عراقية ولكن رواية الكاتبة أمل حبيب ... كتابة ترش الملح على جراح الذات والوطن
" عراقية ولكن " هى الرواية الأولى للكاتبة الكندية عراقية الأصل أمل حبيب ، ولقد صدرت هذه الرواية عن دار نشر مكتبة الدكان خريف ٢٠٢٦ ، وجاءت هذه الرواية مثل طلقة مسدس حادة وسريعة ومستقيمة ونافذة لتصيب شغاف الروح مخلفة ألما ووخزا ووجعا لايطاق ، فمن خلال لغة بسيطة وسهلة ورؤية منحازة للإنسان جاءت رواية " عراقية ولكن " كوثيقة إدانة للقبح والعهر والتخلف والجهل والتطرف وكل مالايليق بالإنسان .
تدور أحداث الرواية فى العراق زمن إجتياح داعش لأراضيه من وقيامهم بقتل الرجال والشباب وأسر وسبى النساء إنطلاقا من مفاهيم مغلوطة وأفكار مدسوسة لاتمت إلى الدين الإسلامي بصله فقط ترفع شعاراته وتمارس فى ذات الوقت أفظع الأفعال وأشنعها من قتل وصلب وحرق واغتصاب وتدمير.

البطلة طفلة بريئة ليس لها علاقة بالسياسة ولا بالمذهبية ولاتعنى أساسا مفهوم الخلافات الفكرية فقط تلهو وتلعب وتحلم بمستقبل مشرق ، هذه الطفلة يتم إختطافها هى وأمها عنوة تحت تهديد السلاح وإقتيادها إلى مكان لاتعرفه وهناك يتم الفصل بين السيدات والفتيات والأطفال وعبثا تحاول البقاء مع أمها إلا أنها تواجه بالركل والضرب المبرح والإنتهاك وتضطر مرغمة على ترك أمها ، وفى هذه الجزئية تحديدا نجحت الكاتبة فى رصد سلوك الدواعش المرعب وتصرفاتهم البشعة بإسلوب يدمى القلب ويرش الملح الأجاج فوق جراح الذات والوطن الأمر الذى يجعل من هذه الرواية وثيقة إدانة ضد هؤلاء الهمج.
الكاتبة سردت كقصتها بضمير المتكلم وكأنها شاهد عيان على أفعال هؤلاء الأوغاد الشنيعة وبينت بطريقة سرد بسيطة وسهلة وكأنها يوميات إنسانة تمشى حافية على جمر الإختلاف هذا المفهوم الذى يغيب ويتوارى تماما أمام أفكار تتار العصر الحديث الذين يتصرفون وكأنهم حاملى مفاتيح الجنة والنار وملاك الحقيقة المطلقة ، فالبطلة عانت من الإستلاب والانتهاك ونهش الروح بل وفقد العذرية بسبب معتقداتها ، وعبثا حاولت الهرب لكن دون جدوى .
و نجحت الكاتبة فى رسم صورة لمجتمع داعش حيث تتشابه النساء فى لون الثياب ويتشابه الرجال فى السلوك فتصرفات الوحش الكبير - رب المنزل - تشبه تماما تصرفات الوحش الصغير -الإبن - ولاتختلف تصرفاتهما عمن إشتراها كجارية المكنى بأبى لظى ، فجميعهم يحركهم فكر واحد ويحكمهم مفهوم واحد ويتحركون بناء على رؤية واحدة ، فهنا حيث تتحكم افكار التكفير فى العقول وهنا حيث يرون أنهم هم الصواب وماعداهم هو الخطأ يصبح القتل طريقا إلى الجنة والسبى وسيلة للإرتقاء على مدارج النعيم .
كذلك نجحت الكاتبة فى الإيحاء للقارئ بأن الدين الإسلامي الصحيح بعيد كل البعد عن تصرفات هؤلاء الأوغاد فعلى مدار صفحات الرواية لم تذكر الكاتبة مطلقا أنها قد شاهدت أحدهم يصلى أو يقرأ القرآن أو يتعبد فقط طعام وشراب ومضاجعة وتدريبات على القتل ، وهذا يشى بأن الكاتبة تكتب بحرفية ومهارة ولديها وعى مدهش بأساسيات الفن الروائى وأصوله .
و جعلت الكاتبة من الأم وطنا عندما صورت حجم الضغط النفسى الذى ألم بها حينما تم إبعادها عن أمها قسرا فى إشارة من طرف خفى إلى تجذر الإنتماء وعمق الهوية وإستحالة إجتثاث هذه الشعوب التى استوطنت هذه الأرض منذ ألاف السنين .
وبالرغم من أن نهاية الرواية قد جاءت مستهلكة - فكرة وطريقة الهروب - على غرار افلام السينما المصرية وعلى الرغم من بعض الهنات البسيطة التى ظهرت فى بعض مواضع بالرواية مثلبعض الأخطاء الإملائية التى لم تتعد أصابع اليد الواحدة وإغراق الكاتبة أحيانا فى التقريرية والتسجيلية وغياب الشاعرية - ربما هذا بسبب نوعية الكتابة - إلا أن الكاتبة قد قدمت عملا روائيا ذى بناء متماسك أسقط ورقة التوت الأخيرة عن عوراتنا وكشف لنا بجلاء عن كمية التشوهات الرابضة فى أرواحنا وحجم التقيحات الساكنة فوق جسدنا المثخن بجراح الوهابية ، عمل يحفر عميقا فى سراديب الروح ويضع كل منا أمام مسؤلياته لمواجهة هذا الخطر المحدق بالارواح المنهكة .
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك