من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

ثنائية التحرر والاستسلام: من الفزع الهوبزي إلى الحرية المنظَّمة

خالد بيومي
ثنائية التحرر والاستسلام: من الفزع الهوبزي إلى الحرية المنظَّمة

 


قراءة سوسيولوجية في رؤية زيجمونت باومان لفلسفة إميل دوركايم



منصة نقاش الإخباري 

تاريخ النشر: 23 أكتوبر 2026


يفتتح زيجمونت باومان في «الحداثة السائلة» (Liquid Modernity, 2000) معالجته لمسألة التحرر بسؤال يبدو بسيطاً في ظاهره: هل يُعدّ الخضوع للمجتمع نقيضاً للحرية أم شرطاً لها؟ وتتخذ الإجابة التي يستعرضها صورة مفارقة لافتة، إذ يُقدَّم الاستسلام للمجتمع بوصفه طريقاً إلى الانعتاق لا قيداً عليه. وتسعى هذه المقالة إلى تتبّع الجذور الفكرية لهذه الثنائية، وفحص حجتها عند دوركايم، ثم عرض أهم الاعتراضات التي وُجّهت إليها في الأدبيات الأجنبية، مع الاستعانة بنتائج دراسات تجريبية وتاريخية حديثة.

أولاً: الجذر الهوبزي أو فزع «الإنسان الطليق»

يعود باومان بهذه الرؤية إلى توماس هوبز (1588–1679) الذي صاغ في «اللفياثان» (1651) صورة «حالة الطبيعة» بوصفها حرباً للجميع ضد الجميع، حيث تكون حياة الإنسان، بعبارته الشهيرة في الفصل الثالث عشر، منعزلة وفقيرة وقذرة ووحشية وقصيرة.

ولا تقوم هذه الصورة على ملاحظة تاريخية بقدر ما هي افتراض فلسفي مفاده أن الإنسان، حين تغيب السلطة القاهرة، تحكمه الرغبة والخوف والتنافس على المكاسب والأمن والمكانة.

ومن هنا يتولد ما يسميه باومان «الفزع الهوبزي»، وهو خوف مسبق من الفرد غير المقيَّد، يجعل كل تحرر من القيود الاجتماعية مظنةً للانفلات لا للحرية.

وعلى هذا الأساس يصبح الإكراه الاجتماعي حماية للإنسان من نفسه قبل أن يكون حماية للآخرين منه.

ثانياً: دوركايم ومفارقة الحرية المنظَّمة

نقل إميل دوركايم (1858–1917) هذا الافتراض من فلسفة السياسة إلى علم الاجتماع ، ففي «تقسيم العمل الاجتماعي» (1893) ثم في «الانتحار» (1897) طوّر مفهوم الأنومي (Anomie)، أي حالة انهيار المعايير أو ضعفها حتى لا يجد الفرد ما يهتدي به في رغباته ومقاصده.

ويرى دوركايم أن الرغبات الإنسانية لا حدّ طبيعياً لها، وأن المجتمع وحده يضع لها سقفاً مقبولاً، وإذا غاب هذا السقف عانى الفرد من اضطراب لا ينتهي.

ويبلغ هذا التحليل ذروته الإمبريقية في دراسته لأنواع الانتحار الأربعة: الأناني والإيثاري والأنومي والقدري. فقد لاحظ أن معدلات الانتحار الأنومي ترتفع في فترات الأزمات الاقتصادية وفي فترات الازدهار المفاجئ على السواء، أي كلما اختلّ الإطار المعياري الذي يضبط توقعات الأفراد، وبذلك تتحول الحرية المطلقة من وعد بالسعادة إلى مصدر للمعاناة.

ويقابل ذلك في أعمال دوركايم المتأخرة، كمحاضراته في «التربية الأخلاقية» و«الأخلاق المهنية والمدنية»، تأكيدٌ على أن الحرية ليست معطى سابقاً على المجتمع، وإنما هي ثمرة تنظيم اجتماعي تحميه سلطة المعايير. وبهذا المعنى، فإن «الاستسلام» الذي يتحدث عنه النص ليس إذعاناً أعمى، بل وضع للذات في حماية قوة جماعية أعقل من الدوافع الفردية العمياء، وهو ما يختصره باومان في أنه «استسلام يحرر».

ثالثاً: قراءة باومان: من الصلابة إلى السيولة

لا يعرض باومان هذه الرؤية بدافع التبنّي، بل بوصفها نقطة انطلاق لتشخيص تحول تاريخي، فالمجتمعات الحديثة «الصلبة» التي كتب عنها دوركايم كانت تُنتج أطراً ثابتة (الدولة والمصنع والأسرة والطبقة) تتولى تنظيم الفرد ودمجه.

أما في «الحداثة السائلة» فقد تراجعت هذه الأطر، وانتقل عبء التنظيم من المجتمع إلى الفرد نفسه، الذي صار مطالباً بأن يصنع هويته ويدير مخاطره وينجح أو يفشل بمفرده.

وتكمن المفارقة التي يلفت إليها باومان في أن هذا الانتقال يُقدَّم بوصفه تحريراً، لكنه ينتج في الواقع قلقاً من نوع جديد: ما كان دوركايم يخشاه من غياب القواعد يعود في صورة فردانية مُلزِمة، يُحاسَب فيها الفرد على نتائج لا يملك أدواتها.

وهكذا لا تنتهي ثنائية التحرر والاستسلام، بل تتخذ شكلاً معاصراً هو الحرية الاستهلاكية في مقابل الأمان الجماعي.

رابعاً: الاعتراضات النقدية

واجهت الأطروحة الهوبزية الدوركايمية اعتراضات من اتجاهات متعددة، أبرزها:

التمييز بين الحرية السلبية والإيجابية:

في محاضرته «مفهومان للحرية» (1958) ميّز إشعيا برلين بين الحرية بوصفها غياب العوائق الخارجية والحرية بوصفها تحقيقاً للذات.

وحذّر من أن الانتقال من الثانية إلى تبرير الإكراه «لمصلحة» الفرد هو الطريق الذي سلكته أنظمة سلطوية كثيرة، وهو اعتراض مباشر على منطق «الإكراه يحرر».

تحليل فروم للهروب من الحرية:

في «الهروب من الحرية» (1941) رأى إريك فروم أن الأفراد قد يتخلون طوعاً عن حريتهم حين يثقل عليهم عبؤها، فيلجؤون إلى سلطة أو جماعة تمنحهم اليقين،  وهو يفسر جانباً من الجاذبية النفسية للاستسلام، لكنه يجعله أيضاً مرضاً اجتماعياً لا فضيلة.

فوكو والانضباط:

في «المراقبة والمعاقبة» (1975) أظهر ميشيل فوكو أن المؤسسات الانضباطية، كالسجن والمدرسة والمصنع، لا تحرر الفرد بل تنتج ذاتاً طيّعة ، فالقواعد الاجتماعية عنده ليست محايدة، بل أدوات قوة.

أوستروم والحوكمة الذاتية:

أظهرت إلينور أوستروم في «حوكمة المشاعات» (1990)، وهي دراسة نالت عنها جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2009، أن جماعات محلية كثيرة تدير مواردها المشتركة بقواعد تضعها بنفسها دون الحاجة إلى «لفياثان» يفرضها من الأعلى.

وهذا يضعف الافتراض الهوبزي القائل بأن غياب السلطة المركزية يعني الفوضى حتماً.

خامساً: ما تقوله الأدلة التجريبية

من الشواهد التي تُستدعى عادة في هذا النقاش تجربة ستانلي ميلغرام عن الطاعة (1963)، حيث وصل نحو 65% من المشاركين في الصيغة الأساسية إلى أقصى مستوى للصدمة الكهربائية بتوجيه من صاحب السلطة. وقد قُرئت التجربة بوصفها دليلاً على قابلية الإنسان للخضوع، أي أن الاستسلام ليس دوماً تحريراً، بل قد يكون أداة لأذى الآخرين.

وفي المقابل، تعرضت تجربة سجن ستانفورد (1971) لمراجعة نقدية واسعة، إذ نشر تيبو لو تكسييه في مجلة «American Psychologist» عام 2019 دراسة اعتمدت على الأرشيف الأصلي، خلص فيها إلى أن الحراس تلقّوا توجيهات صريحة بما ينبغي أن يفعلوه، ما يقوّض الاستنتاج القائل بأن السلوك الوحشي ينبع تلقائياً من الدور أو من غياب القيود.

أما على المستوى التاريخي، فيذهب ستيفن بينكر في «الملائكة الأفضل في طبيعتنا» (2011) إلى أن تراجع العنف عبر القرون يرتبط جزئياً بصعود الدولة واحتكارها العنف المشروع، وهو دعم نسبي للأطروحة الهوبزية. بينما يعارضه روتجر بريغمان في «Humankind» (2020) بعرض أدلة على ميل الإنسان إلى التعاون وأن القسوة الجماعية كثيراً ما تحتاج إلى أنظمة تبررها. وتبقى المسألة موضع خلاف بين الباحثين.

الخاتمة 

تكشف ثنائية التحرر والاستسلام عن توتر قائم في صميم الفكر الاجتماعي الحديث: فالحرية التي لا يحدّها إطار معياري قد تقود إلى القلق والانهيار، كما بيّن دوركايم، والإطار الذي يُفرض بلا مساءلة قد يتحول إلى أداة هيمنة، كما حذّر برلين وفوكو.

وتأتي أهمية قراءة باومان في أنها تنقل السؤال من «هل نحتاج إلى القواعد؟» إلى «من يضعها، ولمصلحة من، وبأي قدر من المشاركة؟».

ويبدو أن الجواب الأقرب إلى الأدلة المتاحة هو أن الحرية لا تُنتج بغياب المجتمع ولا بالاستسلام الأعمى له، بل بقواعد خاضعة للنقاش والمراجعة من قبل أصحابها.


المراجع: 

Bauman, Zygmunt. Liquid Modernity. Cambridge: Polity Press, 2000.

Bregman, Rutger. Humankind: A Hopeful History. London: Bloomsbury, 2020.

Durkheim, Émile. De la division du travail social. Paris: Félix Alcan, 1893.

Durkheim, Émile. Le Suicide: étude de sociologie. Paris: Félix Alcan, 1897.

Durkheim, Émile. L'Éducation morale (محاضرات 1902–1903). Paris: Félix Alcan, 1925.

Foucault, Michel. Surveiller et punir. Paris: Gallimard, 1975.

Fromm, Erich. Escape from Freedom. New York: Farrar & Rinehart, 1941.

Berlin, Isaiah. «Two Concepts of Liberty» (1958), in Four Essays on Liberty. Oxford: Oxford University Press, 1969.

Hobbes, Thomas. Leviathan, 1651, Chapter XIII.

Le Texier, Thibault. «Debunking the Stanford Prison Experiment.» American Psychologist 74(7), 2019: 823–839.

Milgram, Stanley. «Behavioral Study of Obedience.» Journal of Abnormal and Social Psychology 67(4), 1963: 371–378.

Ostrom, Elinor. Governing the Commons. Cambridge: Cambridge University Press, 1990.

Pinker, Steven. The Better Angels of Our Nature. New York: Viking, 2011.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11726
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.