من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الضابط الغارق في صور الجمال الشعري

بقلم: صلاح الدين عثمان
الضابط الغارق في صور الجمال الشعري



المقدمة

أول دفعته في الكلية الحربية.

يخوض المعارك مع قلوب العذارى فتصرعه.

يعزف العود ويكتب أغانيه.

لاعب لكرة القدم في فريق الموردة.

قضى زمانًا في دار الأيام الصحفية.

بالزواج اعتزل المعارك وأتحفنا بالبرامج المتلفزة والمسموعة.

إنه الشاعر الراحل اللواء عوض أحمد خليفة ابن الموردة الأمدرماني.

نلتقيه في تحفته الغالية "خاطرك الغالي".


النص الشعري

دائماً أطيب خاطرك الغالي وأسامحك لو نسيت

ودعت من يهواك وقلبه بقربك مهما نأيت

كم مرّة كم حاول يفرّق بينا حاسد أو عزول

كم مرّة قالوا جنيت عليّ بدّلت ضو أيّامي ليل

لكنّي يا نور العذارى أنا ما بضيّع حبّي قول

تلقاني دائماً في رجاك وغنايَ في حبّك رسول

أسأل عليك الليل ونجمو وحتى أنوار الصباح

وكلّ طاير في سماهُ في شريعتو الحب مباح

أسأل مشاعرك عن هوانا وليه حنانك ليّ راح

خليتني في غاية الألم آمالي تذروها الرياح

حيران أسائل نفسي إيه كان السبب أصل الخصام

يمكن أكون في حقّك اتلوّمت في ساعة ملام

لكن دا ما معقول يكون أنا قلبي ليك حفظ الغرام

وما أظنّو من عرف الهوى يعرف عداوة مع السلام


التأويل

عنوان القصيدة (خاطرك الغالي)

إنها مفردة سودانية تعبّر عن موقف أخلاقي في المقام الأول.     

تشير إلى أن مراعاة شعور المخاطَب أهم من المطالبة بالحق المنقوص باللوم أو العتاب، فيكون السبيل هو المسامحة المسبقة، ويطيب بها نفس الملام.


الصفح الذي يفتح أبواب الطمأنينة

"دائماً أطيب خاطرك الغالي وأسامحك لو نسيت"

يضع الصفح سجية تستقر في نفس المحبوبة كلما اهتزّت العلاقة.  

إنه فعل يعيد بناء العاطفة ويمنحها القدرة على الاستمرار ويقاوم الخذلان. 

فالحب يُحفظ بالرحمة.


القرب الذي يتجاوز الغياب

"ودعت من يهواك وقلبه بقربك مهما نأيت"

العاطفة متقدة، تظل حاضرة رغم بُعد المسافة، في إعلان أن الوفاء أقوى من الغياب.  

فهي قادرة على تطويع القرب في كل مرة يوشك أن يضيع.        

إذن يصبح الحب أيقونة تطغى على المدى لا يمحوها البُعد.


مقاومة القوى المعادية للحب

"كم مرّة كم حاول يفرّق بينا حاسد أو عزول"

تعبير يدل على أن الحب معركة تُخاض بالصبر.       

فالعلاقات العاطفية تُهدَّد بالوشاية والقيل والقال بقدر ما تُهدَّد بالجفاء نفسه، لأن العاطفة تُبنى في الداخل كحصن لا يُخترق.    

إذن الحب لا ينكسر أمام ضغط الآخرين.


القطيعة مقام الظلم

"كم مرّة قالوا جنيت عليّ بدّلت ضو أيّامي ليل"

تم وضع الحبيبة في دائرة الاتهام، وأصبحت العلاقة في ساحة الخصام مما يعمّق الجراح.  

بين قطيعة وظلم اجتماعي يتضاعف الألم، فتحولت الحياة إلى ليل ممتد.


الغناء رسول العاطفة

"لكنّي يا نور العذارى أنا ما بضيّع حبّي قول

تلقاني دائماً في رجاك وغنايَ في حبّك رسول"

قالوا عنها سبب الظلمة، ولكن الحقيقة تجلّت ساطعة.       

الكلمات تُظهر أن المحب يبرّئها من كل اتهام، ومن ثم يصبح الغناء وسيلة لتثبيت هذا القبس. وتسمو العاطفة إلى عهد يتجدّد مع كل نغمة.


شهود الإثبات من الكون

"أسأل عليك الليل ونجمو وحتى أنوار الصباح

وكلّ طاير في سماهُ في شريعتو الحب مباح"

العاطفة تحوّلت إلى قضية عامة، تمتد لتشمل كل ما يحيط بالإنسان.   

الكون كله يصبح محكمة إثبات، يشهد فيها الزمن والطبيعة على صدق الحب، ويُعلن أن العاطفة محمية بشهود لا يمكن دحضهم، لأنهم من طبيعة الكون ذاته.


اضطراب مثير للدهشة

"أسأل مشاعرك عن هوانا وليه حنانك ليّ راح"

الصوت هنا يخرج من قلبٍ وفيّ، يريد أن يرى الحب حيًّا أمامه.      

احتجاج يطالب بعودتها لتشرق حياته بقربها.  

الغياب أثار الخلل في العلاقة.


الألم يطيح بالعلاقة

"خليتني في غاية الألم آمالي تذروها الرياح"

لقد وصل إلى أقصى درجات المعاناة التي باتت تنخر في ثبات العلاقة بينهما.


صوت ينبعث من الأعماق

"حيران أسائل نفسي إيه كان السبب أصل الخصام

يمكن أكون في حقّك اتلوّمت في ساعة ملام"

القلب يستشهد بالألم ويضعه دليلاً على قوة العاطفة.      

ينكفئ معاتبًا نفسه أنه السبب في القطيعة.     

هذا الانكسار لم يكن متوقعًا، فيفتش القلب عن سبب يبرّر ما حدث، فيزداد الاضطراب عمقًا.


جريرة الوجد

"لكن دا ما معقول يكون أنا قلبي ليك حفظ الغرام"

إنه على يقين بأن الوفاء سمة تؤكد ثبات العاطفة، فلا مجال لأثر عابر للعتاب أن يزعزع العلاقة بأي حال.


شهادة موثقة

"وما أظنّو من عرف الهوى يعرف عداوة مع السلام"

إقرار بأن الحب علامة للصفاء ووسيلة للعيش المشترك في استقرار وأمان.  

إذن هو بريء من كل عيب، في صلح دائم لكل من ذاق الحب.  

يؤكد أن جوهرة الحب تعانق جوهرة السلام، فتنتهي القصيدة بما بدأته من تسامح وفضيلة.


الخاتمة

يرحم الله الشاعر العوض وداعة الله أحمد خليفة، فقد ترك إرثاً أدبياً غنائياُ.


 الإسكندرية 22 أكتوبر 2026م

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11721
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.