من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

عبد الرحمن الكواكبي: من الصحافة الإصلاحية إلى نقد الاستبداد .. قراءة تحليلية في السيرة والفكر والأثر

خالد بيومي
عبد الرحمن الكواكبي: من الصحافة الإصلاحية إلى نقد الاستبداد .. قراءة تحليلية في السيرة والفكر والأثر

 «من رواد نقد الاستبداد والدعوة إلى الحكم الشوري المقيّد».



يتناول هذا المقال سيرة عبد الرحمن الكواكبي (1271–1320هـ / 1855–1902م) ومشروعه الفكري، من خلال تتبّع مساره من النشأة الحلبية والعمل الصحفي والإداري في الولاية العثمانية، إلى الهجرة إلى مصر وتأليف كتابيه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» و«أم القرى». وتحاول الدراسة تفكيك الأطروحة المركزية للكواكبي القائلة بأن الاستبداد السياسي هو أصل الداء في الاجتماع العربي والإسلامي، وبيان صلته بالدين والعلم والمال والأخلاق، ثم تقويم أثره في الفكر العربي الحديث. وتعتمد الدراسة منهجاً تاريخياً تحليلياً يقوم على نصوص الكواكبي نفسه، ومقارنتها بالدراسات اللاحقة.

هذا ما قاله المفكر عبد الرحمن الكواكبي منذ عقود :

"إن فناء دولة الاستبداد لايصيب المستبدين وحدهم، بل يشمل الدمار الأرض والناس والديار , لأن دولة الاستبداد في مراحلها الأخيرة تضرب ضرب عشواء كثور هائج، أو مثل فيل ثائر في مصنع فخار, وتحطم نفسها وأهلها وبلدها قبل أن تستسلم للزوال, وكأنما يستحق على الناس أن يدفعوا في النهاية ثمن سكوتهم الطويل على الظلم وقبولهم القهر والذل والاستعباد."


أولاً: المقدمة

شهد العالم العربي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر تحولات كبرى تحت وطأة الإصلاحات العثمانية (التنظيمات)، والتغلغل الأوروبي، وظهور الصحافة والمطبعة الحديثة. وفي هذا السياق برز الكواكبي بوصفه أحد أبرز من نقلوا السؤال النهضوي من «لماذا تأخر المسلمون؟» إلى «ما الذي يُنتج التأخر سياسياً؟»، فجاء جوابه مختلفاً عن أجوبة كثير من معاصريه الذين ركّزوا على التعليم أو التجديد الديني أو الأخذ بالحضارة الغربية.

وتنطلق الدراسة من سؤال رئيس: كيف تحوّلت تجربة الكواكبي الشخصية والإدارية والصحفية في حلب إلى نظرية متكاملة في نقد الاستبداد؟ ويتفرع عنه: ما أثر البيئة العثمانية في تكوينه؟ وما موقع كتابيه في مشروعه؟ وما حدود أطروحته وما الذي بقي منها حياً؟

ثانياً: النشأة والتكوين (حلب 1855–1875)

وُلد عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الكواكبي في مدينة حلب سنة 1271هـ الموافقة لسنة 1855م، في أسرة علمية معروفة بالمكانة الدينية والإدارية، يُنسب إليها أنها من الأسر ذات الصلة بالنقابة والتدريس والإفتاء. وتذكر المصادر الترجمية أن أباه أحمد كان من علماء حلب ومدرّسي المدرسة الكواكبية، وأن عبد الرحمن تلقى علومه الأولى في هذه المدرسة، فتعلّم العربية والفقه والمنطق والفلسفة، وأضاف إليها اللغتين التركية والفارسية، وهو ما أتاح له الاطلاع على الإدارة العثمانية وأدبياتها من داخلها. ويشير بعض الباحثين إلى أنه اطّلع كذلك على ثقافة غربية عبر الترجمات والصحف المتاحة آنذاك، من دون أن تتوافر معلومات دقيقة عن إتقانه لغة أجنبية غربية.

وهذا التكوين المزدوج، الشرعي الأدبي والإداري، هو ما يفسّر نبرة كتابات الكواكبي: لغة عالِم، ومعرفة موظف بتفاصيل الجهاز العثماني.

ثالثاً: البيئة التاريخية: الدولة العثمانية بين الإصلاح والاستبداد

عاش الكواكبي في عهدين متداخلين: عهد التنظيمات وما صاحبه من آمال دستورية بلغت ذروتها بإعلان دستور 1876، ثم عهد السلطان عبد الحميد الثاني الذي علّق العمل بالدستور سنة 1878 وأرسى نظاماً مركزياً مشدداً. وقد عايش الكواكبي هذا التحول عن قرب في حلب، فكانت تجربة سقوط الأمل الدستوري ركناً أساسياً في تكوين موقفه من السلطة المطلقة.

وتشير المراجع إلى أن الولايات العربية عانت في هذه الحقبة من ضعف الرقابة على الولاة، وانتشار المحسوبية، وثقل الضرائب، وهي أمور وصفها الكواكبي لاحقاً بدقة المشاهد لا المنظّر.

رابعاً: المسار الصحفي والإداري

بدأ الكواكبي حياته العملية محرراً في جريدة «الفرات» الرسمية الصادرة في حلب بالعربية والتركية، ثم أصدر سنة 1294هـ / 1877م جريدة «الشهباء»، وهي من أوائل الصحف الأهلية في بلاد الشام. غير أن الجريدة أُغلقت بعد أعداد قليلة بسبب انتقادها للوالي ولسياسات الإدارة، ثم أصدر بعدها جريدة «الاعتدال» سنة 1879م، فلقيت المصير ذاته. ويُعدّ هذا المسار تجربة تأسيسية في تاريخ الصحافة العربية الإصلاحية، إذ تبيّن مبكراً أن حرية الصحافة لا تستقيم في ظل سلطة غير خاضعة للمحاسبة.

وإلى جانب الصحافة، تقلّد الكواكبي مناصب عدة في الولاية، منها عضوية مجلس إدارة الولاية والمجلس البلدي، ورئاسة بلدية حلب في فترة من حياته، وعمل في الأعمال التجارية والمحاماة، ما جعله على صلة مباشرة بالمظالم الفردية والمؤسسية.

خامساً: التحديات والمعارضة

تعرّض الكواكبي في حلب لمضايقات متكررة من بعض الولاة وأتباعهم، انتهت باتهامه ضمن قضية سياسية في أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر، وسُجن وأُحيلت قضيته إلى القضاء، ثم انتهى الأمر ببراءته، لكن بعد خسائر مادية ومعنوية كبيرة، وفق ما أورده المترجمون له ومنهم ابنه أسعد الكواكبي في سيرة أبيه. وقد صارت هذه التجربة مادة حية لكتابه في نقد الاستبداد، إذ كتب عن الاستبداد من تجربة من وقع عليه ظلمه.

سادساً: الرحلة الأخيرة والإقامة في مصر

غادر الكواكبي حلب إلى مصر عام 1898م، فاستقر في القاهرة، وارتبط بالدوائر الإصلاحية والصحفية هناك، وكتب في جريدة «المؤيد» وأصدر كتابيه. ثم قام برحلة واسعة شملت شرق أفريقيا والهند وبعض سواحل الجزيرة العربية، تذكر المصادر أنه أراد من خلالها الوقوف على أحوال المسلمين في الأقطار المختلفة. وبعد عودته إلى القاهرة توفي فجأة في 6 ربيع الأول 1320هـ الموافق 14 يونيو 1902م، ودُفن في مقبرة باب الوزير. وقد شاع في الروايات المتداولة أنه مات مسموماً بتدبير من السلطة العثمانية، ولا تتوافر وثائق قاطعة تحسم الأمر، ولذلك ينبغي التعامل معه بوصفه رواية متداولة لا حقيقة موثقة.

سابعاً: المؤلفات والآثار

يرتكز مشروع الكواكبي على عملين رئيسين:

١. «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد»: نُشرت فصوله مسلسلة في صحيفة «المؤيد» عام 1899–1900م باسم مستعار هو «الرحالة ك»، ثم صدرت في كتاب بالقاهرة سنة 1900م. والكتاب تحليل للاستبداد السياسي وعلاقته بالدين والعلم والمجد والمال والأخلاق والتربية والترقي والتنازع على البقاء.

٢. «أم القرى»:

عمل قريب من الأدب المحاكاتي، يصوّر اجتماعاً متخيلاً لوفود من أنحاء العالم الإسلامي في مكة، يتدارسون أسباب الانحطاط ويقترحون سبل النهوض، وصدر في القاهرة نحو عام 1899م باسم مستعار هو «السيد الفراتي». ويتضمن مقترحاً لإصلاح مؤسسة الخلافة ونقلها إلى قرشي عربي تكون سلطته دينية أساساً، وهو مقترح فسّره دارسون بوصفه موقفاً مناهضاً للاحتكار العثماني للخلافة، وأوّله آخرون تأويلاً أقل قومياً. وقد اختلف الباحثون في وزن البعد العربي القومي في الكتاب، وهو اختلاف ظلّ حاضراً في الدراسات اللاحقة.

كذلك نُسب إلى الكواكبي عدد من المقالات والمقدمات والرسائل، جُمعت في نشرات لاحقة للأعمال الكاملة، أشهرها تحقيق محمد عمارة.

ثامناً: التحول الفكري ونقد الاستبداد

تبلورت أطروحة الكواكبي المركزية في أن الاستبداد هو «التصرف في الشؤون المشتركة بمقتضى الهوى»، أي ممارسة سلطة غير مسؤولة أمام الجماعة. ومن هذا التعريف تتفرع عناصر نظريته:

الاستبداد والدين:

رأى أن الاستبداد السياسي يستعين بالمؤسسة الدينية لتبرير نفسه، وأن الاستبداد في الدين والاستبداد في السياسة متلازمان، ولا بد من تحرير الدين من توظيف السلطة له، من غير أن يعني ذلك دعوة إلى إقصائه.

الاستبداد والعلم: يخشى المستبد العلم لأنه يُنتج وعياً بالحقوق، فيحاصره أو يوجّهه.

الاستبداد والأخلاق: يُفسد المستبد أخلاق الرعية بإذلالها وتعويدها الخوف والنفاق.

الاستبداد والمال: يحتكر المستبد الثروة أو يوظفها لشراء الولاءات.

الحل: لا يكون بالثورة المتعجلة بقدر ما يكون ببناء وعي عام ومؤسسات رقابية وشورى حقيقية، فقد رأى أن إسقاط مستبد من غير تهيئة الأمة قد يأتي بمستبد آخر.

والجدير بالتنبيه أن الكواكبي كان يستحضر الاستبداد بوصفه بنية اجتماعية تتغذى من خضوع الرعية، لا مجرد انحراف شخصي عند الحاكم، وهي رؤية قريبة في روحها من تحليلات لاحقة في علم الاجتماع السياسي.

تاسعاً: القيم والمبادئ

يقوم المنهج الإصلاحي عند الكواكبي على قيم أساسية: الحرية السياسية، والمساواة أمام القانون، والشورى والمحاسبة، والتربية على الكرامة، وربط الإصلاح الديني بالإصلاح الاجتماعي والسياسي. وقد دعا إلى الاستفادة من التجارب الإنسانية دون التنكر للأصول، ولم يكن في موقفه عداء للدين، بل دعا إلى تحريره من الجمود والتوظيف السياسي.

عاشراً: الأثر في الفكر العربي

انتشرت أفكار الكواكبي في الأوساط الإصلاحية والصحفية العربية، وتناولها عدد من الباحثين المعتبرين. ويضعه ألبرت حوراني في سياق مفكري «العصر الليبرالي» العرب الذين حاولوا التوفيق بين المرجعية الإسلامية والمطالب الدستورية. وقدّمت سيلفيا حائم ترجمة إنجليزية لأجزاء من «أم القرى» ضمن أنطولوجيا القومية العربية، فنقلت الكواكبي إلى دائرة الدراسات الغربية. وأعاد محمد عمارة نشر أعماله الكاملة وقدّم لها دراسة، مما أسهم في إحياء حضوره في الثقافة العربية المعاصرة. وفي مصر تأثر بكتاباته طيف من الصحفيين والمصلحين، وقد استُشهد بآرائه في سياق مناقشات الدستور والحكم النيابي.

وتتفاوت القراءات اللاحقة له:

فهناك من يراه رائداً للفكر الدستوري والديمقراطي، وهناك من يرى أن وصفه بذلك قراءة بأثر رجعي، إذ لم يصغ برنامجاً مؤسسياً مفصلاً للحكم، وإنما قدّم نقداً تحليلياً عميقاً وتصورات عامة.

حادي عشر: الإرث التاريخي وحدود الأطروحة

يبقى الكواكبي في الذاكرة الفكرية العربية رمزاً لنقد الاستبداد. ومع ذلك، تُسجَّل على أطروحته ملاحظات منهجية، منها:

غلبة التعميم في بعض أحكامه عن «طبائع» الشعوب والحكام.

محدودية التصور المؤسسي لبدائل الحكم المطلق.

اختلاف الدارسين في تقدير نزعته القومية في «أم القرى».

اعتماد بعض السير القديمة على روايات متأخرة ومتضاربة، خصوصاً في تفاصيل السجن والوفاة.

ومن هنا تكتسب العودة إلى النصوص الأصلية والمحققة أهميتها في أي دراسة جادة.

خاتمة

تبيّن الدراسة أن مشروع الكواكبي ثمرة تفاعل بين تجربة إدارية وصحفية في ولاية عثمانية، وصدمة خيبة الأمل الدستورية، وثقافة شرعية أدبية واسعة. وقد انتقل من نقد الوقائع إلى نقد البنية، فجعل الاستبداد مدخلاً لفهم التخلف، وهذه أهم إضافاته إلى الفكر العربي الحديث. ومع ما يلزم من تدقيق بعض التفاصيل الجدلية في سيرته، تبقى أطروحته الأساسية مرجعاً لا غنى عنه لدارسي الفكر السياسي العربي.

القرن العشرين الذي صاغ أفكار المنطقة العربية في مجمله أدبي، كان العصر الذهبي للأدب والأدباء، الكواكبي جعل الفكر السياسي يصاغ بالأدب، طه حسين جعل التعامل مع الحداثة بالأدب، سيد قطب جعل العلاقة بالتراث والسياسة بالأدب، العقاد جعل التراجم أدبية، سواء للشخصيات أو الأفكار، محمود شاكر واجه المستشرقين بالأدب، تنفس الناس أدبًا حتى لم يعد للمعايير الصارمة موقعًا، يمكنك أن تجمِّل كل مأساة بعبارة أدبية: (رحلة الدم الذي هزم السيف)، يمكنك بجملة واحدة أن ترمي بها ولا تدرك أبعادها أن تقول: (لا يفتي قاعد لمجاهد) رغم أنها صيغة أدبية تؤسس لحكم العسكر، وعزل الحكام المدنيين، بمن فيهم متخصصو السياسة، عبارة أدبية يمكنها أن تحل مكان كل كتب الفكر السياسي، ولذا فإنَّ التفكير العلمي الصارم هو وحده الذي يمكنه أن يجعل للأدب موضعه، وللعلم موضعًا، أغلب الشعارات التي تطلق هي مجرد اقتيات على مرحلة طفرة الأدب في القرن العشرين، حين تنتصر القوافي على الأرقام، ويوفر البحث في الكلمات، عناء البحث الجاد الطويل في المشاريع.

قائمة المصادر والمراجع المقترحة

المصادر الأولية:

الكواكبي، عبد الرحمن. طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد. القاهرة، 1900 (ونشراته المحققة اللاحقة).

الكواكبي، عبد الرحمن. أم القرى. القاهرة، نحو 1899.

الكواكبي، أسعد. سيرة عبد الرحمن الكواكبي (ترجمة ابنه المنشورة ضمن بعض طبعات كتبه).

جريدتا «الشهباء» و«الاعتدال» (حلب)، وصحيفة «المؤيد» (القاهرة، 1899–1900).

الدراسات:

عمارة، محمد (تحقيق ودراسة). الأعمال الكاملة لعبد الرحمن الكواكبي. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

Hourani, Albert. Arabic Thought in the Liberal Age, 1798–1939. Oxford University Press, 1962.

Haim, Sylvia G. Arab Nationalism: An Anthology. University of California Press, 1962.

Weismann, Itzchak. أعمال حول الإصلاح والفكر الإسلامي الحديث في بلاد الشام.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11761
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.