كواليس "حالة الطوارئ" في بريطانيا: هل تخفي الاستخبارات أسراراً مرعبة أم تعيد كتابة قواعد المواجهة؟
منصة نقاش الإخباري
تاريخ النشر : 25 أكتوبر 2026
في ظل تزايد الظهور الإعلامي المكثف لكبار القادة العسكريين والأمنيين في المملكة المتحدة، وتوجيههم دعوات غير مألوفة للمواطنين لتخزين المياه والأغذية المعلبة، تتصاعد التساؤلات في الشارع البريطاني والعالمي عما إذا كانت الاستخبارات البريطانية (MI5 وMI6) تمتلك معلومات كارثية وشيكة تخفيها عن الرأي العام. غير أن الغوص في أروقة الحكومة ومكتب الصندوق الكابيلي (Cabinet Office) والبرلمان البريطاني يكشف عن صورة أكثر تعقيداً؛ تفيد بأن ما يجري ليس إخفاءً لكارثة مفاجئة، بل هو تحول استراتيجي معلن نحو "عقيدة الاستعداد الشامل" لمواجهة عالم بات على حافة صراعات متعددة الجبهات.
حملة "كن مستعداً": تفاصيل التوجيهات الرسمية
أطلقت الحكومة البريطانية رسمياً حملة "كن مستعداً" (Be Ready)، وهي مبادرة وطنية واسعة النطاق تمتد لثلاث سنوات، تهدف إلى رفع جاهزية المواطنين للتعامل مع انقطاعات الخدمات الأساسية الناتجة عن الهجمات السيبرانية، أو أزمات المناخ، أو التخريب المتعمد للبنية التحتية.
وتوصي الإرشادات الرسمية الجديدة الأسر البريطانية بالاحتفاظ بحد أدنى من المؤن يكفي لمدة 72 ساعة، وتتضمن القائمة المعتمدة:
مياه الشرب: 3 لترات من المياه الفردية يومياً للشرب، بالإضافة إلى كميات إضافية للطهي والنظافة.
الأغذية غير القابلة للتلف: أطعمة معلبة ومعلبات لا تحتاج إلى تبريد أو طهي معقد.
مستلزمات الطوارئ الأساسية: راديو يعمل بالبطارية أو بالتدوير اليدوي (FM)، مصابيح كشافات بديلة للشموع، بنك طاقة مشحون (Power Bank)، وحقيبة إسعافات أولية.
السيولة النقدية:
الاحتفاظ بمزيج من العملات المعدنية والورقية تحسباً لأي أعطال مفاجئة في الأنظمة المصرفية الرقمية أو شبكات الصراف الآلي.
"كتاب الحرب":
تحديث خطط الحقبة السوفيتية
لم تقتصر الإجراءات على الجانب المدني، فقد أقرّت وزارة الدفاع البريطانية إعادة صياغة وتحديث البروتوكولات المركزية العتيقة المعروفة تاريخياً بـ "كتب الحرب الحكومية" (Government War Books)، والتي تعود جذورها إلى حقبة الحرب الباردة.
وتتضمن الخطط الجديدة آليات سرية وعملية لنقل مؤسسات الدولة الحيوية – بما في ذلك شبكات الطاقة، والمستشفيات، والشرطة، وقطاعات الاتصالات – من حالة السلم إلى حالة الطوارئ القصوى في حال تصاعد التهديدات الدولية. وتشير تقارير مكتبة مجلس العموم البريطاني (Commons Library) إلى أن هذه الخطوات تأتي استجابة لتقييمات المخاطر الوطنية (National Risk Register)، والتي تصنف انقطاع الطاقات الكبرى والهجمات السيبرانية كتهديدات ذات احتمالية تصاعدية مقلقة.
أبعاد استخباراتية وعسكرية:
ما الذي تراه لندن بوضوح؟
تؤكد الدوائر السياسية في وستمنستر أن المسؤولين العسكريين، مثل رئيس هيئة الأركان العامة الفريق رولي واكر، والمارشال ريتشارد نايتون، لا يطلقون تحذيراتهم عبثاً، بل يستندون إلى معطيات استخباراتية واضحة تتمثل في:
حروب الجيل الحديث (Hybrid Warfare):
الانتقال من الحروب التقليدية المباشرة إلى استهداف البنية التحتية الحساسة للدول، مثل الكابلات البحرية للإنترنت، وخطوط أنابيب الطاقة، والهجمات السيبرانية المدمرة التي تستهدف المؤسسات الحيوية.
الاحتقان الجيوسياسي العالمي:
التقارير الاستخباراتية المشتركة تشير إلى تزايد خطورة التقاء الأزمات في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط وآسيا، وسط تقديرات عسكرية غربية باحتمالية مواجهة تحديات أمنية كبرى مع قوى كبرى منافسة بحلول نهاية العقد الحالي.
صدمة الاعتماد الرقمي:
تعترف الحكومة بأن المجتمع البريطاني أصبح هشّاً نتيجة الاعتماد المطلق على التكنولوجيا وشبكات الإنترنت، ما يجعل أي شلل مؤقت في الطاقة كفيلاً بإحداث فوضى عارمة إن لم يكن المواطن مهيأً نفسياً ولوجستياً لإدارتها ذاتياً لأيام معدودة.
بين الشفافية والذعر: جدل داخلي
بينما تؤكد الحكومة على لسان وزرائها أن هذه الخطوات تهدف إلى حماية المواطنين وبناء "مرونة مجتمعية" مماثلة لما تطبقه دول أوروبية مثل السويد وفنلندا وهولندا، يحذر بعض الخبراء من أن م,ثل هذه الحملات قد تثير هلعاً غير مبرر يشبه فترات الإغلاق إبان جائحة كورونا. غير أن الإجماع السياسي في لندن يميل نحو ضرورة "المصارحة المبكرة" لرفع الوعي العام، معتبرين أن ثمن التحذير المبكر أقل بكثير من كلفة المفاجأة وقت الأزمات.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك