من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

نفايات أوروبا الإلكترونية في غانا: سموم تتراكم في أجساد الشباب وتربة أكرا، وإدارة عاجزة عن الاحتواء

تقرير يكتبه خالد بيومي
نفايات أوروبا الإلكترونية في غانا: سموم تتراكم في أجساد الشباب وتربة أكرا، وإدارة عاجزة عن الاحتواء



تحقيق يرصد ما تقوله الدراسات الدولية عن مخاطر "مقبرة الإلكترونيات" في أكرا، وما لا يزال بحاجة إلى إثبات، والحلول المطروحة

ارتبط اسم حي أغبوغبلوشي في العاصمة الغانية أكرا لسنوات بأكبر مكبّ للنفايات الإلكترونية في أفريقيا. وبحسب دراسة منشورة في مجلة Environmental Geochemistry and Health، كان الموقع مركزًا لإعادة التدوير غير الرسمي إلى أن أُغلق، وكان يقطنه نحو 30 ألف شخص قبل نقل السكان عام 2021. (nih)

أرقام الاستيراد

تشير دراسة علمية إلى أن غانا استوردت أكثر من 215 ألف طن من النفايات والمعدات الإلكترونية عام 2009، وأن الموقع كان يعالج سنويًا ما بين 10 و13 ألف طن. وأفاد برنامج أممي بأن نحو 15 في المئة من تلك الواردات انتهى بها المطاف في المكبّ.

أما ورقة سياسات أصدرتها "غرينبيس أفريقيا" عام 2026 فتقدّر أن غانا تتلقى نحو 150 ألف طن من النفايات الإلكترونية سنويًا.

من أين تأتي؟

في 2019 تتبّعت شبكة "بازل أكشن" (BAN) الأمريكية أجهزة قديمة زوّدتها بأجهزة تعقّب، وذكرت أن عدد الأجهزة بلغ 314 جهازًا، وأن المملكة المتحدة كانت الأكثر تصديرًا بخمس شحنات، تلتها الدنمارك وأيرلندا بثلاث شحنات لكل منهما. وتشير الشبكة إلى أن قوانين الاتحاد الأوروبي القائمة على اتفاقية بازل تحظر تصدير هذه النفايات إلى الدول النامية.


وفي تحقيق صحفي أوروبي أعدّه الصحفي الغاني جيديون ساربونغ، حذّر خبراء من أن ثغرة "القابل للإصلاح" في الإرشادات الأوروبية قد تتيح تصدير أجهزة معطوبة بذريعة إصلاحها.

والمسألة محل جدل. فبحسب تقرير لموقع "سايديف"، يرى باحثون أن السؤال هو ما إذا كانت الأجهزة تُصدَّر بوصفها نفايات أم لتلبية طلب على إلكترونيات رخيصة تسهم في سد الفجوة الرقمية.

كما ورد أن دراسة للجنة التجارة الدولية الأمريكية لم تجد أدلة كافية على شحن نفايات غير معالجة من الولايات المتحدة إلى أفريقيا. 

ما الذي تكشفه الدراسات الصحية؟

وجدت دراسة ألمانية–غانية على عمال الموقع أن أكثر من 80 في المئة منهم تجاوزوا المستوى المقبول من الزرنيخ غير العضوي (14 ميكروغرامًا/لتر) مقابل 70 في المئة في المجموعة الضابطة، وأن 17.2 في المئة تجاوزوا الحد المسموح به (40 ميكروغرامًا/لتر)، وهو ما يعني خطرًا إحصائيًا للإصابة بالسرطان على مدى الحياة.

وخلصت دراسة لتربة الموقع إلى أن المخاطر السرطانية وغير السرطانية بلغت مستويات غير مقبولة في موقع إعادة التدوير. ورصدت دراسات أخرى مستويات مرتفعة من مستقلبات المركبات العطرية متعددة الحلقات في بول عاملين في الموقع. 

المخاطر البيئية: من الحرق إلى السلسلة الغذائية

لا يقتصر الأثر على العاملين. فحرق الكابلات والبلاستيك لاستخلاص النحاس يطلق جسيمات دقيقة سامة في الهواء من المعادن والبلاستيك. وفي 2019 أخذت منظمة "آيبن" (IPEN) عينات من بيض دجاج يتغذى قرب مواقع الحرق، وربطت التعرض للديوكسينات الكلورية بآثار صحية منها أمراض القلب والسكري والسرطان. وتشير دراسة منشورة world Bank Economic Review عام 2024 إلى أن تلوث المياه والمنتجات الزراعية المحلية من مسارات التعرض المحتملة.

ويحذّر مقال في صحيفة "ديلي غرافيك" الغانية من أن المجتمعات المجاورة لمواقع التدوير غير المنظمة معرّضة لاستنشاق مواد كيميائية سامة. ويضيف أن مكبات أخرى غير منظمة في منطقتي تيما وأشايمان تسهم في المشكلة. 

