من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

«خداع الضوء وزرع اللامرئي في شعر علاء عبد الهادي»ترجمة عربية للمقال النقدي للناقد الإيطالي دومينيكو بيسانا

ترجمة المقال من الإيطالية إلى العربية: شيرين النوساني
«خداع الضوء وزرع اللامرئي في شعر علاء عبد الهادي»ترجمة عربية للمقال النقدي للناقد الإيطالي دومينيكو بيسانا


ننشر فيما يلي الترجمة العربية للمقال النقدي الذي كتبه الناقد والشاعر الإيطالي دومينيكو بيسانا (Domenico Pisana)، ونشره موقع Radio RTM Modica الإيطالي، بعنوان:

L'inganno della luce e la semina dell'Invisibile nella poesia di Alaa Abdel-Hadi

ويتناول المقال بالتحليل قصيدتين للشاعر المصري علاء عبد الهادي، هما «الغُدْوَة» و«الغِراس»، من خلال قراءة نقدية تستكشف الأبعاد الفلسفية والجمالية في تجربته الشعرية، وتضيء رؤيته للعلاقة بين الوعي الإنساني والعالم، وبين المادة والفن، وبين المرئي واللامرئي.

وتأتي هذه الترجمة استكمالًا لتجربة نقل القصيدتين إلى اللغة الإيطالية، بما يتيح للنص الشعري العربي أن يلتقي قارئًا وناقدًا في فضاء ثقافي مختلف، ثم تعود القراءة النقدية إلى العربية لتفتح أمام القارئ العربي نافذة على كيفية تلقي شعره وتأويله خارج لغته الأصلية.

وتؤكد هذه التجربة أن الترجمة الأدبية ليست مجرد انتقال بين لغتين، بل هي جسر للحوار بين الثقافات، ووسيلة لإعادة اكتشاف النصوص من زوايا نقدية وجمالية متعددة.

النص الأصلي للمقال منشور عبر موقع Radio RTM Modica الإيطالي. 


─── 


خداع الضوء وزرع اللامرئي في شعر علاء عبد الهادي

بقلم: دومينيكو بيسانا (Domenico Pisana)

علاء عبد الهادي (القاهرة) واحد من أكثر الأصوات موثوقيةً وتعقيدًا في الأدب العربي المصري المعاصر. شاعرٌ وفيلسوفٌ في اللغة، وكاتب مقالات، ورئيس النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر. يجسّد علاء عبد الهادي شخصية المثقف الذي يجمع بين معرفة نظرية-نقدية راسخة ونَفَسٍ شعري ذي مصفوفة مفاهيمية واضحة.

بفضل ترجمة بعض قصائده من قِبل شيرين النوساني، الأكاديمية والمترجمة المصرية المتخصصة في الترجمة من الإيطالية إلى العربية والعكس، والأستاذة المساعدة في علم الترجمة بقسم اللغة والأدب الإيطالي بكلية الآداب جامعة حلوان (العاصمة)، نريد أن نتوقف عند نصّين للشاعر المصري مأخوذين من مجموعة «معجم الغين»، بعنوان «الغُدْوَة» و«الغِراس»، واللذين يبرز منهما الطابع الأسلوبي للمؤلف: شعرٌ غنائي-أبيجرامي، موسومٌ بجوهرية مضيئة، حيث يخفي المشهد اليومي الظاهري بنيةً ميتافيزيقية كثيفة.

أولًا: الغُدْوَة

البَشَرُ يُقْفِلُونَ العُيُونَ الجَائِعَةَ كَيْ تَنَامَ،

وَحِينَ يَنْهَضُونَ… يَمْنَحُونَ اللَّيْلَ…

فَرِيسَةً سَهْلَةً لِلضِّيَاءِ الْخَبِيثِ.

أَمَّا أَنَا فَلَمْ أَزَلْ…

أَمْسَحُ شُرْفَتِي،

فِي كُلِّ صُبْحٍ،

مِنْ بُقْعَةِ الضَّوْءِ… 


دُونَ جَدْوَى..! 


L'Alba

Gli uomini chiudono gli occhi affamati per farli dormire,

e quando si svegliano… consegnano la notte

in pasto alla luce infida.

Io, invece, continuo…

a ripulire il mio balcone,

ogni mattina,

da quella chiazza di luce… 


Invano…!

(Traduzione di Shirin Elnawasany) 


في هذا النص، يُوجز علاء عبد الهادي رؤيته الشعرية في فكرة ذات نَفَس فلسفي عميق: فما يبدو في الوجود الإنساني واضحًا أو مضيئًا أو مطمئنًا لا يتطابق دائمًا مع الحقيقة أو الخير، بل قد يخفي وهمًا أو تماثلًا يُفقر الروح.

يمنحنا مطلع القصيدة صورةً أنثروبولوجية واجتماعية (البشر يُغلقون العيون الجائعة لكي تنام): فبالنسبة للشاعر، يعيش الإنسان غالبًا حياته البيولوجية (النوم، الاستيقاظ) كآلة عضوية غير واعية، تحرّكها فقط الرغبات الأولية، وعاجزة عن التوقف للتأمل في المعنى العميق لأفعالها. وهذا هو النقيض التام لموقف علاء عبد الهادي، الذي يبقى متيقظًا ويختار أن «يقاوم» الضوء.

عند الاستيقاظ يتحقق الفعل المأساوي غير الملحوظ: «يمنحون الليل / فريسةً سهلةً للضياء الخبيث». وهكذا يُحدث الشاعر قلبًا للمواضعات الكلاسيكية، إذ يصف الضوء، المرتبط تاريخيًا بالحقيقة والمعرفة والحياة، ككيان «خبيث»، آكل، يفترس الليل، ويشرح كيف أن الفعل المنزلي اليومي المتمثل في تنظيف الشرفة لا ينبغي أن يُفهم على أنه إزالةٌ للغبار بل لـ«بقعة ضوء»، محوّلًا الشرفة إلى عتبةٍ حدّية بين العالم الداخلي للشاعر والخارج العنيف.

وتحمل خاتمة النص — «دون جدوى..!» — رسالةً فلسفية عميقة جدًا: فالصراع لإيقاف الزمن أو للحماية من الواقع الخارجي محكومٌ عليه بالفشل. ورغم الوعي بأن النهار والضوء سيأتيان على أي حال، فإن قيمة الإنسان تكمن في المثابرة على فعل المقاومة الخاص به، والحفاظ على رؤيته الواعية والمستقلة للأشياء.

ثانيًا: الغِراس

القصيدة الثانية، بعنوان «الغِراس»، هي حكاية رمزية فلسفية صغيرة تتأمل في طبيعة الفعل الإبداعي ودور الجمهور في تلقّي الفن. 


هُنَاكَ مَنْ يَأْكُلُ ثَمَرَةَ المَانْجُو سَرِيعًا،

لِأَنَّ ثَمَّةَ رَسَّامًا أَمَامَ الطَّبَقِ..

يَكْتَفِي بِحَمْلِ فُرْشَاتِهِ،

سَيَأْخُذُ مِنَ الثَّمَرَةِ أَلْوَانَهَا،

وَيَتْرُكُهَا بَيْضَاءَ.

كَانَتِ الأَصَابِعُ تَمْنَحُ الوَرَقَةَ رَحِيقًا،

وَمَعَ كُلِّ زَائِرٍ،

كَانَتِ العُيُونُ.. تَجْمَعُ مِنْهَا.. بِمَهَلٍ..

حَقْلَ مَانْجُو! 


La Semina

C'è chi mangia in fretta il frutto del mango,

perché davanti al piatto c'è un pittore…

che si limita a impugnare il pennello per

prendere dal frutto i suoi colori

lasciandolo bianco.

Le dita offrivano nettare al foglio,

e all'arrivo di ogni visitatore,

gli occhi… ne raccoglievano… con lentezza…

un campo di mango!

(Traduzione di Shirin Elnawasany) 


الموضوع المحوري لهذه القصيدة يحتفي بالقدرة التوليدية والتحويلية للفن تجاه المادة والإدراك البشري. يفتح علاء عبد الهادي بأبياته بعض المنظورات الجوهرية: التقابل بين الاستهلاك المادي والخلق الجمالي، ومفارقة الحرمان المثمر، ورؤية الفن كمورد لا ينضب (الـ«غراس» الحقيقي).

يلتقط الشاعر تمييزًا ليلفت الانتباه إلى أنه بينما ينظر الإنسان العادي إلى الواقع فقط كشيءٍ يُستهلك بسرعة وتُلبّى به حاجة جسدية أو فورية، فإن الفنان، على العكس، لا يستهلك الواقع بل يستخرج جوهره ليرفعه إلى مستوى آخر.

الرسّام، بالنسبة لعلاء عبد الهادي، يبدو في البداية وكأنه «يسلب» الشيء، منتزعًا منه الشكل والألوان حتى يتركه «أبيض»، لكن في الحقيقة هذا الحرمان المادي ليس تدميرًا، بل هو المرحلة الأساسية لنقل حياة المادة إلى الورقة («تمنح الأصابع الورقة رحيقًا»).

وبالتالي، يصبح لعنوان القصيدة («الغِراس») معنى، إذ يشير إلى أن الرسم يودع بذرةً غير مرئية تنبت في نظرة من يراقب. فإذا كانت الثمرة الحقيقية قد تُشبع شخصًا واحدًا ثم تختفي، فإن العمل الفني يتكاثر و«يُغرَس» في عيون كل زائر ليمنح حقل مانجو كاملًا، مقدّمًا جمالًا أبديًا وقابلًا للمشاركة إلى ما لا نهاية.

داخل هذا التنسيق الشعري، يجمع الشاعر في واحد:

أ) الإنسان العادي، الذي، محكومًا بالعجلة والخوف من الحرمان («يأكل سريعًا…»)، يمثل العلاقة النفعية والشرهة التي غالبًا ما يقيمها البشر مع العالم.

ب) الرسّام، الذي يتصرف بلا مبالاة ظاهرية («يكتفي بحمل فرشاته»)، مرتكبًا فعلًا شبه كيميائي، بمعنى أنه لا يرسم ببساطة ما يراه، بل يفرغ الثمرة الحقيقية من ألوانها لينفخ ذلك «الرحيق» في المادة الجامدة للورقة.

ج) الزوار (الجمهور)، الذين يمثلون اكتمال العمل، لأن نظرتهم ليست متعجلة كتلك التي تأكل، بل تتأمل «بمهل»، مما يسمح لمعجزة الفن بالتحقق.

من الناحية الشكلية، النص مبني على تشابك حسي ديناميكي؛ فالمصطلحات المرتبطة بالتذوق (الأكل، الثمرة، الطبق، الرحيق) تتلاشى بسلاسة وتوافق حسي في صور مرتبطة بالبصر (الرسّام، الفرشاة، الألوان، الأبيض، العيون، الحقل). كما يلعب إيقاع الأبيات دورًا حاسمًا: فالتسارع الأولي للاستهلاك المادي («سريعًا») يفسح المجال تدريجيًا للبطء التأملي للرؤية النهائية («تجمع منها… بمهل…»). والوقفات وعلامات الحذف تقود القارئ نحو الكشف عن الاستعارة الختامية، حيث تتوسع وحدة المادة الواحدة إلى فضاء لا نهائي وخصب: لم تعد ثمرة واحدة، بل «حقل مانجو» لا ينضب، وهي ثمرة في الثقافة العربية والشرق أوسطية (وخاصة في مصر) رمزٌ للوفرة والحلاوة.

خاتمة

في الختام، يكشف تحليل هذين النصين عن تعقيد الفكر الشعري لعلاء عبد الهادي. كلتا القصيدتين تنطلقان من رفض التلقي «الأعمى» أو «الفوري» للعالم؛ فإذا كان الشاعر في «الغُدْوَة» يرفض التكيف السلبي مع ضوء النهار، رافعًا فشله إلى كرامة المقاومة، فإنه في «الغِراس» يُظهر كيف أن المادة الفانية لا يمكن أن تتحرر وتصبح وفرةً لا نهائية إلا من خلال مرشح الخلق الفني. 


الترجمة الإيطالية التي أعدّتها شيرين النوساني تنجح في إعادة تجربة شعرية مفاهيمية بقوة للقارئ، حيث تعمل كل كلمة كأداة دقيقة فلسفيًا. 


─── 


المقال الأصلي باللغة الإيطالية:

L'inganno della luce e la semina dell'Invisibile nella poesia di Alaa Abdel-Hadi

رابط النشر الأصلي:

https://share.google/n5b0faMkGX4ZXrwc4 


#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11684
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.