من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

محمود درويش هل هو شاعر قومي؟

د. محمد عبدالله القواسمة
محمود درويش هل هو شاعر قومي؟


كتب الدكتور عادل الأسطة يوم الأحد 11/10/2026م في صحيفة "الأيام" الفلسطينية، التي تصدر في مدينة رام الله في الأرض المحتلة مقالة بعنوان" سيمتد هذا الحصار إلى أن نعلم أعداءنا نماذج من شعرنا الجاهلي " وصف فيه الشاعر محمود درويش بأنه شاعر قومي.

كان هذا الوصف في ثنايا حديث الأسطة عن جرائم القتل في الأرض المحتلة، وقول درويش منذ عقود في"حالة حصار":

الشهيدة بنت الشهيدة بنت الشهيد

وأخت الشهيد وأخت الشهيدة كِنَّة

أم الشهيد حفيدة جد الشهيد

وجارة عم الشهيد الخ ... الخ...

ولا شيء يحدث في العالم المتمدن،

فالزمن البربري انتهى،

والضحية مجهولة الاسم، عاديّة

والضحية.. مثل الحقيقة... نسبية

لا شك في أن وصف درويش بأنه قومي يستوقف المهتم بشعر درويش والشعر الفلسطيني، وبخاصة عندما يصدر من أديب وناقد وباحث في الأدب الفلسطيني كرس جزءًا كبيرًا من جهده في دراسة شعر درويش. فهل يوصف درويش بأنه شاعر قومي؟ 

حقًا كتب محمود درويش قصائد أظهر فيها انتماءه العربي وبخاصة في قصيدته المشهورة "بطاقة هوية"، ثم في قصيدة "عاشق من فلسطين" وقصيدة "الرجل ذو الظل الأخضر" التي رثى فيها جمال عبد الناصر" بوصفه الزعيم العربي، الذي تبنى الدعوة إلى القومية العربية. لكن هل هذه القصائد تجعله شاعرًا قوميًا؟ 

في الحقيقة لا نستطيع وصفه بذلك لمجرد رثائه لعبد الناصر، أو لمجرد تحديه الاحتلال ومطالبته بالحرية والكرامة، أو إعلان الانتماء إلى أمته العربية. لقد بدا في القصائد الثلاث وطنيًا فلسطينيًا، وبدا فضلًا عن ذلك ذا خلفية ماركسية في قصيدته" بطاقة هوية"، فنلاحظ الحس الطبقي الشيوعي متجليًا فيها: 

سجِّلْ

أنا عربي

وأعملُ مع رفاقِ الكدحِ في محجرْ

وأطفالي ثمانيةٌ

أسلُّ لهمْ رغيفَ الخبزِ،

والأثوابَ والدفترْ

من الصخرِ

كما نلمح مثل هذا الحس في قصائد أخرى، يتداخل فيها الجانب الوطني بالجانب الاجتماعي القريب من اليسار، مثل قصيدة "الورد والقاموس" و"أحمد الزعتر". يقول من قصيدة "الورد والقاموس":

لا بد لي أن أرفض الورد الذي

يأتي من القاموس , أو ديوان شعر

ينبت الورد على ساعد فلاّح، وفي قبضة عامل

ينبت الورد على جرح مقاتل

وعلى جبهة صخر...

ويحافظ الشاعر في مراحله الشعرية كلها على تداخل الحس الوطني بالحس الإنساني العالمي، كما في قصائده: "جواز سفر"، و"على هذه الأرض"، و "ونحن نحبّ الحياة، و"فكّر بغيرك"، و"جندي يحلم بالزنابق البيضاء"، و" إلى أمي" وغيرها.

ففي قصيدة "جواز سفر" يجد الشاعر جنسيته في قلوب الناس، فاعترافهم به وتضامنهم معه أوسع من وثائق الجنسية. يقول: 

كل قلوب الناس... جنسيتي

فلتسقطوا عني جواز السفر!

وفي قصيدة "فكّر بغيرك" دعوة صريحة إلى الاهتمام بالآخرين الذين حرموا من السلام والأمن، ومنعوا من الكلام والطعام.  

وأَنتَ تُعِدُّ فطورك ’ فكِّرْ بغيركَ

   لا تَنْسَ قُوتَ الحمام

وأَنتَ تخوضُ حروبكَ، فكِّر بغيركَ

لا تَنْسَ مَنْ يطلبون السلامْ

وأَنتَ تُسدِّذُ فاتورةَ الماء، فكِّر بغيركَ

مَنْ يرضَعُون الغمامْ

ونلاحظ في قصيدة "جندي يحلم بالزنابق البيضاء" الاهتمام بالآخر مع أنه جاء ليقتله ويقتلعه من أرضه، فينظر إليه بأنه إنسان مثله يحلم بالسلام والبعد عن سفك الدماء.

          دخّن، ثم قال لي

        كأنه يهرب من مستنقع الدماء:

         حلمتُ بالزنابق البيضاءْ

         بغصن زيتونِ..

         بطائر يعانق الصباح

          فوق غصن ليمون..

    وفي قصيدة جدارية تواجه الذات الموت بالفن والذاكرة الإنسانية، وتستحضر التراث الإنساني في بلاد الرافدين وحوض النيل. ففي هذا التراث ما يعزز تجربة الشاعر ويغذيها؛ فهي جزء من التاريخ الإنساني المشترك .

    هَزَمَتْكَ يا موتُ الفنونُ جميعُها.

    هزمتك يا موتُ الأغاني في بلاد

    الرافدين. مِسَلَّةُ المصريّ، مقبرةُ الفراعنةِ،

    النقوشُ على حجارة معبدٍ هَزَمَتْكَ 

    وانتصرتْ، وأِفْلَتَ من كمائنك

    الخُلُودُ …

  وفي قصيدة "إلى أمي" مع أنها تتحدث عن تجربة شخصية تتعلق بالظرف الفلسطيني إلا أنها تلتقي مع المشاعر الإنسانية، التي تدور حول الحنين إلى الأم والبيت.  

أحنُّ إلى خبز أمي

وقهوة أُمي

ولمسة أُمي..

وتكبر فيَّ الطفولةُ

يوماً على صدر يومِ

وأعشَقُ عمرِي لأني

إذا مُتُّ ,

أخجل من دمع أُمي !

  وفي قصيدة "ريتا والبندقية" يتجلى الحب بين الشاعر وحبيبته في الجانب الآخر؛ فيصطدم بالحواجز المادية والنفسية فيتعكر سماؤه ويذوي. 

آه.. ريتا

بيننا مليون عصفور وصورة

ومواعيدُ كثيرة

أطلقتْ ناراً عليها.. بندقيَّة

      وفي قصيدة "خطبة الهندي الأحمر — ما قبل الأخيرة — أمام الرجل الأبيض" يتعاطف الشاعر مع تجربة شعب آخر، شعب الهنود الحمر، الذي يعاني مثل الشعب الفلسطيني من الاقتلاع والاستعمار.

   آهٍ، يا أَخْتِيَ الشَّجَرَةْ

لَقدْ عذَّبوكِ كما عَذَّبُونِي

فلا تَطْلبي الْمَغْفِرةْ

لحَطّابِ أمّي وأمِّكْ.. /

آهٍ، يا أَخْتِيَ الشَّجَرَةْ

لَقدْ عذَّبوكِ كما عَذَّبُونِي

فلا تَطْلبي الْمَغْفِرةْ

لحَطّابِ أمّي وأمِّكْ.. /

   ومن القصائد الأخرى التي تتجلى فيها النزعة الإنسانية قصيدتا: "ونحن نحب الحياة"، و"على هذه الأرض" في الأولى يبرز السطر الشعري "نحن نحبّ الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا"، وفي الثانية يبرز السطر الآخر:" على هذه الأرض ما يستحق الحياة" والسطران يعبران عن الرغبة الإنسانية في محبة الحياة مع توافر منغصاتها، ومحبة الأرض وجمالها بما تحمله من معنى يواجه الخراب. 

لعل هذا الطواف في شعر محمود درويش عبر مراحله المختلفة، التي بدأت في الستينيات من القرن الماضي تظهر (كما تبين لي) أن الشاعر محمود درويش انطلق في الأساس من تجربته الفلسطينية، ضمن انتمائه العربي وفكره الاجتماعي اليساري، خاصة في مرحلته الأولى إلى أفق إنساني عالمي يهتم بالإنسان حيث يكون، ويدعو إلى الحب والسلام، وتحقيق العدل، ويتغنى بجمال الحياة، ويتشكى من الاغتراب والمنفى والفناء والخراب.

  خلاصة القول وإجابة عن السؤال الذي جاء عنوان المقال، فإن درويش لا يوصف بأنه شاعر قومي بل بشاعر ذي أفق إنساني عالمي، ترسخت عالميته في خصوصيته الفلسطينية، التي انفتح من خلالها على أسئلة الوجود والثقافة الإنسانية المشتركة.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11720
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.