الشباب والأطفال في الواجهة

تقول منظمة الصحة العالمية إن أطفالًا لا تتجاوز أعمارهم خمس سنوات يعملون في فرز النفايات الإلكترونية وتفكيكها وإعادة تدويرها. وتقدّر "يونيسف" أن أكثر من 1.7 مليون طفل في غانا تتجاوز مستويات الرصاص في دمائهم 5 ميكروغرامات/ديسيلتر، وهو المستوى الذي يستدعي القلق.

ويوثّق مقال بمنصة "أفريكان آرغيومنتس" نزوح مئات الشباب من شمال شرق البلاد، أحيانًا لمسافة تتجاوز 800 كيلومتر، إلى أكرا للعمل في هذا القطاع الخطِر. 

تحديات إدارة النفايات: قانون موجود وتطبيق غائب

أصدرت غانا قانون إدارة النفايات الخطرة والإلكترونية رقم 917 لعام 2016، الذي يُلزم المصنّعين والمستوردين بالتسجيل لدى وكالة حماية البيئة ودفع رسم على النفايات الإلكترونية، كما يُلزم المصنّعين والموزعين وتجار الجملة باسترداد الأجهزة المستعملة أو المهملة لإعادة تدويرها. وبحسب ورقة "غرينبيس"، عُزّز هذا النظام عام 2025 بالقانون رقم 1124. 

غير أن التطبيق يواجه عقبات عدة منها : 

هيمنة القطاع غير الرسمي: تذكر دراسة عن مدينة كوماسي أن القطاع غير الرسمي يعالج 95 في المئة من النفايات الإلكترونية مقابل 5 في المئة للقطاع الرسمي. وتقدّر ورقة "غرينبيس" أن نحو 40 ألف شخص يعتمدون على التدوير في أغبوغبلوشي.

نقص المنشآت الرسمية:

تفيد الورقة نفسها بأن منشآت التدوير الرسمية لا تزال شحيحة. ويجري التفكيك بوسائل بدائية، إذ يعتمد التجار على أساليب خام كالمطارق والحجارة.

ضعف الإنفاذ:

تصف صحيفة "ديلي غرافيك" التراخي في إنفاذ القانون بأنه من أبرز التحديات. وتضيف "غرينبيس" أن محدودية موارد وكالة حماية البيئة تتيح استمرار الاستيراد غير القانوني والحرق. 

غياب مسار واضح للدمج:

يشير موجز سياسات منشور في غانا إلى غياب نهج موحّد لإدماج العاملين غير الرسميين في المنظومة الرسمية.

 

ثغرات الرقابة في بلدان المنشأ: تخلص مراجعة لأكثر من 40 دراسة عن أكرا إلى أن ثغرات في الأنظمة الدولية تمنح غانا حوافز وموارد محدودة لتعزيز الحماية. 

فجوة الإثبات

لا يعني ما سبق أن العلاقة السببية بين هذه النفايات وارتفاع معدلات السرطان بين الشباب الغاني مثبتة بإحصاءات وطنية. فمعظم الأدلة المنشورة تتعلق بمؤشرات التعرض وتقديرات المخاطر، لا بسجلات الإصابة.

وتؤكد المراجعة نفسها أن ضعف اللوائح وقلة وسائل الحماية يهيئان بيئة استغلالية ويعرّضان العاملين والسكان لمخاطر صحية. 

الحاجة إلى حلول فعالة

يتفق خبراء ومنظمات على أن الحل لا يكون بحظر النشاط وحده. فبحسب الموجز المنشور في غانا، يرى باحثون أن السعي إلى منظومة رسمية واحدة قد يكون غير واقعي، وأن الأنسب هو التعامل مع القطاعين الرسمي وغير الرسمي كطيف متصل يخفف أبرز أضرار القطاع غير الرسمي. وتشمل المقترحات الأخرى: 

تعزيز الإنفاذ:

تدعو الصحيفة الغانية إلى معاقبة المصنّعين المخالفين لقوانين إدارة النفايات الإلكترونية.

ربط الجامعين بمراكز رسمية:

يقترح المقال نفسه أن يسلّم الشباب الذين يجمعون النفايات من البيوت ما يجمعونه إلى مراكز تدوير معتمدة بدل معالجته بأنفسهم، مقابل رسوم. 

التعاون الدولي:

أطلقت سويسرا وغانا عام 2015 مشروع الصناعات المستدامة لإعادة التدوير (SRI)، لتعزيز استدامة سلسلة إدارة النفايات الإلكترونية.

وتدعم الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ) وزارة البيئة الغانية لتحسين الأطر السياسية وبناء قدرات العاملين غير الرسميين على إدارة أقل ضررًا بالبيئة والصحة.

سد الثغرات في بلدان التصدير:

تدعو "بازل أكشن" الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز إنفاذ التزاماته بموجب اتفاقية بازل. (eeb)

العالم والمشكلة

وفق مرصد النفايات الإلكترونية العالمي 2024، بلغ حجم هذه النفايات عالميًا 62 مليون طن في 2022، بزيادة 82 في المئة عن 2010، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 82 مليون طن بحلول 2030.

وبذلك تبقى غانا مثالًا على أن تصدير المشكلة لا يلغيها، بل ينقل كلفتها الصحية والبيئية إلى من هم أقل قدرة على تحمّلها.

#نقاش_دوت_نت 


التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11732
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.