من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

ماذا لو لم يكن الخوف من الفشل… بل من النجاح؟

د.عزة البنداري
ماذا لو لم يكن الخوف من الفشل… بل من النجاح؟

بسم الله الرحمن الرحيم 

تخيّل أن لديك موهبة حقيقية، وفكرة تستحق أن تُقال، ومشروعًا تحلم به منذ سنوات، لكنك كلما اقتربت من إخراجه إلى النور، وجدت سببًا جديدًا للتأجيل.
تقول لنفسك: سأبدأ عندما أصبح أكثر استعدادًا، عندما يتحسن مستواي، عندما أتعلم المزيد، وعندما أتأكد أن ما أقدمه يستحق أن يراه الناس.
وتمر الأيام، وربما السنوات، بينما تظل الفكرة حبيسة رأسك، والموهبة حبيسة أدراجك، والحياة تمضي دون أن تمنح نفسك فرصة حقيقية.
تُروى حكاية عن شاعرة موهوبة في باريس خلال عشرينيات القرن الماضي، كانت تحتفظ بدفتر أبيض تحت سريرها، تكتب فيه أجمل قصائدها، لكنها لا تنشر منها شيئًا، خوفًا من ألا تنال إعجاب الناس.
امتلأ الدفتر بالقصائد، وظلت صاحبته صامتة، حتى جاءها سؤال غيّر طريقة تفكيرها.
حين سُئلت عن سبب إخفاء أشعارها، أجابت بأنها تخشى ألا تعجب الناس.
فجاءها السؤال: «وماذا لو أعجبتهم؟»
تتوقف الحكاية عند هذا السؤال، لكنه يفتح بابًا يستحق أن نتأمله طويلًا.
ماذا لو كان ما نخشى مواجهته ليس الفشل وحده، بل احتمال النجاح أيضًا؟
فالفشل قد يجرح ثقتنا بأنفسنا، لكن النجاح يضعنا أمام مسؤوليات جديدة؛ أن نكون مرئيين، وأن نتحمل التقييم، وأن نتخلى عن منطقة الاختباء التي تمنحنا شعورًا زائفًا بالأمان.
ما دمنا لم نبدأ، يمكننا الاحتفاظ بصورة مثالية عن أنفسنا. يمكننا أن نقول إننا موهوبون، لكننا لم نحصل على الفرصة المناسبة، وإننا قادرون على تحقيق الكثير، لكن الظروف لم تسمح بعد.
أما حين نبدأ، فإننا ننتقل من الاحتمالات إلى الواقع؛ نكتشف نقاط قوتنا وضعفنا، ونتعلم، ونخطئ، ونواجه آراء قد لا تعجبنا.
وهنا يقع الفخ: نخلط بين الاستعداد والكمال، وبين تطوير أنفسنا وتأجيل حياتنا، وبين انتظار الفرصة المناسبة والخوف من اتخاذ الخطوة الأولى.
نبحث عن ضمانة مستحيلة: أن نبدأ دون أن نخطئ، وأن ننجح دون أن نتعرض للنقد، وأن نُظهر ما لدينا دون أن يحكم علينا أحد.
لكن هذه الضمانة لا وجود لها.
والأهم أن الخوف من النجاح ليس التفسير الوحيد للتأجيل؛ فقد يكون وراءه خوف من الفشل، أو تجارب سابقة مؤلمة، أو ظروف واقعية، أو شعور بأننا لا نستحق ما نطمح إليه. لكن النتيجة قد تكون واحدة: أن نظل نؤجل ما نريد فعله، حتى تتحول الحماية من خيبة الأمل إلى حرمان من الفرصة.
أحيانًا لا نخسر لأننا لا نملك ما نقدمه، بل لأننا لا نمنح ما نملكه فرصة للخروج إلى العالم.
ليس مطلوبًا أن تكون أعمالنا كاملة من المحاولة الأولى، ولا أن ننتظر اختفاء الخوف تمامًا. المطلوب أن نفهم أن المهارة تنمو بالممارسة، والثقة تتعزز بالتجربة، وأن كثيرًا مما نحتاج إلى تعلمه لن نتعلمه ونحن واقفون في أماكننا.
اكتب ما تؤجله، وانشر ما تخشى عرضه، وابدأ مشروعك الصغير، وتقدم خطوة نحو هدفك. ليس عليك أن تقفز إلى النهاية؛ يكفي أن تتوقف عن تأجيل البداية.
فكم من فكرة ظلت حبيسة عقل صاحبها حتى سبق إليها شخص أقل موهبة، لكنه امتلك شجاعة المحاولة؟ وكم من فرصة ضاعت لأن صاحبها ظل ينتظر أن يصبح مستعدًا تمامًا؟
لا تسمح للخوف من حكم الآخرين بأن يصبح حكمًا نهائيًا على حياتك.
والآن، اسأل نفسك بصدق: ما الشيء الذي تخفيه في درج الانتظار، وتؤجل إخراجه إلى النور حتى تصبح مستعدًا؟
ربما لا تحتاج إلى مزيد من الوقت بقدر ما تحتاج إلى أن تمنح نفسك الإذن بالمحاولة.
فالحياة لا تكافئ دائمًا الأكثر موهبة، ولا تنتظر حتى يصبح الجميع مستعدين؛ أحيانًا تتغير حياة من قرر أخيرًا أن يفتح الدفتر، ويكتب اسمه على الصفحة الأولى.
#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11765
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.