من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

كيف يُصنع التغيير الحقيقي من بوابة بناء شخصية الفتاة وإعدادها للحياة ؟

القاهرة : خالد شحاتة
كيف يُصنع التغيير الحقيقي من بوابة بناء شخصية الفتاة وإعدادها للحياة ؟



​تنشغل النقاشات الاجتماعية والمحافل المجتمعية في كثير من الأحيان بالحديث عن حقوق المرأة وما تواجهه الفتاة من قيود أو مكتسبات، غير أن سؤالًا أسبق وأكثر عمقًا يفرض نفسه على ساحة التربية والوعي المعاصر: هل نُحسن بالفعل إعداد بناتنا للحياة؟

​إن المقاربة التقليدية التي تختزل متطلبات الفتاة في مجرد المأكل والمأوى والرعاية، أو حتى الاكتفاء بالدفاع عنها وحمايتها، باتت قاصرة عن مواكبة تحديات العصر. فالفتاة المعاصرة لا تحتاج فقط إلى رعاية وحماية، بل تحتاج بالدرجة الأولى إلى بناء الشخصية وغرس الثقة بالنفس، وإلى بيئة تُعينها على اكتشاف ملكاتها وتنمية مهاراتها الفكرية والقيادية.

​قراءة في عمق الأزمة التربوية: من الرعاية إلى التمكين

​تشير القراءات التربوية إلى أن بعض المجتمعات لا تزال تحصر نجاح الفتاة في أطر ضيقة ومعايير محدودة، مغفلةً القدرات الهائلة التي يمكن أن تقدمها من علم وفكر وإبداع وتأثير نافع في أسرتها ومجتمعها.

​ويرى خبراء الاجتماع والتربية أن خروج الفتاة إلى معترك الحياة بروح واثقة ومتزنة يحتاج إلى تحول جذري في فلسفة التربية المنزلية والمدرسية ، فالمطلوب ليس فقط تقديم التعليم الأكاديمي، بل تزويد الفتاة بمهارات تفكير نقدي، وشغف بالمطالعة، وقدرة على الحوار، وغرس شعور أصيل بأن لها دورًا ورسالة حضارية.

​كما يُشدد المربون على خطأ تربية الفتاة على الخوف الدائم من الفشل أو خشية نظرة الآخرين؛ إذ إن الشخصية الإنسانية لا تنمو ولا تنضج إلا عبر ممارسة التجربة وتحمل قدر من المسؤولية واتخاذ القرار.

​الأرقام تتحدث: العائد التنموي والاستثماري لتعليم وإعداد الفتاة

​تؤكد البيانات والتقارير الصادرة عن المنظمات الدولية الأجنبية أن تمكين الفتاة وإعدادها بشكل شامل ليس مجرد خيار تربوي، بل هو محرك أساسي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية العالمية:

​الخسائر الاقتصادية لغياب التعليم والتمكين:

تؤكد تقارير البنك الدولي (World Bank) أن عدم إكمال البنات لتعليمهن الثانوي يكلف العالم خسارات في الثروة البشرية والإنتاجية تتراوح بين 15 إلى 30 تريليون دولار على المدى الطويل.

كما تظهر الأرقام أن كل سنة إضافية تقضيها الفتاة في التعليم الثانوي تزيد من دخلها المستقبلي بنسبة تصل إلى 18% إلى 25%، وهو ما ينعكس مباشرة على انتشال أسر كاملة من خط الفقر.  

​الأثر المباشر على الأجيال القادمة وصحة الأسرة:

توضح بيانات منظمة اليونسكو (UNESCO) وصندوق الأمم المتحدة للسكان أن تعليم الأم وإعدادها الواعي ينعكس بشكل مباشر على المؤشرات الصحية والمجتمعية؛ حيث ينخفض معدل وفيات الأطفال دون سن الخامسة بنسبة تتجاوز 50% لدى الأمهات اللاتي أتممن التعليم الثانوي مقارنة بالأم غير المتعلمة.

كما تسهم الأم الواعية في رفع معدلات التغذية السليمة وتحسين مستويات التحصيل الدراسي لأبنائها.  

​المشاركة الاقتصادية واستثمار الطاقات:

تشير تقديرات مؤسسة ماكينزي العالمية (McKinsey Global Institute) إلى أن تحقيق المساواة في الفرص وتمكين المرأة من المشاركة الفاعلة يمكن أن يضيف ما يصل إلى 28 تريليون دولار للناتج المحلي الإجمالي العالمي ، فالأمم -كما تشير الأدبيات التنموية- لا يمكنها النهوض والاستدامة وهي تعمل بنصف طاقتها البشرية فقط.

​توازن القيم والمشاركة الإيجابية

​إن ما تحتاجه الفتاة اليوم ليس دخولًا في صراعات حادة مع المجتمع، بل الوصول إلى بيئة تربوية متوازنة تؤمن بإمكاناتها وتفتح أمامها آفاق النمو والتطور.

​ويكمن التحدي التربوي الأكبر في مساعدة الفتاة على الجمع المتوازن بين الاعتزاز بهويتها ودينها وقيمها الأصيلة، وبين المشاركة الإيجابية والفاعلة في بناء الحياة العصرية.

​إن إحسان تربية الفتاة يُمثل الاستثمار الأعلى عائدًا في تاريخ المجتمعات؛ فهو لا يبني فردًا واحدًا فحسب، بل يصنع أمهات ومربيات وصانعات قرار يُساهمن في بناء مستقبل أكثر وعيًا واستقرارًا واتزانًا للمجتمع بأكمله.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11713
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.