاهتمام يتسع لكل شاردة وواردة، يلاحق ما يطرأ من وقائع صغيرة وكبيرة، فيبقى الحضور يقظًا يحفظ انتظام الأيام ويمنع الفوضى من التسلل.           

وحين تتكالب الظروف وتشتد الضغوط، يظل الثبات قائمًا، يعالج الخلل بحكمةٍ ورشادٍ يفتحان الطريق أمام حلولٍ محسوبة، فتتحول اللحظة الصعبة إلى مجالٍ لإعادة التوازن، ويغدو المسار أكثر وضوحًا وقدرة على تجاوز العواصف.    

المبادرة لا تغيب، إذ تُقدَّم الحلول في وقتها، ويُصان الكرامة فلا يُرضى بالهوان، ويُحفظ السر فلا يتسرب من حياة الناس، لتبقى الجماعة متماسكة مطمئنة.       

وعند مواجهة الأخطار والكوارث، يكون الاستعداد حاضرًا، يتقدّم الصفوف ليحميها من الانكسار، فيرسّخ حضورًا يمنح الطمأنينة ويجعل الدعامة والسكينة ركيزةً ممتدة في مسار الحياة.


اشارة

الصور الشعرية تتراوح بين الملموس والمجاز: "ميزان الذهب"، "أسد الظلام"، "صقر الخلا"، "الدابي البسم العاتي زي السيل".           

هذه الصور تُحوّل الأب إلى كائن أسطوري، يجمع بين القوة والعدل، بين الحماية والرهبة، ليصبح رمزًا يتجاوز الفرد إلى الجماعة.                    

من أبرز الصور الرمزية في النص صورة الدود النتر التي تُجسّد حضور الأسد، رمز القوة المفاجئة التي تنهض لتفزع الأعداء، وصورة المرافعين التي تُعيد الذهن إلى الضباع، رمز الخوف والافتراس.          

هذه الثنائية تُجسّد الصراع بين القوة الحامية والخطر المتربص، وتجعل حضور الأب أشبه بعمودٍ تنهض به القبيلة، يردّ عنها العيب ويستر مكشوفها. 

بهذا، تتحول المرثية إلى مشهد أسطوري، حيث تنهض القوة لتفزع الضباع، فيغدو الأب رمزًا للكرامة والهيبة وسط الجماعة.


 الخاتمة

لم تعد مرثية قاسم الحاج مجرد كلماتٍ في رثاء، بل تحولت إلى مرآةٍ لوجدان السودان، حيث يتجسد الأب كرمزٍ للوطن والكرامة والبيت المفتوح، والركيزة التي ينهار برحيلها الجمع.          ارتفع صدى القصيدة كصرخةٍ جماعية تستحضر القيم التي ضاعت ورجالًا كبارًا غابوا، لتبقى شاهدًا على أن الحاجة إلى من يجبر الكسور ويعيد التوازن لا تنقطع.           

رحل الشاعر قبل أن يدخل السودان محنته الأخيرة، غير أن صوته ظل حاضرًا، يذكّر بأن العزاء الحقيقي يكمن في استعادة القدرة على النهوض، وفي البحث عن الدعامة التي تمنح السكينة وسط العواصف.             

يرحم الله الشاعر، فقد ترك لنا أثرًا يضيء الطريق ويُبقي القلوب على عهدها بالرجاء.


الإسكندرية 18 أكتوبر 2026م

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11673
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.