أزمة الانتباه المفقود: كيف تحول العقل البشري إلى "ترس" في آلة الاستهلاك المعاصرة؟
منصة موقع نقاش الإخباري
تاريخ النشر: 24 أكتوبر 2026
في عالم يعج بالتنبيهات الرقمية وتدفقات المعلومات التي لا تنقطع، يبدو "التركيز" العميق وكأنّه عملة نادر وجودها، أو ترف فكري لم يعد بمقدور الإنسان المعاصر تحمله. وبينما يتهم البعض الكسل أو قلة الانضباط بالوقوف وراء تشتتنا الدائم، يذهب الفيلسوف وعالم النفس الاجتماعي البارز إريك فروم (Erich Fromm) في سفره الفكري "فن الوجود" (The Art of Being) إلى أبعد من ذلك بكثير؛ ليؤكد أن أزمة التركيز ليست سوى عرض مرضي لبنية متكاملة صاغها نظام الإنتاج والاستهلاك المعاصر، حيث يُستلب الإنسان تدريجياً ليفقد صلته بذاته.
خوف الذات من "التلاشي":
التحليل النفسي للهروب من التركيز
يرى إريك فروم أن جذور العزوف عن التركيز تكمن في منطقة عميقة ومعقدة من النفس البشرية؛ وهي "الخوف على الذات". يخشى البشر الاستغراق الكلي في فكرة أو حدث أو غاية، هرباً من وهم "فقدان الهوية أو الذات" أثناء هذا الانهماك.
وكلما كانت "ذات" المرء هشة وضعيفة، تعاظمت لديه الهواجس والوساوس من ضياعها حين يوجه طاقته نحو ما هو "خارج" ذاته. وإلى جانب ذلك، تلعب "نزعة التملك" (Possessiveness) المهيمنة دوراً محورياً؛ فالشخص المسكون بهاجس الاستحواذ والتملك يرى في أي استغراق عميق تهديداً لسلطته على ممتلكاته النفسية والمادية، مما يدفعه نحو "عكس التركيز" تماماً، أي التشتت السطحي المستمر بوصفه درع حماية وهمياً ، ولأن التركيز الفعلي يتطلب "حيوية داخلية" عالية ونشاطاً روحياً ونفسياً بعيداً عن الإنهاك، تصبح القدرة على الانخراط فيه عملة نادرة في مجتمعات الإنتاج الحديثة.
من صانع إلى "ترس": أزمة الإنتاج والاستهلاك
لا ينفصل المأزق النفسي الفردي الذي تحدث عنه فروم عن البنية الاقتصادية والاجتماعية الكبرى. فبحسب التحليل الهيكلي لنظام الإنتاج والاستهلاك المعاصر، فإن الإنسان الذي يقضي جلّ وقته مخدماً للآلة، أو محاكياً لحركاتها المصنوعة من الحديد والفولاذ، تتآكل تدريجياً فرصُه في اختبار التركيز الحقيقي.
تتسم إجراءات العمل الحديثة بالرتابة والميكانيكية المفرطة؛ وهي بيئة طاردة للتركيز العميق.
وعلى الجانب المقابل، لا يختلف "فعل الاستهلاك" كثيراً عن بيئة العمل؛ إذ يعمد السوق الرأسمالي المعاصر إلى ضخّ أكبر قدر ممكن من السلع والمسليات المتنوعة والمجتزأة. وبوجود هذه التشكيلة الهائلة من المشتتات والترفيه السريع، يصبح التركيز على شيء واحد ليس فقط "غير ضروري"، بل وشبه مستحيل.
رؤى دولية وأبحاث معاصرة: "اقتصاد الانتباه" وسجن الخوارزميات
تتطابق طروحات إريك فروم الفلسفية مع ما تتوصل إليه أحدث الدراسات النفسية والاقتصادية العالمية حول ما يُعرف بـ "اقتصاد الانتباه" (Attention Economy).
في ورقة بحثية صادرة عن مراكز الفكر الرقمي والسياسات العامة في جامعة جورجتاون، أشير إلى أن تسليع الانتباه البشري لم يعد مجرد تحول تكنولوجي عابر، بل هو "أزمة سياسية وأخلاقية" تهدد الاستقلالية المعرفية للإنسان.
مفارقة الندرة:
أشار الاقتصادي والحائز على جائزة نوبل هيربرت سيمون (Herbert Simon) مبكراً إلى أن وفرة المعلومات تخلق بالضرورة "فقراً في الانتباه".
في الوقت الذي تُباع فيه بيانات المستخدمين وتُشترى في الأسواق الرقمية العالمية، يتعرض الدماغ البشري لعمليات "اختطاف عصبي" ممنهجة تعتمد على الإثارة السريعة والتقلبات المفاجئة.
تراجع التفكير النقدي:
تؤكد تقارير منظمات الصحة النفسية الدولية أن التصفح المشتت والمهام المتعددة (Multitasking) تقلل تدريجياً من كفاءة القشرة الجبهية للدماغ، مما يؤدي إلى تراجع القدرة على التحليل العميق والتفكير النقدي، تماماً كما تنبأ فروم بأن كثرة المسليات تلغي الحاجة للتركيز الأحادي.
الخاتمة:
نحو استعادة الإنسانية وسط طاحونة المشتتات
إن قراءة إريك فروم اليوم -في عصر الذكاء الاصطناعي وخوارزميات منصات التواصل الاجتماعي- تكتسب طابعاً نببوياً حاداً. فالمعركة لم تعد مجرد معركة إدارة وقت، بل هي معركة وجودية تتحدد فيها قدرة الإنسان على الاحتفاظ ببشريته وفرادته في مواجهة آلة استهلاكية ضخمة تريد منه أن يكون مجرد مستهلك متقلب ومنتج مطيع.
إن استعادة القدرة على التركيز تعني، بوضوح، استعادة القدرة على "الكينونة" لا "التملك"، وهو التحدي الأكبر للإنسان المعاصر الساعي لإنقاذ روحه من التشتت والضياع.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك