من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

لغة اللعاب والاحترام.. عندما تتحول "البصقة" في التراث الأفريقي إلى أسمى آيات التقدير والترحيب

نيروبي : " نقاش "
 لغة اللعاب والاحترام.. عندما تتحول

منصة نقاش الإخباري 

تاريخ النشر: 21 أكتوبر 2026


​في الوقت الذي تُعتبر فيه "البصقة" في معظم ثقافات العالم سلوكاً مرفوضاً ومهيناً يعبر عن الاشمئزاز أو الاستخفاف، تتخذ هذه الممارسة مفهوماً مغايراً تماماً وعكسياً في بعض مجتمعات شرق أفريقيا، وتحديداً لدى قبائل عريقة مثل "الماساي" وبعض المجتمعات المرتبطة بثقافة تقديس الرموز والبركات في كينيا وتنزانيا. فهناك، يتحول اللعاب إلى "رمز مقدس" يحمل أسمى معاني الاحترام، والتحية، وطلب البركة.

​البصق كتحية ومصافحة: "لا تهدر لعابك الثمين عبثاً"

​تُظهر الممارسات التقليدية لهذه القبائل أن البصق ليس مجرد فعل عشوائي، بل هو طقس دقيق ومنظم يخضع لقواعد اجتماعية صارمة. فعند لقاء الأصدقاء، أو الترحيب بالضيوف، أو حتى إبرام الصفقات وعقد الاتفاقات، يحرص أفراد القبيلة على البصق بخفة على أيديهم قبل مصافحة الطرف الآخر.

​ويعكس هذا الفعل دلالة عميقة مفادها أن اللعاب يُنظر إليه كجزء حيوي وثمين من طاقة الإنسان وروحه، وبالتالي فإن منح جزء منه للشخص المقابل يعد دليلاً قاطعاً على الترحيب الحار والتقدير المطلق والاعتراف بمكانته.

​طقوس مقدسة تتجاوز التحية العادية

​لا يقتصر استخدام هذه العادة على التحيات اليومية فحسب، بل يمتد ليشمل محطات مفصلية في حياة الأفراد، ومن أبرزها:

​التبريك للمواليد الجدد:

يعتقد أفراد هذه المجتمعات أن مدح المولود الجديد بكلمات صريحة ومباشرة قد يجلب له العين أو "الحظ السيء". ولتجنب ذلك، يلجأ الكبار أحياناً إلى التلفظ بصفات معاكسة أو البصق بخفة على المولود كنوع من الحماية الروحية ودرء الأرواح الشريرة، متمنين له عمراً طويلاً وحياة سعيدة.

​مباركة العرايس:

في مراسم الزواج التقليدية، يمارس الأب أو كبار العائلة طقساً خاصاً يقضي بالبصق على جبهة أو صدر العروس، في دلالة واضحة على الدعاء لها بالخصوبة، والتوفيق، والرزق الوفير في حياتها الزوجية الجديدة.

​بين الأصالة الثقافية وصدمة الحداثة

​مع الانفتاح السياحي الكبير الذي تشهده كينيا وتزايد أعداد الزوار الراغبين في استكشاف تفاصيل الحياة البرية والثقافية، غالباً ما يصاب السياح بصدمة حضارية عند التعرف على هذه العادات لأول مرة. غير أن المتخصصين في الأنثروبولوجيا يؤكدون أهمية النظر إلى هذه الممارسات من منظور ثقافي بحت، فهمها ضمن سياقها التاريخي والروحي يساعد على تفكيك الصور النمطية، ويبرز مدى تنوع البشرية في التعبير عن المشاعر الإنسانية النبيلة بأدوات قد تبدو للوهلة الأولى صادمة، لكنها تحمل في طياتها أسماً معاني الود والسلام.

#نقاش_دوت_نت 



التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11712
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.