كم فكرة دفنتها لأنك خفت ألا تكون جيدة بما يكفي؟
في نيويورك، خلال خمسينيات القرن الماضي، كانت كاتبة تجلس كل صباح أمام آلة كاتبة، تملأ الصفحات بالكلمات، ثم تعود في اليوم التالي وكأنها تبدأ من جديد. لاحظ الكاتب جون كليري هذه الظاهرة لدى عدد من الكتّاب: أحيانًا، تكون هناك فجوة بين ما يكتبونه وما يدور فعلًا في عقولهم.
الفكرة هنا تستحق التأمل: قد لا تكون المشكلة في أفكارنا، بل في الرقابة التي نفرضها عليها قبل أن تخرج إلى النور.
حين نحاكم أفكارنا قبل أن تكتمل
نحن لا نفكر فقط، بل نراقب تفكيرنا أيضًا. نحذف ما يبدو ساذجًا، ونخفي ما قد يكشف ضعفنا، ونعيد صياغة مشاعرنا حتى تصبح مقبولة في أعين الآخرين.
تخيّل شخصًا يريد الكتابة عن تجربة آلمته، لكنه يتوقف بعد كل جملة ليسأل نفسه: هل أبالغ؟ هل أبدو ضعيفًا؟ ماذا لو قرأ أحدهم ما أكتب؟
ينتهي به الأمر إلى نص منمق، لكنه لا يشبه ما أراد قوله في البداية.
وهذا لا يحدث في الكتابة وحدها؛ بل في حياتنا أيضًا، حين نصمت خوفًا من الرفض، أو نخفي احتياجاتنا حتى لا نبدو ضعفاء، فنحرم أنفسنا من فهم ما نشعر به حقًا.
ماذا يحدث عندما نتوقف عن مراقبة أنفسنا؟
هناك أسلوب معروف باسم «الكتابة الحرة»، يقوم على الكتابة لفترة محددة دون التوقف المستمر للتصحيح أو التقييم.
عندما نؤجل الحكم على أفكارنا، قد نكتشف مشاعر وأسئلة لم نكن ننتبه إليها. ربما نبدأ بالكتابة عن موقف أزعجنا، ثم ندرك أن ما يؤلمنا حقًا هو شعور متكرر بعدم التقدير.
ليس معنى ذلك أن كل فكرة عابرة تكشف حقيقة خفية، لكن منح أفكارنا فرصة للظهور يساعدنا أحيانًا على رؤيتها بوضوح أكبر.
جرّب أن تستمع إلى نفسك
خصص عشر دقائق للكتابة دون توقف. لا تنشغل بجمال الأسلوب، ولا تمحُ الكلمات لأنها تبدو غير مناسبة. اكتب ما يشغلك كما هو، ثم اقرأ ما كتبت بهدوء، واسأل نفسك: ما الشعور الذي يتكرر هنا؟ وهل هناك شيء أتجنب الاعتراف به؟
لا تبحث عن إجابة مثالية، ولا تتعامل مع كل كلمة باعتبارها حكمًا نهائيًا على شخصيتك. الهدف أن تفهم نفسك، لا أن تحاكمها.
ربما لا تحتاج إلى أفكار أفضل، بل إلى رقابة أقل
نحن بحاجة إلى مراجعة أفكارنا، لكننا بحاجة أيضًا إلى مساحة نسمح فيها لأنفسنا بالتفكير دون محاكمة فورية.
فكم مرة تخلّيت عن فكرة لأنك خفت ألا تكون جيدة بما يكفي؟ وكم مرة أخفيت شعورًا لأنك لم تجد الكلمات المناسبة للتعبير عنه؟
امنح فكرتك فرصة لتكتمل قبل أن تحكم عليها. فقد لا تكون عاجزًا عن التعبير عما بداخلك، بل اعتدت أن تقاطع نفسك قبل أن تنتهي من الكلام.
والحديث لا يقتصر على الكتابة وحدها، ولكنه ممتد إلى كل أمر تحكم عليه قبل تجربته. خلقت الحياة للتجارب والتعلم منها، فقد تندم على ما لم تجربه لا على ما جربت.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك