اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا: صراع الجغرافيا والمصالح يعود لواجهة المشهد في شرق المتوسط
منصة نقاش الإخباري
تاريخ النشر : 24 أكتوبر 2026
أعاد التصويت الأخير لمجلس النواب الليبي بالموافقة على اعتماد مذكرة التفاهم الخاصة بترسيم الحدود البحرية مع تركيا (الموقعة أصلاً عام 2019) سكب الزيت على نار التوترات الجيوسياسية في حوض البحر الأبيض المتوسط. فبينما ترى طرابلس وأنقرة في هذه الخطوة مكسباً استراتيجياً ومظلة تشريعية تحمي حقوقهما السيادية في استكشاف ثروات الطاقة، تقابلها عواصم إقليمية وأوروبية برفض قاطع، معتبرة إياها "باطلة ولاغية" ومهددة لاستقرار المنطقة.
أولاً: أبعاد الاتفاق وموقف الأطراف المؤيدة
تستهدف المذكرة البحرية إنشاء خط ترسيم مباشر يربط بين السواحل الجنوبية لتركيا والسواحل الشرقية لليبيا، وهو ما يمنح البلدين -وفق الرؤية التركية- منطقة اقتصادية خالصة تتيح لهما حقوقاً سيادية كاملة للتنقيب عن النفط والغاز في مساحات واسعة من شرق المتوسط.
وقد حملت المصادقة البرلمانية الأخيرة دلالات سياسية بالغة الأهمية، تجاوزت البُعد القانوني المحض لتشمل تحولاً لافتاً في مواقف الأطراف الفاعلة بشرق ليبيا؛ حيث قوبل القرار بترحيب واسع، من أبرز ثماره سحب قرار مقاطعة تركيا والتعويل على الاتفاق كأداة لحماية المصالح الوطنية الليبية، وتأمين غطاء تشريعي يرفع سقف التفاوض ويحصن المواقف القانونية لأنقرة.
ثانياً: المخاوف والرفض الإقليمي.. "تجاوز للسيادة وجغرافيا الجزر"
على الجانب الآخر، أثار التحرك الليبي-التركي حفيظة عواصم إقليمية وأوروبية رئيسية، تتقاطع اعتراضاتها عند النقاط التالية:
الموقف المصري: أعلنت وزارة الخارجية المصرية رفضها المطلق للخطوة، معتبرة الاتفاق "باطلًا ومعدوم الأثر القانوني"، كونه يمس بشكل مباشر الجرف القاري المصري ومنطقتها الاقتصادية الخالصة بمواجهة السواحل الغربية، وينتقص من حقوقها السيادية.

الهواجس اليونانية: ترى أثينا أن الاتفاق يتجاهل تماماً قواعد "قانون البحار الدولي" (UNCLOS لعام 1982) التي تمنح الجزر حقوقاً كاملة في المناطق الاقتصادية الخالصة. ويعتبر الجانب اليوناني أن الترسيم التركي-الليبي يتعمد "محو" الجزر اليونانية الكبرى (مثل كريت، رودوس، كارباثوس، وكاستيلوريزو) من الخريطة، ويخلق وقائع جغرافية غير منطقية.
الرفض القبرصي والأوروبي: جدد رئيسا المجلس الأوروبي والمفوضية الأوروبية رفضهما القاطع للمذكرة، مؤكدين التضامن المطلق مع اليونان وقبرص، والتلويح بأدوات سياسية ودبلوماسية للتعامل مع أي خطوات أحادية تضر بمصالح دول الاتحاد. كما أعربت إسرائيل عن قلقها من أن تؤدي هذه التحركات إلى مزيد من زعزعة الاستقرار في مسارات الطاقة الإقليمية.
ثالثاً: تحركات مضادة وتداعيات اقتصادية محتملة
في ظل هذا التصعيد، تشير التقارير الدبلوماسية إلى تفعيل التنسيق المشترك بين مصر واليونان لبحث توسيع النطاق الجغرافي لاتفاقيات ترسيم الحدود الاقتصادية الخالصة شرقاً (اتجاه قبرص ومنطقة جزيرة كاستيلوريزو) كخطوة استباقية لمواجهة الآثار القانونية للاتفاق التركي.

أما على الصعيد الاقتصادي والعملي، فيقترب خبراء الطاقة من ترجيح سيناريو "تجميد الفائدة المباشرة للاتفاق مؤقتاً"؛ إذ يُتوقع أن تحجم شركات الطاقة العالمية الكبرى عن ضخ مليارات الدولارات للتنقيب في "المثلث المائي الخلافعي" في ظل بيئة أمنية متوترة وعسكرة دبلوماسية متصاعدة، مما يحول الاتفاق مؤقتاً من مكسب اقتصادي بحت إلى "معركة سياسية وقانونية مفتوحة".
يجمع المراقبون على أن استخراج ثروات "حوض المتوسط" يظل رهناً بتسوية التفاهمات السياسية لا بتأجيجها؛ فرغم أن المصادقة الليبية تمنح الأطراف الموقعة أوراق تفاوض أقوى، إلا أنها تضع المنطقة بأكملها على صفيح ساخن من الاستقطاب الإقليمي والدولي الذي تتشابك فيه حسابات الأمن القومي مع اقتصاديات المستقبل.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك